وطن-احتاج عشرات المتطوعين في مدينة بارا بولاية شمال كردفان السودانية إلى أيام من العمل لجمع ودفن أكثر من 600 جثة، بعدما عُثر على جثامين في الشوارع والمنازل والقرى المحيطة، وسط مخاوف من المخاطر الصحية والبيئية الناجمة عن تحلل الجثث ونقص الإمكانات اللازمة للتعامل معها.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية، في تقرير استند إلى صور ومقاطع فيديو وشهادات محلية، إن نحو 50 متطوعاً شاركوا في عمليات جمع الجثث ودفنها داخل بارا ومحيطها، عقب معارك عنيفة شهدتها المنطقة خلال يوليو، في سياق المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
ووفقاً للتقرير، وُجدت الجثامين في شوارع المدينة والقرى القريبة، وعلى الطريق الذي يربط بارا بمدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، وسط تقديرات محلية بأن الحصيلة التي جُمعت حتى الآن لا تمثل العدد الإجمالي للضحايا.
جثث في الشوارع ومخاوف من مخاطر صحية
ونقلت الصحيفة عن شهود ومصادر محلية قولهم إن عدداً كبيراً من الضحايا يُعتقد أنهم قُتلوا في هجمات انتقامية نُسبت إلى قوات الدعم السريع، فيما شملت الجثامين الأخرى مقاتلين من طرفي النزاع. وتبقى هذه الروايات بحاجة إلى تحقيق مستقل لتحديد ملابسات الوفيات والمسؤولية عنها.
وأشار التقرير إلى أن العثور على الجثث في الشوارع والمنازل والساحات العامة، إلى جانب انتشارها في القرى المجاورة، زاد من صعوبة عودة السكان إلى مناطقهم. كما اضطر المتطوعون إلى ارتداء ملابس واقية وقفازات وأقنعة أثناء عمليات الانتشال والدفن، في ظل نقص المعدات والإمدادات.
وأكد متطوعون وناشطون محليون أن عمليات البحث لم تنتهِ، وأن جثامين أخرى لا تزال موجودة في بارا ومناطق ريفية محيطة بها، وفقاً لما نقلته الصحيفة البريطانية.
نحو 200 مقبرة جماعية وعمليات دفن واسعة
وقال أحد المتطوعين لـ«ميدل إيست آي» إن فرق العمل المحلية فتحت نحو 200 مقبرة جماعية في المنطقة، قبل إعادة دفن الجثامين التي كانت مكدسة فيها بصورة أكثر انتظاماً، مضيفاً أن نحو 400 جثة أخرى دُفنت خلال العمليات ذاتها.
وأوضح أن تمويل هذه الجهود جاء من مبادرات محلية، شارك فيها رجال ونساء من بارا، إلى جانب سودانيين مقيمين في الخارج، خصوصاً في دول الخليج، ومساهمين من مدينة الأبيض.
وبحسب التقرير، قدمت وزارة الصحة السودانية والهلال الأحمر السوداني ومبادرات محلية أكياساً وحافظات لنقل الجثامين والتعامل معها. لكن المتطوعين ما زالوا يواجهون نقصاً في الوقود والقفازات والكمامات ومواد التعقيم ومستلزمات الدفن.
وقال مشاركون في عمليات الانتشال إنهم يعملون أيضاً على تنظيف المواقع التي عُثر فيها على الجثث، للحد من المخاطر الصحية والبيئية، رغم محدودية الدعم اللوجستي.
جثامين داخل المنازل والقرى المحيطة
ونقلت الصحيفة عن عبد الرحمن، وهو قيادي في لجنة مقاومة بارا، قوله إن الجثامين وُجدت في الشوارع والساحات وداخل المنازل، فضلاً عن قرى محيطة بالمدينة.
وأضاف أن عمليات البحث والدفن مستمرة، مشيراً إلى وجود جثامين أخرى في مناطق حول بارا، بينها قريقير وجبرة الشيخ وأم سيالة، وفق ما ورد في التقرير.
وبحسب الصحيفة، قالت وزارة الإعلام السودانية إن الانتهاكات امتدت إلى أكثر من 100 قرية حول بارا، ما أدى إلى فرار أعداد كبيرة من السكان. وجاء ذلك عقب اجتماع عقده قادة محليون من المدينة مع وزير الإعلام خالد الإعيسر، أعلنت الوزارة بعده أن الحكومة ستقدم الدعم للمتضررين، بما يشمل العلاج وإعادة الإعمار.
صور توثق تحلل الجثث ومعاناة المتطوعين
أظهرت صور ومقاطع فيديو أوردتها «ميدل إيست آي» جثامين بقيت في العراء لفترات طويلة، بعضها في مراحل متقدمة من التحلل، فيما تحولت أخرى إلى هياكل عظمية. كما وثقت المشاهد متطوعين يجمعون بقايا الجثث وينقلونها في سيارات وشاحنات صغيرة تمهيداً لدفنها.
وقال متطوعون إن ظروف العمل شديدة الصعوبة، في ظل الروائح وانتشار الحشرات والحيوانات النافقة في بعض المواقع، إلى جانب غياب المعدات الكافية.
ونقلت الصحيفة عن أحد المشاركين قوله إن المدينة باتت تعاني انهياراً في ظروف الحياة الأساسية، محذراً من المخاطر التي يفرضها انتشار الجثامين وتلوث بعض المواقع. غير أن الحديث عن انتشار أمراض مجهولة يحتاج إلى بيانات صحية وفحوص ميدانية تؤكده، ولا يكفي وجود الجثث المتحللة وحده لإثبات تفشي مرض بعينه.
