وطن-أعادت الإمارات فتح النقاش بشأن دورها في الصراعات الإقليمية، بعد ترشيح الدبلوماسية لانا زكي نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، في خطوة تضع السياسة الخارجية لأبوظبي تحت الأضواء، من اليمن والسودان إلى ليبيا والقرن الإفريقي.
وأعلنت الإمارات رسمياً، في 21 أكتوبر 2026، ترشيح نسيبة لخلافة الأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته في 31 ديسمبر المقبل. وجاء الإعلان بعد ست جولات من الاقتراعات الاستطلاعية داخل مجلس الأمن لم تُفضِ إلى توافق على مرشح يحظى بقبول الأعضاء الدائمين الخمسة.
ويطرح الترشيح سؤالاً يتجاوز السيرة المهنية للمرشحة: إلى أي مدى يمكن لدولة تلعب دوراً إقليمياً نشطاً، وتواجه سياستها الخارجية انتقادات واتهامات بشأن تدخلات في نزاعات مسلحة، أن تقدم مرشحة لقيادة مؤسسة دولية تتصدر مهامها الدبلوماسية حفظ السلم والأمن الدوليين؟
وتستند الانتقادات الموجهة إلى أبوظبي إلى ملفات محددة، أبرزها دعم أطراف محلية في اليمن، والاتهامات المتعلقة بإسناد قوات الدعم السريع في السودان، والتقارير عن إمداد أطراف مسلحة بالسلاح في ليبيا. لكن هذه الملفات ليست متطابقة من الناحية القانونية، كما أن الإمارات تنفي اتهامات رئيسية تتعلق بدعم قوات في الحرب السودانية، ما يجعل التمييز بين الوقائع الموثقة والاتهامات والمواقف السياسية ضرورياً عند تقييمها.
لانا نسيبة تدخل سباقاً دولياً معقداً
تتمتع لانا نسيبة بخبرة طويلة داخل الأمم المتحدة؛ فقد شغلت منصب الممثلة الدائمة للإمارات لدى المنظمة بين عامي 2013 و2024، وترأست مجلس الأمن مرتين خلال عضوية بلادها غير الدائمة في المجلس، كما شاركت في ملفات تتعلق بالمساعدات الإنسانية والإصلاح المؤسسي.
وتقول نسيبة إنها تريد تعزيز دور الأمم المتحدة بوصفها مؤسسة قادرة على حل الأزمات، لا الاكتفاء بمراقبتها، مع التركيز على التحرك المبكر لمنع النزاعات وتطوير أدوات الدبلوماسية متعددة الأطراف.
لكن وصولها إلى المنصب ليس قراراً إماراتياً منفرداً. فبموجب ميثاق الأمم المتحدة، يُعيَّن الأمين العام من قبل الجمعية العامة بناءً على توصية مجلس الأمن، ما يجعل مواقف القوى الخمس الدائمة العضوية عاملاً حاسماً في تحديد المرشح الذي يمكن أن يتولى المسؤولية مطلع عام 2027.
وبذلك، لا يتعلق الأمر بأن الإمارات ستتولى رئاسة المنظمة، بل بترشيح دبلوماسية إماراتية لمنصب الأمين العام، وهو منصب دولي يفترض أن يمارَس باستقلال عن تعليمات الحكومات.
اليمن.. من التحالف العسكري إلى صراع النفوذ
يُعد اليمن أحد أبرز الملفات التي تكشف طبيعة الدور الإماراتي في المنطقة. ففي مارس 2015، انضمت الإمارات إلى التحالف بقيادة السعودية الذي تدخل عسكرياً ضد جماعة الحوثيين، قبل أن تسحب معظم قواتها من اليمن عام 2019.
لكن الانسحاب العسكري الواسع لم يُنهِ دور أبوظبي في السياسة اليمنية؛ إذ واصلت دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يدعو إلى استقلال جنوب اليمن. وأدى تباين أهداف المجلس المدعوم إماراتياً مع أهداف الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وحليفتها السعودية إلى توترات داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
ويرى منتقدون أن دعم قوى محلية متنافسة ساهم في تعقيد المشهد اليمني وإضعاف الجبهة المناهضة للحوثيين، فيما تقول أبوظبي إن دورها ارتبط بمواجهة الجماعات المسلحة والتطرف وحماية الاستقرار والمصالح البحرية.
