وطن-لم تعد المواجهات المرتبطة بالتنقيب غير المشروع عن الذهب في جنوب مصر تقتصر على ملاحقة المنقبين وشبكات التهريب، بعدما أعلن الجيش المصري مقتل ضابطين من قوات حرس الحدود، أحدهما رئيس أركان حرس حدود المنطقة الجنوبية، خلال مواجهات مسلحة في إطار حملة أمنية تستهدف أنشطة التنقيب غير القانوني قرب الحدود مع السودان.
وجاء الإعلان بالتزامن مع كشف الجيش حصيلة 3 مراحل من حملة واسعة في الصحراء الشرقية، تضمنت توقيف مئات الأشخاص، بينهم 540 أجنبياً، وضبط أسلحة وذخائر ومركبات ومعدات تنقيب. كما تحدث المتحدث العسكري عن مجموعات مسلحة تتقاتل للسيطرة على مواقع استخراج الذهب، وتمتلك أسلحة ثقيلة ومضادات للطائرات وبنادق قنص.
وتكتسب التطورات أهمية إضافية في ظل تقارير حقوقية سودانية عن مقتل عشرات المنقبين في غارة جوية شمالي السودان، حمّلت منظمة سودانية القوات الجوية المصرية مسؤوليتها، في اتهام لم يُحسم بصورة مستقلة.
مقتل ضابطين مصريين.. والجيش لا يكشف توقيت المواجهات
أعلن المتحدث العسكري المصري، العقيد أحمد عتمان، مقتل رئيس أركان حرس حدود المنطقة الجنوبية ورئيس عمليات إحدى كتائب حرس الحدود، خلال تبادل لإطلاق النار أثناء التصدي لأنشطة التنقيب غير المشروع عن الذهب.
ووفق ما نقلته وسائل إعلام عن المؤتمر الصحفي للمتحدث العسكري، فإن الضابطين هما العقيد أحمد سمير، رئيس أركان حرس حدود المنطقة الجنوبية، والمقدم أحمد جودة، رئيس عمليات إحدى كتائب حرس الحدود العاملة في نطاق المنطقة الجنوبية العسكرية.
لكن الجيش لم يحدد متى وقعت المواجهات التي أدت إلى مقتلهما، ولم يقدم تفاصيل دقيقة عن مكان الاشتباك أو الأطراف التي شاركت فيه، ما يترك أسئلة مفتوحة بشأن طبيعة العمليات المسلحة التي تشهدها مناطق التنقيب في الصحراء الجنوبية.
وبحسب الإعلان العسكري، تأتي هذه الخسائر في سياق حملة تستهدف ما تصفه السلطات بالتنقيب غير المشروع عن خام الذهب، وما يرتبط به من تهريب وأنشطة إجرامية عابرة للحدود.
540 أجنبياً ضمن 691 موقوفاً
كشف الجيش المصري أن المراحل الثلاث الأولى من الحملة، التي نُفذت بين 14 يونيو و29 أكتوبر 2026، أسفرت عن ضبط 691 شخصاً، بينهم 151 مصرياً و540 أجنبياً. وقال المتحدث العسكري إن 6614 شخصاً آخرين سلّموا أنفسهم قبل انطلاق العمليات، في إطار الإجراءات التي سبقت تنفيذ الحملة.
وشملت المضبوطات 34 قطعة سلاح، و6307 قطع ذخيرة، و317 مركبة، و19 دراجة نارية، إلى جانب 916 معدة هندسية، و73 جهازاً للكشف عن المعادن، و433 مولداً للطاقة، فضلاً عن أجهزة اتصال تعمل عبر الأقمار الصناعية.
كما أعلن الجيش ضبط 4488 خيمة وعشة، و860 طناً من المواد المحجرية المحتوية على خام الذهب، إضافة إلى مبالغ مالية ومعدات أخرى مرتبطة بأنشطة التنقيب.
وتعكس هذه الأرقام، وفق الرواية العسكرية، اتساع نطاق النشاط الذي تستهدفه الحملة، والذي لا يقتصر على أفراد يعملون بصورة منفردة، بل يشمل شبكات ومجموعات تمتلك وسائل نقل ومعدات وأسلحة.
مجموعات مسلحة تتقاتل للسيطرة على مواقع الذهب
من أبرز ما كشفه المتحدث العسكري حديثه عن وجود مجموعات مسلحة تتنافس على السيطرة على مواقع التنقيب، مشيراً إلى امتلاك بعضها رشاشات ثقيلة ومضادات للطائرات وبنادق قنص، إلى جانب أسلحة خفيفة. ويربط الجيش بين أنشطة التنقيب غير القانوني وجرائم أخرى، من بينها تهريب الأسلحة والذخائر، ونشاط شبكات الجريمة العابرة للحدود.
