وطن-في أسلوب احتيال غير مألوف، يستدرج محتالون في النرويج أشخاصًا إلى شراء الذهب بمبالغ كبيرة، ثم يقنعونهم بتركه في الغابات أو الحدائق العامة، بزعم أن أشخاصًا آخرين سيتولون حفظه بأمان إلى أن ترتفع قيمته ويحين موعد بيعه. لكن الذهب يختفي بعد وضعه في المكان المحدد، ليكتشف الضحايا أنهم وقعوا في فخ استثماري يصعب تعقب مرتكبيه.
وكشفت مجموعة «فينانس نورغه» (Finans Norge)، التي تمثل القطاع المالي النرويجي، في تحذير نشرته يوم 22 أكتوبر 2026، أن بنوكًا رصدت حالات متعددة من هذا الاحتيال، الذي ظهر للمرة الأولى في ربيع العام الجاري، قبل أن تُسجّل وقائع في أوسلو وضواحيها، وبيرغن، ودرامن، وليليستروم. ولم تعلن المجموعة رقمًا إجماليًا للضحايا أو تقديرًا نهائيًا للخسائر الناجمة عن هذا الأسلوب تحديدًا.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت لا يزال فيه الذهب يحظى باهتمام المستثمرين، مستفيدًا من مكانته بوصفه أصلًا يحتفظ بقيمته نسبيًا على المدى الطويل. لكن المحتالين يستغلون هذه الثقة لتقديم وعود بأرباح مرتفعة، ثم تحويل عملية شراء قانونية إلى وسيلة للاستيلاء على مدخرات الضحايا.
كيف تبدأ عملية الاحتيال؟
غالبًا ما تبدأ العملية بإعلان عبر الإنترنت يروّج للاستثمار في الذهب، أو باتصال هاتفي من شخص يدّعي أنه ممثل لتاجر معادن ثمينة أو شركة متخصصة في شراء الأصول الثمينة. ويشرح المحتال للضحية أن الذهب قد يرتفع سعره، وأن هناك إمكانية لتحقيق أرباح عند إعادة بيعه، مع تقديم وعود بتوفير خدمة آمنة لحفظه خلال فترة الانتظار.
وبعد إقناع الشخص بالاستثمار، يشتري الذهب من متجر حقيقي، ثم يبلغه المحتال بأن الشخص الذي كان من المفترض أن يتسلمه لم يعد قادرًا على الحضور. ويطرح عليه ما يبدو حلًا مؤقتًا، وهو ترك الذهب في مكان عام محدد، مثل غابة أو حديقة، حتى يأتي شخص آخر لاستلامه.
لكن ما إن يترك الضحية الذهب في الموقع، حتى يختفي. ويقول مسؤولو مكافحة الاحتيال إن هذه الخدعة تسمح للمحتال بالاستيلاء على الأصول من دون مواجهة الضحية مباشرة، كما تجعل تتبع مسار الأموال أكثر صعوبة، لأن الأموال تكون قد تحولت إلى ذهب مادي.
الذهب حقيقي.. لكن الوعود كاذبة
تكمن خطورة هذا النوع من الاحتيال في أن الذهب الذي يشتريه الضحايا يكون حقيقيًا، وغالبًا ما يحصلون عليه من متاجر شرعية. لذلك، لا تبدأ الجريمة بالضرورة ببيع معدن مزيف أو بوثائق استثمار وهمية، بل باقتراح استثمار قد يبدو منطقيًا في البداية، قبل أن يتحول إلى عملية تسليم غامضة.
وقالت غري نيرغارد، المسؤولة عن مكافحة الاحتيال في «فينانس نورغه»، إن بعض الضحايا يُطلب منهم وضع الذهب في أماكن غير مألوفة، بحيث يتمكن شخص آخر من جمعه لاحقًا.
وأضافت أن المحتالين قد ينتحلون صفة ممثلين لتجار الذهب أو العملات أو المقتنيات الثمينة، أو موظفين في شركات صرافة، لإضفاء مظهر احترافي على العملية.
وأفادت وكالة «بلومبرغ» بأن بعض الضحايا، ومن بينهم أشخاص تجاوزوا الستين من العمر، اشتروا عملات ذهبية بمبالغ كبيرة ثم سلّموها للمحتالين، بعد وعود بتحقيق عوائد مرتفعة. ونقلت الوكالة عن رونالد سوكاييل، المدير العام لشركة «تافكس» لتجارة الذهب والفضة، أن الشركة تعاملت مع نحو 20 حالة خلال العامين الماضيين تعرض فيها عملاء للاحتيال وسُلب منهم الذهب، لكن هذه الحالات لا تعني بالضرورة أنها جميعًا مرتبطة بأسلوب ترك الذهب في الغابات.