وتُظهر هذه التجربة أن التدخلات الخارجية لا تُقاس فقط بالأهداف المعلنة، بل أيضاً بنتائجها على تماسك المؤسسات المحلية، ومسارات التسوية السياسية، وقدرة الأطراف اليمنية على الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب.
السودان.. الاتهامات الأكثر حساسية
يمثل السودان الملف الأكثر حساسية في النقاش بشأن ترشيح نسيبة، بعدما واجهت الإمارات اتهامات بتقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع خلال الحرب مع الجيش السوداني، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي.
وفي تقرير صدر في 3 سبتمبر 2026، قالت بعثة أممية لتقصي الحقائق إن لديها أسباباً للاعتقاد بأن شبكة تضم أفراداً وكيانات في الإمارات وتشاد وليبيا والصومال أسهمت في توفير أسلحة ومعدات وخدمات لوجستية وتدريب وأفراد أجانب لقوات الدعم السريع. ولم يحدد هذا الاستنتاج وحده أن الحكومة الإماراتية بوصفها مؤسسة كانت صاحبة القرار في كل عملية ضمن الشبكة، لكنه عزز التدقيق الدولي في الروابط المحتملة بين شبكات الإمداد والجهات المرتبطة بالإمارات.
وتنفي الإمارات تقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع، وتقول إنها تدعم الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب وتوفير المساعدات الإنسانية. ويجب أن يظل هذا النفي حاضراً عند عرض القضية، بالتوازي مع الإشارة إلى نتائج التقارير الأممية وما أثارته من أسئلة بشأن مسارات نقل الأسلحة والدعم اللوجستي.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية مع ترشيح دبلوماسية إماراتية لقيادة الأمم المتحدة؛ إذ سيكون الأمين العام مسؤولاً عن دعم جهود الوساطة الدولية، والتنسيق الإنساني، والعمل مع الدول الأعضاء لاحتواء النزاعات. ولذلك يُتوقع أن تظل سياسة أبوظبي تجاه السودان موضع أسئلة من بعض الدول والجهات الحقوقية خلال النقاش حول المرشحة.
ولا تعني الانتقادات الموجهة إلى دولة المرشحة بالضرورة ثبوت مسؤولية شخصية على نسيبة عن قراراتها، لكنها تطرح سؤالاً سياسياً حول كيفية الفصل بين خلفيتها الحكومية والتزاماتها المفترضة باستقلال المنصب الدولي إذا جرى اختيارها.
ليبيا.. تقارير عن السلاح ومخاوف من تدويل الصراع
في ليبيا، ارتبط اسم الإمارات باتهامات تتعلق بدعم قوات خليفة حفتر خلال الحرب التي اندلعت حول طرابلس. وخلص تقرير لفريق خبراء تابع للأمم المتحدة عام 2019 إلى أن أطرافاً خارجية، بينها الإمارات، زودت أطراف النزاع بالأسلحة والمعدات العسكرية في خرق لحظر السلاح المفروض على البلاد.
وكانت أبوظبي قد نفت ملكية أسلحة عُثر عليها في ليبيا عام 2019، وأكدت التزامها بقرارات مجلس الأمن بشأن حظر السلاح، داعية إلى خفض التصعيد والعودة إلى المسار السياسي.
ويعكس الملف الليبي مشكلة أوسع في النزاعات التي تتدخل فيها أطراف إقليمية متعددة: فالدعم الخارجي قد يعزز نفوذ طرف محلي، لكنه قد يطيل أمد القتال ويضعف فرص التوصل إلى تسوية إذا استُخدم لتغيير موازين القوى عسكرياً بدلاً من دعم العملية السياسية.
ومن هنا، يستند منتقدو السياسة الإماراتية إلى تقارير عن دعم أطراف متنازعة في أكثر من دولة للقول إن طموح أبوظبي الدبلوماسي ينبغي أن يخضع لتدقيق يتناسب مع حجم دورها الإقليمي. في المقابل، ترفض الإمارات اختزال سياستها الخارجية في اتهامات التدخل، وتقدم نفسها بوصفها شريكاً في جهود التنمية والمساعدات والأمن الإقليمي.
