وطن-رفض سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، داني دانون، تحميل بلاده مسؤولية الخسائر الانتخابية التي مُني بها الحزب الجمهوري الأمريكي في انتخابات التجديد النصفي، رداً على تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس الذي ربط الهزيمة بالحرب على إيران، ودعا إلى مراجعة العلاقة مع إسرائيل.
وقال دانون، في مقابلة مع قناة «آي 24 نيوز» الإسرائيلية، إن الربط بين ارتفاع الأسعار، ولا سيما أسعار النفط، وبين الأوضاع في إسرائيل «أمر مؤسف»، مؤكداً أن قرار مهاجمة إيران لم يكن قراراً إسرائيلياً، بل اتخذته الولايات المتحدة. وأضاف أن إسرائيل دعمت الجهد العسكري الأمريكي، وأنها ترى أن قرار شن الحرب كان صحيحاً، معتبراً أن تحميل تل أبيب مسؤولية كل أزمة «أمر سهل، لكنه غير صحيح».
وجاءت تصريحات السفير الإسرائيلي رداً على موقف علني أعلنه فانس عقب الهزيمة الكبيرة التي تعرض لها الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي، بعدما تمكن الديمقراطيون من انتزاع السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب.
فانس يحمّل الحرب مسؤولية الهزيمة ويدعو إلى تغيير العلاقة مع إسرائيل
وكان فانس قد وصف الحرب على إيران بأنها السبب الرئيسي وراء خسارة الجمهوريين، قائلاً في منشور مطول على منصة «إكس» إن «السبب الحقيقي للهزيمة واضح للجميع تقريباً»، مضيفاً: «السبب أننا خسرنا هو الحرب. الرئيس نفسه قال ذلك الليلة الماضية».
ولم يقتصر تقييم نائب الرئيس الأمريكي على الحرب وحدها، بل أشار إلى أربعة مطالب يرى أنها تعكس غضب شريحة من الناخبين الذين دعموا دونالد ترامب في انتخابات 2024 ثم صوتوا للديمقراطيين في الانتخابات الأخيرة. وتشمل هذه المطالب إنهاء الحرب على إيران، والتركيز على غلاء المعيشة والتضخم، وإعطاء الأولوية للمصالح الأمريكية، إلى جانب «تغيير العلاقة مع إسرائيل».
كما وجّه فانس انتقاداً ضمنياً إلى من يرون أن استمرار الحرب يستحق الخسائر السياسية التي تكبدها الجمهوريون، متسائلاً عما إذا كان الحفاظ على الموقف العسكري يستحق خسارة السيطرة على مجلس الشيوخ خلال السنوات الست المقبلة. وتعكس تصريحاته اتساع الخلاف داخل المعسكر الجمهوري بشأن كلفة الحرب، ومدى تأثيرها على القاعدة الانتخابية التي أوصلت ترامب وفانس إلى البيت الأبيض.
ترامب يعترف بتأثير الحرب ويتمسك بقرار مهاجمة إيران
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أقر، في تصريحات صحفية أعقبت الانتخابات، بأن الحرب على إيران ساهمت في خسائر حزبه، قائلاً إن «جزءاً من الأمر كان إيران»، لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه لا يندم على قرار الحرب، وإنه كان سيتخذه مجدداً لو عاد به الزمن.
ويكشف التباين بين موقف ترامب وتصريحات نائبه عن اختلاف في طريقة التعامل مع التداعيات السياسية للعملية العسكرية. فبينما يدافع الرئيس عن قرار الحرب باعتباره ضرورياً، يضع فانس كلفته الانتخابية في صدارة تفسيره للهزيمة، ويدعو إلى إعادة النظر في أولويات الإدارة الأمريكية. وتأتي هذه المواقف في وقت يواجه فيه الجمهوريون ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة، فضلاً عن الانتقادات الموجهة إلى السياسة الخارجية للإدارة.
من اتخذ قرار الحرب؟ دانون ينأى بإسرائيل عن المسؤولية
وتعود جذور الخلاف إلى الهجوم العسكري الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في نهاية فبراير 2026، والذي أدى إلى تصعيد إقليمي واسع وتداعيات على أسواق الطاقة وحركة الملاحة. وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد كشفت، في تقرير سابق، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عرض على ترامب، خلال اجتماعات سبقت الحرب، تصوراً لعملية عسكرية تتضمن استهداف القيادة الإيرانية وإضعاف القدرات العسكرية للبلاد، إلى جانب احتمال اندلاع انتفاضة شعبية تؤدي إلى تغيير النظام.
لكن مسؤولين في أجهزة الاستخبارات الأمريكية اعتبروا أن بعض هذه الأهداف، ولا سيما الرهان على انتفاضة شعبية وتغيير النظام، بعيدة عن الواقع، رغم تقييمهم أن إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية كان هدفاً قابلاً للتحقيق. وتكتسب هذه التفاصيل أهمية في ضوء تصريحات دانون الأخيرة، إذ يحاول السفير الإسرائيلي التأكيد أن القرار النهائي بشن الهجوم كان أمريكياً، رغم التنسيق والدعم الإسرائيليين للعملية.
