وطن-اعتقلت شرطة العاصمة البريطانية لندن رجلاً يبلغ من العمر 36 عاماً، على خلفية ملصقات انتخابية انتشرت في شوارع شرق لندن، واستخدمت صورة فوتوغرافية لمستوطن إسرائيلي مسلح في مواجهة امرأة فلسطينية بالضفة الغربية المحتلة، بعدما أثارت شكوى اعتبرت أن طريقة توظيف الصورة تحمل دلالات معادية لليهود.
وتفتح القضية نقاشاً جديداً في بريطانيا حول الحدود الفاصلة بين انتقاد سياسات إسرائيل وممارسات المستوطنين، وبين استخدام صور أو تعبيرات قد تُفسر على أنها تستهدف اليهود بسبب هويتهم الدينية، خصوصاً في ظل تصاعد الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين والجدل بشأن الحرب على غزة.
وبحسب موقع «ميدل إيست آي»، جاءت الملصقات تحت عبارة «وحوش حزب العمال»، واستخدمت صورة التقطها المصور الصحفي الإيطالي بيترو ماستورزو، تظهر رجلاً إسرائيلياً مسلحاً بزي عسكري وهو يسخر من امرأة فلسطينية في قرية إذنا، غرب الخليل، خلال موسم قطف الزيتون.
صورة حقيقية من اعتداءات المستوطنين في الضفة
التُقطت الصورة في 12 أكتوبر 2025، بالتزامن مع اليوم الأول من موسم جني الزيتون في قرية إذنا الفلسطينية، ونُشرت لاحقاً ضمن تحقيق صحفي في مجلة «لسبريسو» الإيطالية، تناول توسع الاستيطان الإسرائيلي والاعتداءات التي يتعرض لها الفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة.
وأوضح المصور بيترو ماستورزو أن تعبير وجه الرجل وحركته لم يكونا مشهداً مصطنعاً، بل جزءاً من واقعة وثقها خلال التغطية الميدانية. وقال إن المستوطن كان يكرر إشارة تحاكي الصوت الذي يستخدمه الراعي لجمع قطيعه، موجهاً إياها إلى الفلسطينيين كما لو أنهم «حيواناته».
وأثارت الصورة جدلاً واسعاً بعد نشرها، خصوصاً عقب التشكيك في صحتها واتهام المجلة باستخدام صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي. لكن المصور أكد أصالتها، كما نشر مواد مصورة إضافية توثق المشهد الذي التُقطت خلاله. وتضمن التحقيق الإيطالي شهادات لفلسطينيين في مناطق من الضفة الغربية، تحدثوا عن اعتداءات متكررة من مستوطنين، شملت التضييق على المزارعين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، في ظل اتهامات بوقوع هذه الاعتداءات أحياناً بحماية أو مشاركة من قوات إسرائيلية.
ملصقات «وحوش حزب العمال» تشعل الجدل في لندن
ظهرت الملصقات في مناطق من شرق لندن، بينها منطقة تاور هامليتس، خلال الانتخابات المحلية في مايو 2026، ضمن حملة احتجاجية انتقدت موقف حزب العمال البريطاني من إسرائيل والحرب على قطاع غزة. وحملت إحدى الملصقات عبارة «وحوش حزب العمال»، إلى جانب الصورة التي يظهر فيها الرجل الإسرائيلي المسلح في مواجهة المرأة الفلسطينية. كما تضمنت ملصقات أخرى اتهامات للحزب بالتواطؤ في الإبادة الجماعية، في إشارة إلى العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة.
لكن استخدام الصورة أثار اعتراضاً لدى أحد مقدمي الشكاوى، الذي اعتبر أنها لا تقتصر على انتقاد سلوك عسكري إسرائيلي، بل تقدم الرجل بصورة «وحشية» مرتبطة، بحسب الشكوى، بعلامات الهوية الدينية اليهودية. وذكرت صحيفة «ديلي تلغراف» أن الشكوى اعتبرت أن الصورة اختيرت لتبدو مرعبة ومهددة، وأن توظيفها بهذه الطريقة قد يؤدي إلى إثارة الكراهية ضد اليهود، بدلاً من توجيه الانتقاد إلى ممارسات الجيش الإسرائيلي أو المستوطنين. كما اعترض مقدم الشكوى على ملصقات ربطت حزب العمال بالسياسات الإسرائيلية، ورأى أنها تصوره باعتباره متواطئاً في الحرب على غزة.
