وطن-لم تقتصر مشاهد الاحتفال بفوز الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا على الهتافات والعناق ودموع الفرح، بل حضرت فلسطين أيضاً في صورة لافتة، مع ظهور العلم الفلسطيني بين المحتفلين، واستعادة مشهد سابق ظهر فيه لولا وهو يتوشح بالكوفية الفلسطينية خلال مراسم اعتماد السفير الفلسطيني مروان جبريل.
وتحمل هذه المشاهد دلالات رمزية تتجاوز أجواء الانتخابات البرازيلية، إذ تعيد تسليط الضوء على مواقف لولا من القضية الفلسطينية، وعلى موقع البرازيل في التجاذبات السياسية الدولية، في وقت تشهد فيه أميركا اللاتينية تنافساً بين تيارات سياسية مختلفة بشأن علاقاتها بالولايات المتحدة والقضايا الدولية.
من عامل معادن إلى رئاسة البرازيل
وُلد لولا دا سيلفا عام 1945 في أسرة فقيرة بولاية بيرنامبوكو شمال شرقي البرازيل، وانتقل في طفولته إلى ساو باولو، حيث بدأ العمل في سن مبكرة. وعمل في قطاع المعادن، قبل أن يصبح أحد أبرز القادة النقابيين خلال الحكم العسكري في البرازيل.
وشكّلت تجربته النقابية نقطة تحول في مسيرته، إذ شارك عام 1980 في تأسيس حزب العمال، الذي أصبح لاحقاً أحد أبرز الأحزاب السياسية في البلاد. وبعد سنوات، دخل البرلمان، ثم خاض الانتخابات الرئاسية في محاولات لم تنجح في البداية، قبل أن يفوز بالرئاسة عام 2002، ويُعاد انتخابه عام 2006.
وخلال ولايتيه الأوليين، ارتبط اسم لولا ببرامج اجتماعية استهدفت الحد من الفقر وتوسيع فرص الاستفادة من الخدمات الأساسية، كما اكتسب حضوراً دولياً بفضل سياساته الخارجية وعلاقاته مع دول الجنوب العالمي.
إدانة سابقة بالفساد وسنوات من الجدل السياسي
لم تخلُ مسيرة لولا من الأزمات، إذ واجه اتهامات وقضايا فساد ضمن التحقيقات التي هزّت الحياة السياسية البرازيلية. وسُجن بين عامي 2018 و2019، قبل أن تلغي المحكمة العليا البرازيلية الأحكام الصادرة بحقه عام 2021، بعدما خلصت إلى أن المحكمة التي أدانته لم تكن مختصة بالنظر في قضيته، ما أعاد إليه حقوقه السياسية ومهّد لعودته إلى المنافسة الرئاسية.
وفي انتخابات عام 2022، هزم لولا الرئيس السابق جايير بولسونارو، وعاد إلى الرئاسة لولاية ثالثة بدأت عام 2023. أما في انتخابات أكتوبر 2026، فقد واجه فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق، في جولة إعادة حاسمة انتهت بفوزه مجدداً، ليحصل على ولاية رئاسية رابعة غير متتالية.
فوز يضع حسابات ترامب في أميركا اللاتينية أمام اختبار
لم يقتصر صدى النتيجة على الداخل البرازيلي، بل امتد إلى العلاقات الإقليمية والدولية، خصوصاً في ظل التباين السياسي بين لولا والإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب.
فالبرازيل، باعتبارها أكبر اقتصادات أميركا اللاتينية، تمثل ثقلاً سياسياً واقتصادياً في المنطقة، كما أن توجهاتها الخارجية تؤثر في موازين التعاون والتحالفات بين دولها. ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى فوز لولا بوصفه استمراراً لقيادة لا تتطابق توجهاتها بالضرورة مع رؤية ترامب وحلفائه اليمينيين في القارة.
وكان ترامب قد علّق، الأربعاء، على خسارة فلافيو بولسونارو، واصفاً الانتخابات بأنها «غريبة جداً»، وفق ما نقلته وكالة رويترز، كما قال إنه يوافق على قدوم فلافيو إلى الولايات المتحدة، في موقف يعكس استمرار الاهتمام الأميركي بتداعيات النتيجة.
