وطن-مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية، يتزايد الجدل في واشنطن بشأن ما قد يواجهه الرئيس دونالد ترامب إذا فقد الجمهوريون أغلبيتهم في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، أو في كليهما. فخسارة السيطرة على الكونغرس قد تمنح الديمقراطيين فرصة لتكثيف الرقابة على الإدارة، وفتح تحقيقات برلمانية جديدة، وتعطيل جانب من أجندة الرئيس التشريعية.
وفي خضم هذه الحسابات، يبرز العفو الرئاسي بوصفه إحدى الأدوات الدستورية التي قد يلجأ إليها ترامب لحماية نفسه ومساعديه وأفراد من محيطه من ملاحقات جنائية اتحادية محتملة. ووفق تحليل نشرته صحيفة «لا راثون» الإسبانية، لم يعد هذا الاحتمال مجرد تكهنات، بعدما تحدث ترامب علناً عن حقه في العفو عن نفسه وعن رغبته في تجنيب المقربين منه سنوات من التحقيقات والتكاليف القانونية.
لكن هذه الصلاحية تفتح أسئلة دستورية معقدة، أبرزها ما إذا كان الرئيس يستطيع إصدار عفو عن نفسه، وما حدود الحماية التي يمكن أن يوفرها هذا الإجراء، خصوصاً أن العفو الاتحادي لا يشمل الجرائم التي تخضع لاختصاص الولايات.
ترامب يلمّح إلى العفو عن نفسه ومقربيه
خلال مقابلة مع قناة «نيوزماكس» في 15 أكتوبر، قال ترامب: «أنا مخوّل بأن أعفو عن نفسي»، مضيفاً، في إشارة إلى المقربين منه: «لا أريد أن يمر رجالي بسنوات من الهراء وتوكيل محامين وكل ما يترتب على ذلك». وتسلط هذه التصريحات الضوء على أهمية العفو الرئاسي في حسابات الإدارة، خصوصاً مع احتمال أن يؤدي تغير موازين القوى في الكونغرس إلى فتح تحقيقات بشأن قرارات وسياسات اتخذتها خلال الولاية الحالية.
ويمنح الدستور الأميركي الرئيس صلاحية واسعة للعفو عن الجرائم الاتحادية، وهي صلاحية استخدمها رؤساء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، من بينهم جو بايدن وباراك أوباما. غير أن هذه السلطة لا تمتد إلى القضايا التي تنظر فيها سلطات الولايات، كما أنها لا تشمل الحالات المرتبطة بإجراءات العزل الرئاسي. ويبقى السؤال الأكثر إثارة للجدل هو ما إذا كان هذا الحق الدستوري يسمح للرئيس بأن يصدر عفواً عن نفسه، وهي مسألة لم تحسمها المحكمة العليا الأميركية حتى الآن.
هل يسمح الدستور الأميركي بالعفو الذاتي؟
تنص المادة الثانية، القسم الثاني، من الدستور الأميركي على أن الرئيس يملك صلاحية منح العفو وتخفيف العقوبات عن الجرائم المرتكبة ضد الولايات المتحدة، باستثناء الحالات المرتبطة بإجراءات العزل. لكن النص لا يتناول صراحة مسألة العفو الذاتي، وهو ما ترك الباب مفتوحاً أمام تفسيرات قانونية متباينة. وفي عام 1974، قبل استقالة الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون على خلفية فضيحة ووترغيت، أصدر مكتب الاستشارات القانونية في وزارة العدل الأميركية رأياً خلص فيه إلى أن الرئيس لا يستطيع العفو عن نفسه.
واستند الرأي إلى مبدأ قانوني مفاده أن الشخص لا يمكن أن يكون قاضياً في قضيته الخاصة، معتبراً أن العفو الذاتي يتعارض مع هذا المبدأ. ورغم أهمية هذه السابقة، فإنها تمثل رأياً قانونياً صادراً عن مكتب تابع لوزارة العدل، وليست حكماً قضائياً نهائياً صادراً عن المحكمة العليا. ولذلك، فإن أي محاولة من ترامب لاستخدام العفو لحماية نفسه قد تفتح مواجهة قضائية ودستورية واسعة، يتوقف حسمها على المسار الذي ستتخذه المحاكم.
هل يستطيع جيه دي فانس إصدار العفو بدلاً من ترامب؟
من بين السيناريوهات القانونية التي طُرحت لتجاوز إشكالية العفو الذاتي، احتمال استعانة ترامب بنائبه جيه دي فانس. ويستند هذا التصور إلى رأي قانوني صدر عام 1974، أشار إلى إمكانية إعلان الرئيس عجزه المؤقت عن أداء مهامه وفق المادة الرابعة من التعديل الخامس والعشرين للدستور، بما يسمح لنائب الرئيس بتولي صلاحيات الرئيس بصفته قائماً بالأعمال، ثم إصدار عفو رئاسي عنه.
