وطن-أظهرت النتائج الأولية المعلنة لانتخابات الكنيست الإسرائيلي لعام 2026 مشهداً سياسياً معقداً، بعدما حالت النتائج، وفق الأرقام الواردة في التقارير الأولية، دون تمكن معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أو معسكر المعارضة من تأمين الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل الحكومة، في وقت سجلت فيه الأحزاب العربية الممثلة للفلسطينيين داخل إسرائيل ارتفاعاً لافتاً في عدد المقاعد.
وبحسب ما أوردته صحيفة «ميدل إيست آي»، كشفت النتائج الجزئية عن تقدم معسكر نتنياهو من دون أن يمتلك العدد الكافي من المقاعد لتشكيل حكومة بمفرده أو بالتحالف مع حلفائه الحاليين، في مقابل عجز المعارضة عن حسم الأغلبية أيضاً. ووضعت هذه المعطيات الأحزاب العربية في موقع مؤثر ضمن الحسابات المتعلقة بتشكيل الحكومة المقبلة.
ووفق الأرقام المنسوبة إلى لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، حصل معسكر نتنياهو على 54 مقعداً، مقابل 49 مقعداً لمعسكر المعارضة، بعد فرز نحو 77% من الأصوات. وفي المقابل، حصدت قائمتا «القائمة المشتركة» و«رعم»، اللتان تمثلان الفلسطينيين داخل إسرائيل، 17 مقعداً معاً، وهو رقم وصفته الصحيفة بأنه قياسي.
وتحتاج أي حكومة إسرائيلية إلى تأمين ثقة أغلبية أعضاء الكنيست، أي 61 مقعداً على الأقل من أصل 120، ما يجعل توزيع المقاعد عاملاً حاسماً في تحديد هوية الحكومة المقبلة، ويترك الباب مفتوحاً أمام مفاوضات ائتلافية معقدة أو احتمال اللجوء إلى انتخابات جديدة إذا فشلت الأطراف في التوصل إلى اتفاق.
مشاركة قياسية بعد حرب غزة
جاءت هذه النتائج عقب يوم انتخابي شهد، وفق الأرقام الواردة في التقرير، مشاركة عامة بلغت 77.7%، وهي النسبة الأعلى منذ عام 1999. وتكتسب هذه الانتخابات أهمية إضافية لأنها تأتي بعد حرب غزة وما رافقها من تصعيد إقليمي وتوترات سياسية واجتماعية داخل إسرائيل، منذ هجوم السابع من أكتوبر وما أعقبه من حرب واسعة النطاق.
وقالت «ميدل إيست آي» إن الفلسطينيين داخل إسرائيل، الذين يشكلون نحو 20% من السكان، شاركوا بأعداد كبيرة، في ظل تصاعد الغضب بسبب الدمار في قطاع غزة، واعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، إلى جانب ما وصفه التقرير بتزايد الخطاب والسياسات التمييزية ضد المواطنين العرب داخل إسرائيل.
وبحسب الصحيفة، عبّر فلسطينيون في الداخل خلال الأيام التي سبقت التصويت عن شعورهم بأن وجودهم وحقوقهم باتا أمام تحديات متزايدة. وظهر هذا القلق، وفق القراءة التي قدمها التقرير، في الإقبال على صناديق الاقتراع، بما أضاف وزناً سياسياً للأحزاب العربية في لحظة تتسم بانقسام حاد داخل المجتمع الإسرائيلي.
ولا تقتصر أهمية هذا التمثيل على عدد المقاعد وحده، بل تمتد إلى قدرة الأحزاب العربية على التأثير في المفاوضات البرلمانية، خصوصاً إذا عجزت الكتل الرئيسية عن تشكيل أغلبية مستقرة من دون الاستعانة بأصواتها.
نتنياهو يتصدر النتائج.. لكن الأغلبية لا تزال بعيدة
على مستوى الأحزاب، أظهرت النتائج الأولية تقدم حزب الليكود بزعامة نتنياهو، بحصوله على 27 مقعداً وفق الأرقام الواردة في التقرير، فيما حصل حزب «يَشار» بقيادة غادي آيزنكوت على 22 مقعداً. ورغم هذا التقدم، لا تكفي المقاعد التي حصل عليها أي من الحزبين منفرداً لحسم تشكيل الحكومة.