لكن وصف النتيجة بأنها هزيمة مباشرة لترامب يحتاج إلى وضعها في سياق أوسع؛ فالانتخابات البرازيلية حُسمت أساساً بأصوات الناخبين، فيما تبقى انعكاساتها على السياسة الأميركية تجاه المنطقة مرتبطة بالخطوات التي ستتخذها واشنطن في المرحلة المقبلة.
فلسطين حاضرة في مشهد الاحتفال
وسط الأعلام والهتافات التي رافقت الاحتفال بفوز لولا، برز العلم الفلسطيني في مشاهد أعادت إلى الواجهة موقف الرئيس البرازيلي من القضية الفلسطينية، إلى جانب رمزية الكوفية التي ارتداها خلال مراسم دبلوماسية سابقة.
ففي الثالث من فبراير 2026، استقبل لولا عدداً من السفراء الجدد في قصر بلانالتو بالعاصمة برازيليا، وكان بينهم السفير الفلسطيني مروان جبريل. وخلال مراسم تقديم أوراق الاعتماد، أخذ الرئيس البرازيلي الكوفية الفلسطينية من كتف السفير ووضعها على كتفيه، في مشهد وثقته صور وكالة رويترز.
واكتسبت اللقطة دلالة رمزية لدى المتضامنين مع فلسطين، خصوصاً في ظل المواقف البرازيلية الداعمة للحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية. كما أعادت التأكيد على حضور القضية الفلسطينية في النقاش السياسي خارج منطقة الشرق الأوسط، وفي دول ترى أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يرتبط بقضايا القانون الدولي وحقوق الشعوب.
وبالنسبة إلى أنصار فلسطين، لم يكن ظهور العلم الفلسطيني بين المحتفلين مجرد تفصيل عابر في مشهد انتخابي، بل صورة تعكس حضور القضية في الفضاء العام البرازيلي، وتربط بين حدث سياسي داخلي ورمزية تضامنية تتجاوز الحدود الجغرافية.
ولاية جديدة أمام تحديات داخلية وخارجية
على الرغم من فوزه، يواجه لولا مرحلة سياسية معقدة؛ فالانقسام بين مؤيديه ومعارضي اليمين لم ينتهِ بانتهاء الانتخابات، كما أن التحديات الاقتصادية والاجتماعية ستظل حاضرة في أجندة الحكومة الجديدة.
وتكشف النتيجة تقارباً واضحاً في المزاج الانتخابي، إذ حصل لولا على 51.79 في المئة من الأصوات الصحيحة، مقابل 48.21 في المئة لمنافسه فلافيو بولسونارو، وفق النتائج التي أعلنها القضاء الانتخابي البرازيلي. ويعكس هذا الفارق أن الرئيس المنتخب لولاية جديدة سيواجه مجتمعاً منقسماً سياسياً، ما يجعل بناء التوافق الداخلي أحد أبرز اختباراته المقبلة.
أما خارجياً، فستكون علاقات البرازيل مع الولايات المتحدة، وموقعها في أميركا اللاتينية، ومواقفها من القضايا الدولية، من الملفات التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة.
وفي مشهد الاحتفال، بقيت صورة لولا والكوفية الفلسطينية حاضرة إلى جانب الأعلام والهتافات. وبينما احتفل أنصاره بعودته إلى الرئاسة، وجد المتضامنون مع فلسطين في المشهد رمزاً إضافياً لحضور قضيتهم في بلد بعيد آلاف الكيلومترات عن الأراضي الفلسطينية.
فوز انتخابي حُسم في صناديق الاقتراع، ورئاسة جديدة تبدأ وسط انقسام داخلي وتجاذبات دولية، فيما بقي العلم الفلسطيني والكوفية جزءاً من الصورة التي رافقت الاحتفالات.
اقرأ المزيد
لولا دا سيلفا يفوز بولاية رئاسية رابعة في البرازيل بعد سباق انتخابي محتدم
الشرطة البرازيلية تحقق في احتمال مغادرة فلافيو بولسونارو إلى الولايات المتحدة عبر الأرجنتين

