وطن-قد لا تكون المشاعر البشرية عشوائية أو فوضوية كما تبدو أحياناً؛ إذ تشير دراسة علمية حديثة إلى أن الدماغ ربما يستخدم نظاماً هندسياً يشبه الشبكات السداسية الموجودة في خلايا النحل، لتنظيم المفاهيم العاطفية والتمييز بينها.
وبحسب ما نشره موقع «ساينس أليرت» العلمي، رصد باحثان مؤشرات على وجود نمط سداسي في نشاط الدماغ أثناء معالجة المعلومات العاطفية، في اكتشاف قد يساعد على فهم الطريقة التي يرتب بها الدماغ المشاعر والعلاقات التي تربط بعضها ببعض.
ونُشرت الدراسة في دورية «بلوس بايولوجي»، وأجراها الباحثان يومنغ ما وفيليب إيه. كراغل من جامعة إيموري، مستخدمين التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لمتابعة نشاط الدماغ لدى المشاركين أثناء تعرضهم لمحفزات عاطفية متنوعة.
وخلص الباحثان إلى أن المعرفة الإنسانية بالمشاعر قد تكون منظمة وفق نظام إحداثيات يشبه الشبكات، بما يسمح للدماغ بتمثيل المفاهيم العاطفية والانتقال بينها بطريقة منظمة.
كيف ينظم الدماغ المشاعر؟
تؤدي المشاعر دوراً أساسياً في حياة الإنسان؛ فهي تساعده على تقييم المخاطر، واتخاذ القرارات، والتفاعل مع الظروف المتغيرة، وبناء العلاقات الاجتماعية. كما أن القدرة على التعرف إلى المشاعر وتنظيمها تؤثر في السلوك اليومي والتواصل مع الآخرين. ولفهم كيفية تنظيم هذه التجربة المعقدة، اعتمد العلماء لعقود على محورين أساسيين لوصف الحالات العاطفية.
الأول هو «التكافؤ العاطفي»، ويحدد ما إذا كان الشعور إيجابياً أو سلبياً، أما الثاني فهو «الإثارة»، ويقيس مستوى التنشيط المرتبط بالشعور، من الهدوء والاسترخاء إلى التوتر والحماس الشديد. ومن خلال الجمع بين المحورين، تتشكل خريطة تعرف باسم «الدائرة الوجدانية»، وهي نموذج ثنائي الأبعاد يساعد على تصنيف المشاعر وفق طبيعتها وشدة الاستجابة المرتبطة بها.
فعلى سبيل المثال، يُعد الرضا والحماس شعورين إيجابيين، لكن الرضا يرتبط عادة بدرجة أقل من الإثارة، بينما يتسم الحماس بمستوى أعلى من التنشيط. وفي المقابل، قد يشترك الغضب والنشوة في ارتفاع مستوى الإثارة، رغم اختلافهما على محور التكافؤ العاطفي. لكن السؤال الذي ظل يشغل علماء الأعصاب هو: كيف يمثل الدماغ هذه الخريطة؟ وهل يعتمد على آلية عصبية محددة لترتيب المشاعر والتمييز بين المسافات والعلاقات التي تفصل بينها؟
من خلايا تحديد المواقع إلى خريطة المشاعر
لفهم الاكتشاف الجديد، يستند الباحثون إلى نوع من الخلايا العصبية يُعرف باسم «الخلايا الشبكية»، اكتُشف لدى القوارض عام 2005، وتؤدي دوراً في تحديد المواقع وتنظيم الحركة داخل البيئة المحيطة. وتتميز هذه الخلايا بنمط نشاط منتظم؛ فعندما تُرسم المواقع التي تنشط فيها على خريطة مكانية، تظهر نقاط موزعة وفق شبكة من المثلثات المتساوية الأضلاع، تتكرر لتشكل نمطاً ذا تناظر سداسي.
وتساعد هذه الخلايا الدماغ على تكوين نظام إحداثيات داخلي، يتيح للكائن الحي تحديد موقعه وتتبع حركته في المكان. لكن أبحاثاً لاحقة أشارت إلى أن أنماطاً مشابهة من النشاط العصبي قد لا تقتصر على الملاحة المكانية، بل يمكن أن تظهر أيضاً أثناء التعامل مع معلومات مجردة، مثل المفاهيم البصرية وتقييم الخيارات المختلفة. ومن هنا انطلق الباحثان لاختبار احتمال استخدام الدماغ آلية شبيهة لتنظيم المعرفة العاطفية، بحيث تصبح المشاعر أشبه بنقاط داخل فضاء ذهني يمكن الانتقال بينها وفق علاقات محددة.