القرن الإفريقي والبحر الأحمر.. نفوذ يتجاوز الخليج
لم يعد الحضور الإماراتي مقتصراً على الخليج، بل توسع خلال السنوات الماضية عبر استثمارات ومشروعات للموانئ والخدمات اللوجستية وشراكات أمنية في مناطق تطل على البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
ويرى محللون أن هذا الحضور يرتبط بموقع المنطقة على طرق التجارة العالمية، وبأهمية باب المندب والبحر الأحمر لأمن الملاحة وسلاسل الإمداد. لكنه أثار أيضاً نقاشاً حول كيفية تداخل الاستثمارات التجارية مع الحسابات الأمنية والسياسية، خصوصاً عندما تتصل الموانئ والمرافق الاستراتيجية بفاعلين محليين في مناطق تشهد نزاعات أو تنافساً إقليمياً.
وفي تقريرها بشأن شبكات الإمداد المرتبطة بقوات الدعم السريع، أشارت البعثة الأممية إلى أفراد وكيانات في عدة دول، بينها الإمارات وليبيا والصومال وتشاد. ومع أن الإشارة إلى هذه الشبكات لا تعني تلقائياً أن كل حكومة معنية أدارت أنشطتها، فإنها توضح كيف أصبحت شبكات النقل والتمويل والتدريب العابرة للحدود جزءاً من المشهد العسكري في السودان.
وتضع هذه الوقائع النفوذ الاقتصادي والأمني الإماراتي أمام اختبار يتعلق بمدى شفافية الشراكات الإقليمية، والفصل بين الأنشطة التجارية المشروعة وأي دعم قد يسهم في إطالة النزاعات المسلحة.
هل يتعارض الطموح الدبلوماسي مع سجل التدخلات؟
لا يوجد في قواعد الأمم المتحدة ما يمنع دولةً لها مصالح إقليمية واسعة من ترشيح أحد دبلوماسييها لمنصب الأمين العام. لكن المنصب نفسه يفرض معايير تتعلق بالكفاءة والنزاهة والالتزام بميثاق المنظمة، ويشترط أن يعمل الأمين العام من دون تلقي تعليمات من أي حكومة في أداء مهامه.
ومن هنا، فإن الجدل بشأن ترشيح نسيبة ليس قانونياً في المقام الأول، بل سياسي ويتصل بالثقة. فهل تستطيع المرشحة، إذا وصلت إلى المنصب، التعامل باستقلال مع الملفات التي تكون فيها الإمارات طرفاً أو موضع اتهام؟ وكيف يمكنها إدارة جهود الوساطة في نزاعات تتعارض فيها مصالح الدول الكبرى والقوى الإقليمية؟
تُعد هذه الأسئلة جزءاً من النقاش الطبيعي حول أي مرشح لمنصب الأمين العام، خصوصاً حين يأتي من دولة ذات سياسة خارجية نشطة ومؤثرة في أكثر من ساحة. والإجابة عنها ستعتمد على البرنامج الذي تقدمه نسيبة، وعلى الضمانات العملية لاستقلالية أدائها، وعلى تقييم الدول الأعضاء لسجلها وخبرتها وقدرتها على بناء الثقة.
معركة على صورة الإمارات وموقعها الدولي
يمثل ترشيح لانا نسيبة خطوة دبلوماسية مهمة للإمارات، لكنه يفتح كذلك باباً لمراجعة دورها الإقليمي، بما يشمله من شراكات أمنية واستثمارات استراتيجية ودعم أطراف محلية في نزاعات معقدة.
ويستند منتقدو أبوظبي إلى ملفات اليمن والسودان وليبيا للتحذير من أن النفوذ الإقليمي قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى مزيد من الانقسام أو إطالة أمد الصراعات. بينما تؤكد الإمارات أنها تسعى إلى دعم الاستقرار ومكافحة التطرف وتعزيز التنمية، وتنفي الاتهامات المتعلقة بتقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع.
وفي النهاية، لن يحسم سجل الدولة وحده مسألة اختيار المرشحة، كما أن ترشيحها لا يعني أنها أصبحت قريبة بالضرورة من الفوز؛ إذ يعود القرار إلى مجلس الأمن والجمعية العامة. لكن دخولها المنافسة يضع السياسة الخارجية الإماراتية ضمن النقاش الدولي حول القيادة المقبلة للأمم المتحدة، ويعيد طرح سؤال أساسي: ما الذي ينبغي أن يتوافر في الأمين العام حتى يحظى بالثقة بوصفه ممثلاً لمبادئ المنظمة، لا لمصالح دولة بعينها؟
اقرأ أيضاً
الإمارات ترشح لانا نسيبة لخلافة غوتيريش.. سباق أممي يتعقد وسط جدل بشأن السودان وإسرائيل