ووصف آيزنكوت النتائج بأنها تعكس انعدام الثقة في نتنياهو، في حين اعتبر يائير لابيد، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق وأحد أبرز وجوه المعارضة، أن النتائج تمثل هزيمة سياسية لنتنياهو، بسبب عجز معسكره عن تأمين أغلبية برلمانية واضحة.
لكن المشهد لا يعني بالضرورة نهاية المسار السياسي لنتنياهو، إذ تسمح طبيعة النظام البرلماني الإسرائيلي باستمرار المفاوضات بين الأحزاب بعد الانتخابات، كما يمكن أن يبقى رئيس الوزراء في منصبه بصفة انتقالية إلى حين تشكيل حكومة جديدة. وتشير النتائج إلى أن المرحلة المقبلة ستكون مرتبطة بقدرة قادة المعسكرين على التفاوض مع الأحزاب الصغيرة، وتقديم تنازلات تسمح ببناء ائتلاف قادر على نيل ثقة الكنيست.
الأحزاب العربية أمام اختبار المشاركة في الحكومة
يمثل صعود الأحزاب العربية أحد أبرز جوانب الانتخابات، بعدما أصبحت المقاعد التي حصلت عليها عاملاً مهماً في الحسابات السياسية للمعسكرين الرئيسيين. فوفق النتائج الأولية الواردة في التقرير، حصلت «القائمة المشتركة» و«رعم» على 17 مقعداً، ما يضعهما في موقع يسمح لهما بالتأثير في مسار تشكيل الحكومة.
وعلى الرغم من هذا الوزن البرلماني، تواجه مشاركة الأحزاب العربية في الائتلافات الحكومية عقبات سياسية وأيديولوجية. فقد استبعد عدد من قادة المعارضة، خلال الحملة الانتخابية، تشكيل حكومة تعتمد على دعم هذه الأحزاب، رغم أن غيابها قد يجعل الوصول إلى الأغلبية أكثر صعوبة.
وبحسب «ميدل إيست آي»، فإن شخصيات معارضة، من بينها نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، تتبنى مواقف متشددة تجاه الفلسطينيين، وأعلنت رفضها الاعتماد على الأحزاب العربية لتشكيل الحكومة.
غير أن نتائج الاقتراع قد تضع هذه المواقف أمام اختبار عملي، إذ يمكن أن تدفع الحسابات البرلمانية بعض الأطراف إلى إعادة النظر في حدود التعاون الممكن، سواء من خلال الانضمام إلى ائتلاف حكومي أو تقديم دعم برلماني في ملفات محددة.
وفي هذا السياق، لا يقتصر دور الأحزاب العربية على عدد المقاعد التي حصلت عليها، بل يرتبط أيضاً بمدى استعداد الأحزاب اليهودية لقبول دور سياسي أكثر تأثيراً للمواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل.
هل تتجه إسرائيل إلى انتخابات جديدة؟
في ظل غياب أغلبية واضحة، تبرز عدة سيناريوهات للمرحلة المقبلة، من بينها تشكيل حكومة ائتلافية جديدة، أو التوصل إلى اتفاق أوسع بين بعض أطراف المعارضة، أو الدخول في مفاوضات طويلة قد تنتهي بإجراء انتخابات جديدة.
ومن بين الخيارات التي طُرحت في النقاشات السياسية الإسرائيلية تشكيل حكومة وحدة وطنية تجمع نتنياهو وآيزنكوت، بهدف تجاوز حالة الانسداد. إلا أن هذا السيناريو يواجه تحديات تتعلق بالتنافس الحزبي والخلافات بشأن إدارة الدولة والحرب والسياسات الداخلية.
ونقلت «ميدل إيست آي» عن المعلق السياسي الإسرائيلي ميرون رابوبورت قوله إن تصدر الليكود النتائج لا يضمن بقاء نتنياهو في الحكم، ما دام معسكره عاجزاً عن الوصول إلى 61 مقعداً. وأشار إلى أن عدم التوصل إلى اتفاق قد يقود إلى انتخابات جديدة.
وأضاف رابوبورت أن إجراء انتخابات أخرى قد يضع المعارضة أمام مخاطرة سياسية، لأنها ستضطر إلى خوض جولة جديدة بدلاً من استثمار النتائج الحالية في محاولة تشكيل حكومة بديلة.