الاحتيال العاطفي قد يكون المدخل
لا تبدأ جميع العمليات عبر إعلانات الاستثمار. ففي بعض الحالات، يبني المحتال علاقة شخصية مع الضحية على مدى فترة طويلة، وقد يتظاهر بوجود علاقة عاطفية أو صداقة وثيقة، قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى اقتراح الاستثمار في الذهب. وتساعد هذه الطريقة على بناء الثقة والتقليل من الشكوك، خصوصًا عندما يقدم المحتال نفسه باعتباره شخصًا يريد مساعدة الضحية في حماية أمواله أو استغلال فرصة استثمارية.
وبعد شراء الذهب، يبدأ الجزء الحاسم من الخطة: خلق ظرف طارئ يمنع الشخص الذي سيتسلم الذهب من الحضور، ثم إقناع الضحية بترك المقتنيات في مكان عام. وفي بعض الحالات، يتولى جمع الذهب شخص آخر يتظاهر بأنه مندوب عن شركة أو تاجر.
وتحذر الجهات المالية من أن هذا الأسلوب قد يستهدف أشخاصًا يملكون مدخرات كبيرة ويبحثون عن وسيلة لحمايتها أو تنميتها، ما يجعل تقديم وعود بالأمان والعائد المرتفع أداة فعالة للتلاعب بقراراتهم.
خسائر الاحتيال المالي تتجاوز 962 مليون كرونة
تأتي قضية الذهب ضمن مشكلة أوسع من الاحتيال المالي في النرويج. ووفق بيانات «فينانس نورغه»، خسر البنوك وعملاؤها خلال عام 2025 نحو 962 مليون كرونة نرويجية نتيجة عمليات احتيال متنوعة، بينما تمكنت البنوك من إيقاف محاولات احتيال تجاوزت قيمتها 3.5 مليارات كرونة.
ولا تعني هذه الأرقام أن المبالغ كلها مرتبطة بعمليات الاحتيال بالذهب؛ فهي تشمل أنماطًا مختلفة من الجرائم المالية التي تستهدف الأفراد والشركات، مثل سرقة بيانات الحسابات والخداع عبر الاتصالات والرسائل الإلكترونية.
وترى المجموعة المالية أن انتقال المحتالين من طلب تحويل الأموال مباشرة إلى الاستيلاء على الذهب المادي قد يساعدهم على تجاوز بعض آليات الحماية المصرفية. فبعد شراء الذهب، يصبح تتبع الأموال أكثر صعوبة، وقد يصعب تحديد مكان الأصول أو الشخص الذي تسلمها، خصوصًا إذا كانت عملية التسليم قد تمت في موقع عام ومن دون لقاء مباشر.
وتعمل «فينانس نورغه» بالتعاون مع البنوك النرويجية على حملة توعية للحد من الاحتيال، وتحذير المستهلكين من العروض الاستثمارية التي تعتمد على الوعود غير الواقعية أو تطلب تسليم أصول ثمينة بطرق غير معتادة.
كيف يحمي المستثمرون مدخراتهم؟
توصي الجهات المالية النرويجية بالتعامل بحذر شديد مع أي شخص يتواصل مع المستثمر لاقتراح شراء الذهب أو غيره من الأصول الثمينة، خصوصًا إذا وعد بأرباح كبيرة أو طلب تسليم المقتنيات إلى شخص مجهول.
كما تحث على عدم ترك الذهب أو الأموال في أماكن عامة بناءً على تعليمات من غرباء، حتى لو قُدّم الأمر باعتباره إجراءً مؤقتًا أو وسيلة لحفظ المقتنيات بأمان.
وتشدد التوصيات على ضرورة التحقق من هوية الجهة الاستثمارية عبر قنوات اتصال مستقلة، وعدم الاعتماد على الأرقام الهاتفية أو الروابط التي يقدمها الشخص نفسه. وفي حال الاشتباه بالتعرض للاحتيال، يُنصح بالاتصال بالبنك فورًا والاحتفاظ بالمراسلات والإيصالات وغيرها من الأدلة، ثم إبلاغ الشرطة.
وتكشف هذه الوقائع أن التعامل مع الذهب لا يلغي مخاطر الاحتيال، حتى عندما يكون المعدن أصليًا والشراء قد تم من متجر شرعي. فالمشكلة لا تكمن في الذهب نفسه، بل في الوعود التي تحيط بالاستثمار والطريقة التي يُطلب من المشتري اتباعها لتسليم ممتلكاته.
وبين إغراء الربح والاعتقاد بأن الذهب أصل آمن، يجد بعض النرويجيين أنفسهم أمام خسارة مدخراتهم بسبب خدعة تبدأ بعرض استثماري وتنتهي بترك الذهب في مكان عام، حيث يختفي قبل أن يدرك الضحية أنه وقع في عملية احتيال.
اقرأ المزيد