الشرطة تعتقل رجلاً وتفرج عنه بكفالة
وقالت شرطة العاصمة البريطانية إن رجلاً يبلغ من العمر 36 عاماً اعتُقل يوم الخميس 1 أكتوبر 2026، للاشتباه في ارتكابه مخالفة تتعلق بالنظام العام ذات طابع عنصري مشدد، وذلك على خلفية واقعة تعود إلى مايو، عندما عُرضت ملصقات وصفتها الشرطة بأنها معادية للسامية في أنحاء منطقة تاور هامليتس.
وأضاف متحدث باسم الشرطة أن الرجل أُفرج عنه بكفالة، مع استمرار التحقيقات، من دون الكشف عن هويته أو تقديم تفاصيل إضافية بشأن الأدلة التي تستند إليها القضية.
وكانت الشكوى قد أشارت أيضاً إلى أن بعض الملصقات لم تتضمن بيانات الطباعة واسم الجهة المسؤولة عنها وعنوانها، وهي معلومات يتطلبها القانون البريطاني في بعض المواد الانتخابية، ما أثار تساؤلات قانونية إضافية بشأن طريقة توزيعها.
ولا يعني الاعتقال ثبوت ارتكاب الرجل مخالفة أو إدانته، إذ لا تزال القضية في مرحلة التحقيق، ولم تعلن الشرطة عن صدور حكم قضائي بشأنها.
أين تنتهي حرية انتقاد إسرائيل ويبدأ خطاب الكراهية؟
تأتي القضية في وقت يتواصل فيه الجدل داخل بريطانيا بشأن تعريف معاداة السامية وحدود انتقاد إسرائيل، خصوصاً مع اتساع المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين والانتقادات الموجهة إلى السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويعيد استخدام صورة المستوطن في الملصقات طرح سؤالين متداخلين: هل يمكن توظيف صورة توثق اعتداءً على فلسطينيين في حملة سياسية تنتقد حزباً أو حكومة؟ ومتى يتحول هذا الاستخدام، وفق القانون، إلى خطاب يستهدف اليهود باعتبارهم جماعة دينية أو عرقية؟
ويظل التمييز بين انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية أو ممارسات المستوطنين، وبين استهداف اليهود بسبب هويتهم، محوراً أساسياً في هذا النقاش. كما أن الاعتراض على طريقة استخدام صورة بعينها لا يغير من ضرورة فحص سياقها الأصلي والواقعة التي وثقتها.
إد ميليباند يصف عنف المستوطنين بـ«الإرهاب»
وتتزامن القضية مع تصريحات متشددة لوزير الخارجية البريطاني إد ميليباند بشأن اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية. ففي سبتمبر 2026، وصف ميليباند المستوطنين المتطرفين الذين يعتدون على الفلسطينيين بأنهم «إرهابيون»، واتهمهم بالمشاركة في عمليات تطهير عرقي، منتقداً ما اعتبره تقاعساً عن محاسبة المسؤولين عن تلك الاعتداءات.
كما أعلن الوزير عن إجراءات بريطانية تستهدف التوسع الاستيطاني، من بينها حظر استيراد السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية، واتخاذ تدابير ضد أفراد وشركات تدعم الأنشطة الاستيطانية أو تستفيد منها. وفي أكتوبر، جدد ميليباند أمام البرلمان البريطاني وصفه لما يجري في الضفة الغربية بأنه «إرهاب استيطاني»، داعياً إلى وضع حد للعنف ضد الفلسطينيين.
وبينما تواصل السلطات البريطانية التحقيق في ملصقات شرق لندن، تكشف القضية عن اتساع الجدل حول كيفية التعبير عن التضامن مع الفلسطينيين وانتقاد إسرائيل داخل المجال العام البريطاني، وعن التحدي القانوني المتمثل في حماية حرية التعبير ومواجهة خطاب الكراهية في الوقت نفسه.
اقرأ أيضاً
اعتقال 10 مستوطنين بعد هجمات على مصورة أميركية ودبلوماسيين أوروبيين وفلسطينيين في الضفة الغربية
ركلوها نحو 50 مرة لأنها تحمل كاميرا.. مستوطنون يعتدون على مصوّرة «واشنطن بوست» في فلسطين
الضفة الغربية تشهد تصعيداً خطيراً: نحو 20 اعتداءً للمستوطنين الإسرائيليين ضد الفلسطينيين في يوم واحد
عرب بريطانيون يصعّدون الضغط على لندن: إجراءات ملزمة لوقف دعم المستوطنات الإسرائيلية

