وطن-أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية تحذيراً لمواطنيها من السفر غير الضروري إلى فرنسا وبلجيكا وإيطاليا، داعية الموجودين في هذه الدول إلى الابتعاد عن بؤر التوتر ومناطق المواجهات، في خطوة تأتي وسط اتساع الاضطرابات والاحتجاجات في عدد من المدن الأوروبية، وتصاعد الجدل بشأن تعامل الشرطة الفرنسية مع المتظاهرين.
وبحسب بيان نقلته وسائل إعلام إيرانية، جاء التحذير على خلفية ما وصفته طهران بتفاقم الاضطرابات والإخلال بالنظام العام، مع التنبيه إلى احتمال فرض قيود على التنقل وحدوث اضطرابات في خدمات النقل العام. ودعت الوزارة مواطنيها إلى متابعة المستجدات الأمنية والتواصل مع البعثات الدبلوماسية الإيرانية عند الحاجة.
ويأتي القرار في وقت شهدت فيه فرنسا احتجاجات واسعة في 17 أكتوبر، احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الخدمات العامة وأوضاع التعليم، قبل أن تتحول بعض التجمعات إلى مواجهات وأعمال تخريب في مدن عدة. كما امتدت الاضطرابات إلى بلجيكا وإيطاليا، وفق تقارير إعلامية.
احتجاجات فرنسا تتجاوز المطالب الطلابية
بدأت التحركات الفرنسية بمشاركة طلاب ونقابات ومجموعات احتجاجية، مع مطالب بتحسين ظروف الدراسة والخدمات العامة والتعامل مع ارتفاع الأسعار. لكن الاحتجاجات اتسعت لتشمل غضباً اجتماعياً أوسع، وشهدت بعض المدن أعمال عنف شملت إحراق مركبات وإتلاف ممتلكات واقتحام مبانٍ عامة.
وفي مدينة ليموج، اندلع حريق كبير في مبنى البلدية يوم 17 أكتوبر، خلال أعمال العنف التي رافقت الاحتجاجات. وألحق الحريق أضراراً جسيمة بالمبنى التاريخي، فيما أعلنت السلطات لاحقاً توقيف مشتبه به على صلة بالواقعة.
وفي حصيلة أولية نُشرت عقب احتجاجات نهاية الأسبوع، أعلنت السلطات الفرنسية توقيف أكثر من 1200 شخص، مع إصابة أكثر من 150 من عناصر الشرطة. وظهرت لاحقاً تقارير عن ارتفاع عدد التوقيفات، ما يجعل تحديد الحصيلة النهائية مرتبطاً بتاريخ التقرير والبيانات الرسمية الأحدث.
إصابات خطيرة تثير الجدل حول أداء الشرطة
تزامن التصعيد مع انتقادات لطريقة تعامل قوات الأمن مع المتظاهرين، خصوصاً بعد ورود تقارير عن إصابات خطيرة ناجمة عن استخدام وسائل مكافحة الشغب. وأعادت هذه الوقائع النقاش بشأن حدود استخدام القوة، وضرورة التمييز بين التعامل مع أعمال العنف وحماية حق المواطنين في الاحتجاج السلمي.
ومن بين الوقائع التي أثارت اهتماماً إعلامياً، تقارير عن إصابة فتى يبلغ 14 عاماً في ضواحي باريس خلال مواجهات مع الشرطة، ما فتح باب التساؤلات حول استخدام المقذوفات ووسائل تفريق الحشود، ولا سيما عندما يكون المصابون من القاصرين.
وتتطلب هذه الحوادث تحقيقات مستقلة لتحديد نوع المقذوف المستخدم وظروف إطلاقه والمسؤولية عن الإصابات. كما ينبغي الفصل بين الوقائع التي جرى توثيقها وبين الاستنتاجات المتعلقة بمدى قانونية تصرفات أفراد الشرطة.
سجال بين طهران وباريس بشأن حرية التظاهر
لم تبقَ الاحتجاجات في إطار الأزمة الداخلية الفرنسية، بل تحولت إلى محور سجال سياسي بين باريس وطهران. فقد انتقد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، متهماً إياه بالتناقض في مواقفه من الاحتجاجات، على خلفية موقف باريس من الحرب على إيران ومن حق التجمع والتظاهر.