وتشير هذه المعطيات إلى أن السلطات المصرية تتعامل مع الملف باعتباره تحدياً أمنياً يتجاوز مخالفات استخراج الذهب، خصوصاً مع وجود مجموعات مسلحة تتنافس على مناطق التعدين، وما قد يرافق ذلك من تهديد لحركة القوات والأمن في المناطق الحدودية.
اتهامات بشأن مقتل 72 منقباً سودانياً
في المقابل، أعادت الحملة المصرية فتح ملف مقتل عمال تعدين سودانيين في غارة جوية استهدفت منطقة شمال الوادي داخل الأراضي السودانية، قرب الحدود مع مصر، في 10 أكتوبر 2026.
وقالت مجموعة «محامو الطوارئ» الحقوقية السودانية إن الغارة أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 72 من عمال التعدين، وحمّلت القوات الجوية المصرية مسؤولية تنفيذها. كما أوردت تقارير أن مجلس السيادة السوداني ذكر العدد نفسه، وأعلن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الواقعة.
وتبقى هذه الاتهامات منسوبة إلى الجهات التي أعلنتها، ولم يثبت بصورة مستقلة في التقارير المتاحة أن القوات الجوية المصرية نفذت الغارة. كما أن إعلان الجيش المصري لاحقاً عن حملته لمكافحة التنقيب غير المشروع لا يشكل بحد ذاته تأكيداً أو نفياً لتلك الواقعة.
الذهب والتهريب والحرب السودانية.. حدود تتشابك فيها المصالح
تأتي هذه التطورات في منطقة حدودية تتداخل فيها أنشطة استخراج الذهب مع شبكات التهريب، وسط تداعيات الحرب المستمرة في السودان، التي دفعت مزيداً من السكان إلى البحث عن مصادر دخل بديلة، من بينها التعدين الأهلي.
وبحسب تقرير لوكالة رويترز، أصبح الذهب مصدراً مهماً للإيرادات في ظل الحرب السودانية، فيما تحدث خبراء وعاملون في القطاع عن تهريب كميات منه إلى مصر عبر مناطق حدودية ضعيفة الرقابة، تشمل مناطق غنية بالمعادن مثل حلايب وشلاتين.
وفي هذا السياق، قال المتحدث العسكري المصري إن القوات المسلحة تنسق مع الجانب السوداني بشأن تأمين الحدود، وإن الجانبين تبادلا المعلومات في إطار مواجهة التهديدات الحدودية.
المرحلة الرابعة من الحملة.. هل تتسع المواجهة؟
أعلن الجيش المصري الاستعداد لإطلاق المرحلة الرابعة من حملته لمكافحة التنقيب غير المشروع عن الذهب، اعتباراً من السبت 7 نوفمبر 2026، على أن تستمر حتى تحقيق أهدافها. وبذلك تدخل العمليات مرحلة جديدة بعد 3 مراحل امتدت من منتصف يونيو إلى نهاية أكتوبر، وأسفرت عن توقيف مئات الأشخاص وضبط كميات من الأسلحة والذخائر والمعدات.
لكن مقتل ضابطين مصريين، بالتزامن مع الاتهامات المتعلقة بمقتل عمال تعدين سودانيين، يضع تطورات الصحراء الحدودية في دائرة اهتمام أوسع من مجرد مكافحة التنقيب غير القانوني.
فالمشهد يجمع بين سباق السيطرة على مواقع الذهب، وشبكات التهريب، ووجود مجموعات مسلحة، وتداعيات الحرب السودانية على المناطق الحدودية. وبينما تؤكد القاهرة أن حملتها تستهدف حماية الحدود والثروات الطبيعية، تبقى تفاصيل المواجهات ومآلات التحقيقات في الحوادث المرتبطة بالمنقبين السودانيين من أبرز الملفات التي تنتظر مزيداً من التوضيح.
اقرأ المزيد
إثيوبيا تتهم مصر والسودان بدعم التمرد وسط تصعيد تيغراي
البرهان يوجه بالتحقيق ومصر تؤكد حماية الحدود.. تفاصيل مقتل المنقبين السودانيين على خط النار
مصر أمام اختبار مائي خطير.. إثيوبيا تلوّح بسدود جديدة والنيل الأزرق يدخل عصر النفوذ المائي