غير أن هذا السيناريو لم يُختبر عملياً، ولا توجد سوابق قضائية تؤكد مدى دستوريته أو قابليته للتطبيق في مثل هذه الظروف. كما أن استخدامه قد يثير تساؤلات بشأن ما إذا كان إعلان العجز المؤقت إجراءً حقيقياً لتسليم الصلاحيات أم مجرد وسيلة للالتفاف على القيود القانونية المتعلقة بالعفو الذاتي.
وفوق ذلك، لن يوفر هذا المسار حماية شاملة؛ فالعفو الرئاسي يقتصر على الجرائم الاتحادية، ولا يستطيع إلغاء الملاحقات التي تقع ضمن اختصاص الولايات أو منع جميع أشكال التحقيق والمساءلة.
اتهامات باستخدام العفو لحماية الحلفاء السياسيين
لا يقتصر الجدل على احتمال العفو عن ترامب نفسه، بل يمتد إلى استخدام هذه الصلاحية لحماية مسؤولين ومقربين منه. وفي تصريحات لوكالة «رويترز»، قال فيليب هالبرن، المدعي الفيدرالي السابق في سان دييغو، والذي تولى ملاحقة نائبين جمهوريين سابقين حصلا لاحقاً على عفو من ترامب، إن الرئيس «يحاول إنهاء مبدأ المساءلة للمسؤولين العموميين».
كما نقلت الوكالة عن تاي كوب، أحد محامي البيت الأبيض خلال الولاية الأولى لترامب، انتقادات لطريقة اتخاذ قرارات العفو، قائلاً إنها تحكمها «الأموال، والمديح، والانحياز الحزبي، والعلاقات الشخصية».
وتعكس هذه التصريحات انتقادات من شخصيات قانونية سبق أن عملت داخل مؤسسات الإدارة الأميركية أو تعاملت مع قضايا مرتبطة بها، لكنها تبقى تقييمات من أصحابها بشأن دوافع استخدام صلاحية العفو، ولا تشكل في حد ذاتها إثباتاً قانونياً لوجود صفقات أو مخالفات.
وكان ترامب قد منح، بعد عودته إلى البيت الأبيض، العفو لنحو 1500 شخص مرتبطين باقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021، في خطوة أثارت اعتراضات وانتقادات سياسية وقانونية واسعة.
تحقيقات تكشف اتساع دائرة المستفيدين من العفو
وفي تحقيق نشرته «رويترز» في 13 أكتوبر، كشفت الوكالة أن ما لا يقل عن 85 مسؤولاً عاماً حصلوا على عفو أو استفادوا من قرارات مرتبطة بقضايا فساد، مشيرة إلى أن غالبية هؤلاء ينتمون إلى الحزب الجمهوري أو إلى أنصار حركة «ماغا». وبحسب التحقيق، تجنب المستفيدون مجتمعين أحكام سجن تجاوزت 130 عاماً، فضلاً عن عقوبات مالية قُدرت بنحو 15 مليون دولار.
وتسلط هذه الأرقام الضوء على اتساع نطاق استخدام العفو الرئاسي في قضايا شملت مسؤولين وشخصيات سياسية، كما تعيد طرح النقاش بشأن الحدود الفاصلة بين الصلاحية الدستورية واستخدامها في حماية الحلفاء.
وفي حال خسر الجمهوريون السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس، فقد تتاح للديمقراطيين مساحة أكبر للتحقيق في قرارات العفو، بما في ذلك الظروف التي سبقتها وأي علاقات أو مصالح محتملة ارتبطت بها.
هل يضمن ترامب حماية المقربين منه بعد خسارة الكونغرس؟
لا تتوقف الحسابات على ما يستطيع ترامب فعله خلال وجوده في البيت الأبيض، بل تمتد إلى احتمال حصوله على عفو من رئيس لاحق، على غرار ما حدث مع ريتشارد نيكسون عام 1974، عندما أصدر الرئيس جيرالد فورد عفواً عنه بعد استقالته. لكن هذا الاحتمال يظل مرتبطاً بنتائج الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2028، وبهوية الرئيس الذي سيتولى السلطة، ومدى استعداده لاتخاذ قرار من هذا النوع.
وفي الوقت نفسه، لا يبدو أن جميع المسؤولين المحيطين بترامب يملكون ضمانات بأن الرئيس سيستخدم صلاحية العفو لحمايتهم إذا واجهوا تحقيقات أو ملاحقات قضائية. ونقلت «وول ستريت جورنال» أن عدداً من أعضاء الحكومة ومسؤولين آخرين بدأوا التواصل مع مكاتب محاماة استعداداً لاحتمال فوز الديمقراطيين وفتح تحقيقات برلمانية في ملفات تتعلق بمقايضات محتملة مقابل العفو الرئاسي.
وبذلك، يتحول العفو الرئاسي إلى محور من محاور الصراع السياسي والقانوني في واشنطن. فبين صلاحيات دستورية واسعة وأسئلة لم تحسمها المحاكم، قد يجد ترامب نفسه أمام اختبار يتعلق بحدود السلطة التنفيذية، فيما يترقب خصومه احتمال استعادة السيطرة على الكونغرس واستخدام صلاحيات الرقابة والتحقيق لمساءلة الإدارة.
اقرأ المزيد