مضيق هرمز وأسعار الطاقة.. كلفة الحرب تصل إلى الناخب الأمريكي
ولم تقتصر تداعيات الحرب على المواجهة العسكرية، بل امتدت إلى أسواق الطاقة العالمية، خصوصاً مع تصاعد التهديدات الإيرانية للملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط والغاز. وأدى التوتر في المنطقة إلى اضطراب حركة الشحن وارتفاع المخاوف بشأن إمدادات الطاقة، ما زاد الضغوط على الأسعار وتكاليف النقل والإنتاج، وانعكس على المستهلكين في الولايات المتحدة ودول أخرى.
ومع ارتفاع أسعار الوقود والطاقة، تحولت تكلفة المعيشة إلى قضية انتخابية ضاغطة، واستغل الديمقراطيون هذه التطورات في انتقاد سياسات الإدارة الجمهورية، معتبرين أن الحرب الخارجية زادت الأعباء الاقتصادية على الأمريكيين في وقت يعانون فيه أصلاً من التضخم وارتفاع النفقات اليومية. وبذلك، لم تعد الحرب على إيران ملفاً خارجياً منفصلاً عن السياسة الداخلية الأمريكية، بل أصبحت جزءاً من النقاش حول أداء الإدارة وقدرتها على حماية المصالح الاقتصادية للناخبين.
إسرائيل أمام مرحلة أصعب في واشنطن
وفي مقابل رفضه تحميل إسرائيل مسؤولية الهزيمة الجمهورية، أقر دانون بأن بلاده ستضطر إلى التعامل بجدية مع الأصوات المنتقدة لها داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري. وقال إن المرحلة المقبلة ستكون أكثر صعوبة بالنسبة لإسرائيل، في ظل صعود شخصيات سياسية أمريكية تتبنى مواقف أكثر انتقاداً لسياساتها، وتطالب بإعادة تقييم طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب.
كما رد السفير الإسرائيلي على احتمال أن تدفع نتائج الانتخابات الإدارة الأمريكية نحو اتفاق جديد مع إيران، مؤكداً أن إسرائيل «ستفعل دائماً كل ما يلزم لحماية نفسها»، في إشارة إلى تمسكها بحرية التحرك الأمني والعسكري، حتى إذا تغيرت الحسابات السياسية في واشنطن. ويعكس هذا الموقف قلقاً إسرائيلياً من أن تؤدي التحولات داخل الكونغرس والإدارة الأمريكية إلى فرض قيود سياسية أكبر على الدعم الأمريكي، أو إلى اختلاف في التعامل مع الملف الإيراني.
نتنياهو تحت ضغط سياسي.. هل تتغير العلاقة الأمريكية الإسرائيلية؟
وفي إسرائيل، أثارت نتائج الانتخابات الأمريكية نقاشاً واسعاً بشأن مستقبل العلاقة مع واشنطن، وسط انتقادات لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، واتهامات له بأن سياساته باتت عبئاً على صورة إسرائيل داخل الولايات المتحدة. ويرى منتقدون لنتنياهو أن خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي الكونغرس تمثل تحولاً مهماً، لأن الاعتماد التقليدي على الدعم الجمهوري لم يعد كافياً لضمان استمرار التأييد الأمريكي، خصوصاً مع تنامي الانتقادات لإسرائيل داخل الحزبين.
ونقل موقع «ميدل إيست آي» عن دبلوماسي إسرائيلي سابق قوله إن النتائج الأمريكية قد تمثل نهاية حقبة امتدت نحو نصف قرن في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، محذراً من أن المرحلة المقبلة ستكون محاطة بالغموض. وتضع هذه التطورات نتنياهو أمام تحديات تتجاوز تداعيات الحرب على إيران، إذ بات عليه التعامل مع تغيرات في المزاج السياسي الأمريكي، ومع أصوات داخل الحزب الجمهوري نفسه تطالب بمراجعة العلاقة مع إسرائيل.
وختاماً، تكشف تصريحات داني دانون عن محاولة إسرائيلية للفصل بين قرار الحرب ومسؤولية نتائجه السياسية داخل الولايات المتحدة، في وقت يربط فيه جي دي فانس خسائر الجمهوريين بالعملية العسكرية وتداعياتها الاقتصادية، ويدعو إلى تغيير العلاقة مع تل أبيب. وبين موقف ترامب المتمسك بالحرب، وانتقادات نائبه، تبرز مؤشرات على خلاف أمريكي داخلي قد ينعكس على مستقبل السياسة تجاه إيران وإسرائيل معاً.
اقرأ المزيد
انشقاق في القمة.. الخلاف حول حرب إيران ومستقبل التحالف مع إسرائيل يعيد تشكيل خريطة اليمين الأمريكي
ترامب والحرب على إيران.. هل يطلق يده أم تكبّله قيود الكونغرس؟
تسونامي ديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي.. الأميركيون يوجّهون ضربة قاسية لترامب
عبد السيد يدخل التاريخ.. أول مسلم يُنتخب لمجلس الشيوخ الأميركي ويواجه تمويل إسرائيل