وأضاف المتطوعون أن مساهمة الهلال الأحمر والجهات الصحية تركزت، وفق روايتهم، على توفير أكياس وحافظات للجثامين، بينما بقيت احتياجات النقل والتعقيم والدفن أكبر من الإمكانات المتاحة.
اتهامات بعمليات قتل جماعي ومطالب بتحقيق مستقل
وقال إسماعيل كرم الدين، وهو متطوع وعضو في المقاومة الشعبية، للصحيفة إن غالبية الجثامين التي جرى انتشالها من بارا والقرى المحيطة تعود إلى مدنيين قُتلوا في هجمات انتقامية، بحسب روايته. وأضاف أن متطوعين من أبناء المدينة تولوا جانباً كبيراً من عمليات الدفن، تحت إشراف المقاومة الشعبية.
واتهمت مجموعات محلية، بينها غرف طوارئ ومتطوعون مرتبطون بالمقاومة الشعبية، قوات الدعم السريع بارتكاب مجازر وعمليات قتل جماعي في المنطقة خلال أكتوبر 2025، وفقاً للتقرير. وتنفي قوات الدعم السريع عادة اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة، فيما تتزايد الدعوات إلى تحقيقات مستقلة لتوثيق الجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها.
ويظل تحديد أعداد الضحايا وهوياتهم والظروف التي قُتلوا فيها من المهام الأساسية أمام الجهات المختصة، خصوصاً في ظل صعوبة الوصول إلى بعض المناطق واستمرار النزاع.
حرب السودان تفاقم واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية
اندلعت الحرب في السودان في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وتسببت في نزوح واسع وتدهور الخدمات الأساسية وتفاقم انعدام الأمن الغذائي. وأورد تقرير «ميدل إيست آي» تقديرات تفيد بنزوح أكثر من 11 مليون شخص، مع اعتقاد أن عدد القتلى قد بلغ 150 ألفاً على الأقل؛ وهي أرقام تقديرية يصعب التحقق بصورة مستقلة من حصيلتها الكاملة في ظل استمرار القتال.
واتُّهم طرفا النزاع بارتكاب انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب. كما خلصت جهات دولية إلى أن قوات الدعم السريع ارتكبت أعمال إبادة جماعية في مناطق من دارفور، في سياق اتهامات تتعلق بالقتل والعنف العرقي والانتهاكات ضد المدنيين.
وتطرق التقرير أيضاً إلى الدعم الخارجي الذي تتلقاه أطراف الحرب. وذكرت الصحيفة أن قوات الدعم السريع تتلقى دعماً من الإمارات، وهو اتهام تنفيه أبوظبي. وتؤكد هذه الاتهامات أهمية التحقيق المستقل في مسارات الدعم العسكري والمالي، ودور الأطراف الخارجية في استمرار النزاع.
تنافس إقليمي وتطورات ميدانية في كردفان
وفي سياق التنافس الإقليمي، أشار التقرير إلى خريطة عرضها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وصفت مناطق من السودان وفق دوائر النفوذ والعلاقات الإقليمية المفترضة؛ إذ ربطت غرب البلاد بقوات الدعم السريع، فيما أظهرت بقية المناطق ضمن نطاق علاقات مع دول بينها تركيا والسعودية ومصر وباكستان.
كما أشار التقرير إلى دعم عسكري يتلقاه الجيش السوداني من تركيا ومصر، وإلى ضربة جوية استهدفت منجماً للذهب قرب الحدود السودانية المصرية وأسفرت، وفقاً للمعلومات الواردة فيه، عن مقتل ما لا يقل عن 114 شخصاً. وتحتاج تفاصيل هذه الحادثة وملابساتها إلى التحقق من مصادر مستقلة.
ميدانياً، تحدث التقرير عن تقدم للجيش السوداني في مناطق بولاية شمال كردفان، بينها سودري وأم بادر والمزروب، وعن استعدادات للتقدم نحو مدينتي النهود والخوي في ولاية غرب كردفان. وتكتسب هذه المناطق أهمية اقتصادية بسبب إنتاج الصمغ العربي، المستخدم في الصناعات الغذائية والدوائية وغيرها.
في المقابل، أشار التقرير إلى استمرار هجمات الطائرات المسيّرة على مناطق متعددة من البلاد، بينها الأبيض وكوستي وعطبرة والخرطوم وأم درمان، في وقت لا تزال فيه جهود وقف إطلاق النار والتوصل إلى تسوية سياسية تواجه صعوبات كبيرة.
وتكشف مأساة بارا جانباً من الكلفة الإنسانية للحرب السودانية؛ فإلى جانب القتلى والنازحين، يواجه السكان تحديات تتعلق بانتشال الجثامين والتعرف على هويات الضحايا ودفنهم بكرامة، وسط نقص الموارد وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة. وتبقى حماية المدنيين، وتوثيق الانتهاكات، وإجراء تحقيقات مستقلة، وتوفير الدعم الطبي والإنساني، من أبرز الاحتياجات العاجلة.
اقرأ أيضاً
بارا السودانية بعد انسحاب الدعم السريع.. مدينة الليمون تتحول إلى معقل لرائحة الجثث
اتهامات للجيش المصري.. غارات جوية على منشآت الذهب بشمال السودان تخلّف عشرات الضحايا
مدينة الأبيض السودانية بعد فك الحصار.. مدينة تحاول الحياة تحت تهديد مسيّرات الدعم السريع
مدنيو بارا في كردفان يُدفعون إلى جبهات القتال وسط تصاعد الحرب في السودان
حاكم دبي يواجه احتجاجات في لندن بسبب اتهامات بتورط الإمارات في حرب السودان