وبحسب التصريحات المنقولة عن عراقجي، دعا الوزير الفرنسي إلى الاستماع إلى مطالب المحتجين، معتبراً أن التعامل مع الاحتجاجات في فرنسا يثير أسئلة بشأن المعايير التي تعتمدها الحكومات الأوروبية عند تقييم تحركات مماثلة في دول أخرى.
وتندرج هذه التصريحات ضمن التوتر السياسي بين البلدين، لكنها لا تحسم بذاتها الجدل حول مشروعية استخدام القوة في فرنسا، كما أن تقييم سلوك السلطات الفرنسية ينبغي أن يستند إلى الأدلة والتحقيقات والمعايير القانونية، لا إلى الاتهامات المتبادلة وحدها.
إيران تواجه اتهامات بازدواجية المعايير
في المقابل، استُخدمت التطورات الفرنسية في الخطاب الإيراني لإعادة طرح اتهامات بازدواجية المعايير الغربية في التعامل مع الاحتجاجات. ففي تصريحات سابقة، انتقد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي مواقف فرنسا من الاحتجاجات التي شهدتها إيران، متسائلاً عن أسباب اختلاف الخطاب الرسمي بشأن حق التجمع السلمي باختلاف الدولة التي تشهد الاحتجاجات.
لكن هذه المقارنة تواجه بدورها أسئلة تتعلق بسجل السلطات الإيرانية في التعامل مع الاحتجاجات الداخلية. فقد وثقت منظمات حقوقية اتهامات خطيرة باستخدام القوة المفرطة والذخيرة الحية والاعتقالات خلال احتجاجات سابقة في إيران، وهي اتهامات تستوجب النظر إليها على أساس الأدلة والتوثيق المستقل.
ولا يؤدي انتقاد تعامل الشرطة الفرنسية إلى نفي الانتهاكات المنسوبة إلى السلطات الإيرانية، كما أن توثيق انتهاكات في إيران لا يعفي السلطات الفرنسية من مسؤولية التحقيق في أي استخدام غير قانوني للقوة. فالمعايير المتعلقة بحرية التجمع وسلامة المتظاهرين ينبغي تطبيقها على جميع الحكومات من دون انتقائية.
تحذير السفر يعكس اتساع التوتر الأوروبي
يعكس التحذير الإيراني اتساع التداعيات السياسية والأمنية للاحتجاجات الأوروبية، التي بدأت بمطالب تتعلق بالتعليم وتكاليف المعيشة، ثم تحولت في بعض المناطق إلى مواجهات وأعمال تخريب، وسط مخاوف من قيود على الحركة وتعطل بعض الخدمات.
وفي الوقت نفسه، أضاف السجال بين باريس وطهران بُعداً دبلوماسياً إلى الأزمة، بعدما أصبحت طريقة تعامل السلطات الفرنسية مع المتظاهرين موضوعاً للانتقاد الإيراني، في مقابل تذكير منتقدي طهران بسجل الانتهاكات المبلغ عنها خلال احتجاجات داخل إيران.
وبين حق التظاهر السلمي وواجب السلطات في حماية الأمن العام، تبقى الأولوية للتحقق من الوقائع، ومحاسبة المسؤولين عن العنف أياً كانت الجهة التي يرتكبونه، وضمان ألا تتحول الأزمات الاجتماعية إلى ذريعة لانتهاك الحقوق أو تبادل الاتهامات السياسية من دون أدلة.
اقرأ المزيد
احتجاجات ألبانيا تتصاعد في تيرانا.. مطالب برحيل إيدي راما ورئيس الوزراء يرفض الاستقالة
قتيلان وآلاف المصابين.. اضطرابات فرنسا تدفع حكومة ماكرون إلى حافة أزمة مفتوحة
ماكرون يرفض استقالة وزير الداخلية الفرنسي بعد اضطرابات باريس ويطالبه بخطة أمنية جديدة
حريق ضخم يدمّر أجزاء من بلدية ليموج التاريخية خلال احتجاجات فرنسا