تجربة على 18 مشاركاً تكشف النمط السداسي
لدراسة هذه الفرضية، تابع الباحثان نشاط الدماغ لدى 18 مشاركاً أثناء عرض محفزات تحمل معاني عاطفية مختلفة. وشملت التجربة تعبيرات وجه تتغير تدريجياً من حالة شعورية إلى أخرى، إلى جانب مجموعات من العبارات المكتوبة التي تثير استجابات وجدانية متنوعة. واستخدم الباحثان التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لرصد التغيرات في نشاط الدماغ، مع تصميم المحفزات بحيث تسمح بتتبع استجابة المشاركين أثناء الانتقال بين مواقع مختلفة على خريطة الدائرة الوجدانية.
وأظهرت النتائج وجود نمط نشاط ذي تناظر سداسي في منطقة تُعرف باسم «القشرة الجبهية أمام الجبهية البطنية»، وهي منطقة ترتبط بعدد من الوظائف المعرفية والعاطفية، من بينها تقييم المعلومات واتخاذ القرارات ومعالجة المعاني الوجدانية. ووجد الباحثان أن نشاط هذه المنطقة يتغير تبعاً لاتجاه الانتقال عبر الخريطة العاطفية، وفق نمط متكرر يشبه الإشارات العصبية المرتبطة بالخلايا الشبكية المسؤولة عن تحديد المواقع.
ولم يقتصر هذا النمط على نوع واحد من المحفزات، بل ظهر أثناء تقييم تعبيرات الوجه والعبارات المكتوبة على حد سواء، وهو ما يشير إلى أن الدماغ قد يكون بصدد ترميز العلاقات العاطفية نفسها، وليس مجرد الاستجابة للمظهر البصري أو الكلمات المستخدمة.
المسافة بين المشاعر تظهر في النشاط العصبي
ومن النتائج اللافتة أيضاً أن النشاط الدماغي عكس العلاقات والمسافات بين المفاهيم العاطفية داخل الدائرة الوجدانية، إذ ارتبطت التغيرات في موقع المفاهيم على الخريطة بتغيرات في الإشارات العصبية. كما وجد الباحثان صلة بين هذا النشاط والطريقة التي قيّم بها المشاركون التحولات في المعلومات العاطفية المعروضة عليهم. وتدعم هذه النتائج احتمال أن الدماغ لا يتعامل مع كل شعور بوصفه حالة منفصلة، بل ينظم المفاهيم العاطفية ضمن بنية مترابطة، تسمح بتمثيل أوجه التشابه والاختلاف بينها.
نتائج أولية تحتاج إلى مزيد من البحث
ورغم أهمية النتائج، فإن الباحثين يشيران إلى ضرورة التعامل معها باعتبارها دليلاً أولياً يحتاج إلى مزيد من التحقق، خصوصاً أن التجربة شملت 18 مشاركاً فقط، وهو عدد محدود لا يسمح بتعميم الاستنتاجات على نطاق واسع. كما لا يزال من غير الواضح ما إذا كان النمط الشبكي المكتشف يؤدي دوراً مباشراً في معالجة المشاعر، أم أنه يعكس الطريقة التي ينظم بها الدماغ المعرفة والمفاهيم العاطفية.
وتكمن أهمية الدراسة في أنها تفتح مجالاً جديداً لفهم المبادئ التي يستخدمها الدماغ لتنظيم أنواع مختلفة من المعلومات، بدءاً من تحديد المواقع في العالم المادي، وصولاً إلى التعامل مع المفاهيم المجردة وربما المشاعر الإنسانية. وبينما لا تزال الآلية بحاجة إلى مزيد من الدراسة، تطرح النتائج احتمالاً علمياً مثيراً: أن الدماغ قد يستخدم بنية هندسية مشتركة لترتيب عالم المشاعر، تماماً كما يعتمد على أنظمة شبكية لمساعدته على تحديد المواقع والتنقل في البيئة المحيطة.
اقرأ المزيد
دراسة تكشف تأثير ترك القهوة الصباحية على الدماغ.. بطء في ردود الفعل دون تراجع واضح في الذاكرة
الكحول والقنب والنيكوتين في سن المراهقة.. تأثيرات تبدأ داخل الدماغ قبل أن تظهر للعيان
اكتشاف علمي يغيّر كل ما عرفناه عن الميتفورمين.. الدماغ هو المفتاح الحقيقي لخفض السكر
دراسة: علاج الشيخوخة قد يضاعف عمر الإنسان.. لكن القلب والدماغ يفرضان سقفاً للحياة