وفي المقابل، قد تفرض المفاوضات على الأطراف السياسية تقديم تنازلات لم تكن مطروحة خلال الحملة الانتخابية، خصوصاً في ما يتعلق بمشاركة الأحزاب العربية أو قبول دعمها من خارج الائتلاف الحكومي.
التصويت الفلسطيني.. رسالة تتجاوز تغيير الحكومة
وتتجاوز دلالات المشاركة الفلسطينية، وفق قراءة عدد من الباحثين الذين نقلت عنهم الصحيفة، مسألة إسقاط نتنياهو أو استبداله بشخصية سياسية أخرى، لتشمل طبيعة العلاقة بين المواطنين الفلسطينيين والمؤسسات السياسية الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، وصف أمير فاخوري، الباحث في معهد فان لير الإسرائيلي، المشاركة بأنها تطور تاريخي، معتبراً أنها تعكس رغبة قطاعات من الفلسطينيين داخل إسرائيل في استخدام التصويت للتأثير في مستقبلهم السياسي، في ظل الحرب على غزة والتوترات في الضفة الغربية والجدل بشأن التمييز ضد المواطنين العرب.
ويرى فاخوري، بحسب ما نقلته الصحيفة، أن أهمية النتائج لا تكمن فقط في احتمال تغيير رئيس الوزراء، بل أيضاً في الاختبار الذي تفرضه على النظام السياسي الإسرائيلي، ومدى استعداده لقبول مشاركة فلسطينية أكثر تأثيراً في عملية صنع القرار.
وتكشف هذه القراءة عن مفارقة سياسية تتمثل في أن الأحزاب العربية قد تصبح ضرورية حسابياً لتشكيل الحكومة، في الوقت الذي لا تزال فيه قطاعات من القيادة السياسية الإسرائيلية ترفض التعاون معها.
ومن ثم، فإن نتائج الانتخابات تضع الأحزاب الإسرائيلية أمام سؤال أساسي: هل ستتغلب الحسابات البرلمانية على الخلافات الأيديولوجية، أم ستستمر القيود السياسية التي تحول دون مشاركة الأحزاب العربية في الائتلافات الحاكمة؟
الكنيست أمام مرحلة من عدم اليقين
مع استمرار فرز الأصوات، تبقى الأرقام الأولية قابلة للتغيير، خصوصاً مع احتساب أصوات الجنود والأصوات التي يجري فرزها في مراحل لاحقة. وقد تؤثر هذه النتائج في توزيع بعض المقاعد، من دون أن يكون ممكناً الجزم مسبقاً بمآلات المفاوضات السياسية.
وتشير المعطيات المنشورة إلى أن انتخابات 2026 تفتح مرحلة جديدة من عدم اليقين في إسرائيل، حيث لا يكفي تصدر حزب الليكود النتائج لضمان استمرار نتنياهو في الحكم، كما لا يضمن تقدم المعارضة قدرتها على تشكيل حكومة مستقرة.
وفي قلب هذه المعادلة، يبرز التمثيل العربي بوصفه أحد العوامل المؤثرة في تحديد الخيارات المتاحة أمام الأحزاب، بين تشكيل ائتلاف جديد، أو حكومة وحدة وطنية، أو استمرار المأزق وصولاً إلى انتخابات أخرى.
وبذلك، لا تتعلق أهمية الانتخابات فقط بمستقبل نتنياهو السياسي، بل أيضاً بموقع الفلسطينيين داخل إسرائيل في النظام البرلماني، ومدى قدرة أصواتهم على التحول إلى نفوذ سياسي فعلي في مرحلة تتسم باستقطاب داخلي حاد وتداعيات مستمرة للحرب في المنطقة.
اقرأ المزيد
جيل نتنياهو يدخل الانتخابات.. هل أصبح اليمين المتطرف واقعاً طبيعياً لدى الشباب الإسرائيلي؟
انتخابات إسرائيل 2026.. نتنياهو يتراجع واليمين المتطرف يحافظ على قوته
من مقاطعة الانتخابات إلى المشاركة بدافع الخوف.. تحوّل لافت في الشارع الفلسطيني داخل إسرائيل

