وطن-وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى البحرين، الثلاثاء، ضمن جولة خليجية تشمل الكويت والإمارات وقطر، في زيارة تتداخل فيها حسابات أمن الطاقة والتعاون الدفاعي مع انتقادات حقوقية متصاعدة بشأن سجل المنامة في الحريات العامة وحقوق المعارضين.
وتأتي الزيارة بينما تواجه فرنسا اضطرابات داخلية مرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة، في وقت تسعى فيه باريس إلى تأمين إمدادات إضافية من الوقود وتعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع دول الخليج، على خلفية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران والاضطرابات التي طالت حركة الطاقة عبر مضيق هرمز.
وبالتزامن مع وصول ماكرون، طالبت 32 منظمة حقوقية دولية الرئيس الفرنسي بإثارة ملف الحريات خلال محادثاته مع ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، محذرة من أن توسيع التعاون السياسي والأمني بين باريس والمنامة، من دون مطالب واضحة بشأن حقوق الإنسان، قد يُفهم على أنه تساهل مع الانتهاكات المبلغ عنها في المملكة.
32 منظمة حقوقية تطالب ماكرون بالتحرك
بحسب رسالة مشتركة أرسلتها المنظمات إلى ماكرون في 16 أكتوبر، فإن البحرين تشهد واحدة من أشد حملات التضييق على المعارضة منذ احتجاجات عام 2011. وضمت الجهات الموقعة معهد البحرين للحقوق والديمقراطية، ومنظمة هيومن رايتس ووتش، والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان.
ودعت المنظمات الرئيس الفرنسي إلى طرح قضايا الاعتقالات الجماعية والتعذيب المزعوم والمحاكمات التي تقول إنها تفتقر إلى ضمانات العدالة، إلى جانب سحب الجنسية من مواطنين، بينهم أطفال. كما طالبت بالإفراج عن السجناء السياسيين، ووقف المحاكمات الجماعية، وإعادة الجنسية إلى من جُرّدوا منها، وفرض وقف فوري لتنفيذ أحكام الإعدام.
ووفق الرسالة، اعتقلت السلطات البحرينية أكثر من 700 شخص منذ اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. كما سحبت الجنسية من 69 مواطناً في أبريل، بينهم 33 طفلاً، أصغرهم رضيع لم يتجاوز عمره 19 يوماً عند سحب جنسيته.
وأثارت المنظمات كذلك مخاوف بشأن محاكمة جماعية تضم 69 متهماً، بينهم رجال دين شيعة، في ظل اتهامات بالتعذيب وانتزاع الاعترافات بالإكراه ومخالفات تمس الحق في محاكمة عادلة. وهذه المعطيات وردت في رسالة المنظمات الحقوقية، التي دعت إلى تحقيقات مستقلة وضمانات تحول دون الإفلات من المساءلة.
وقال سيد أحمد الوداعي، مدير المناصرة في معهد البحرين للحقوق والديمقراطية، إن فرنسا ينبغي ألا تضحي بحقوق الإنسان من أجل صفقات خليجية مربحة تحت ذريعة الأمن الإقليمي، محذراً من أن تتحول المصالح الاقتصادية إلى سبب للصمت عن الانتهاكات.
وأضاف، وفق ما نقلته صحيفة «ميدل إيست آي»، أن البحرين يجب ألا يُسمح لها بـ«شراء صمت فرنسا»، مطالباً بألا يكافأ المسؤولون عن الانتهاكات الجسيمة بعلاقات أو امتيازات إضافية.
وفاة أثناء الاحتجاز ومخاوف بشأن أحكام الإعدام
تضمنت الرسالة الحقوقية قضية سيد محمد الموسوي، البالغ 32 عاماً، الذي توفي أثناء الاحتجاز في مارس. وقالت المنظمات إن جثمانه أُعيد إلى عائلته وعليه علامات ظاهرة للتعذيب، مطالبة بالتحقيق في ظروف وفاته ومحاسبة المسؤولين عنها.
كما أشارت إلى وجود 19 شخصاً يواجهون عقوبة الإعدام، قالت إن 18 منهم استنفدوا سبل الطعن القانونية المتاحة. وطالبت بتخفيف جميع أحكام الإعدام وفرض وقف فوري لتنفيذها تمهيداً لإلغائها.
ولا تقتصر مطالب المنظمات على مراجعة القضايا الفردية؛ فهي تدعو أيضاً إلى ضمانات حقوقية لأي مساعدات أمنية فرنسية جديدة، وإجراء تقييم مستقل للأثر الحقوقي قبل إبرام اتفاقات إضافية مع المنامة.
وتحذر هذه الجهات من أن تجاهل الملفات المطروحة خلال زيارة ماكرون قد يُفسَّر بوصفه قبولاً باستمرار اعتقال المنتقدين وملاحقة رجال الدين وسحب جنسيات الأطفال، من دون أن ينعكس ذلك سلباً على العلاقات الفرنسية البحرينية.
عبد الهادي الخواجة ومحمد حبيب المقداد في صلب المطالب
من أبرز القضايا التي تريد المنظمات طرحها قضية الناشط الحقوقي البحريني الدنماركي عبد الهادي الخواجة، ورجل الدين والمعارض البحريني السويدي محمد حبيب المقداد، المحتجزين منذ أكثر من 15 عاماً، وفق الرسالة الحقوقية. وتطالب الجهات الموقعة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهما، إلى جانب شخصيات معارضة أخرى، من بينها حسن مشيمع والأكاديمي عبد الجليل السنكيس.
وتحظى قضية الخواجة باهتمام خاص من ابنته مريم الخواجة، الناشطة الحقوقية البحرينية، التي انتقدت زيارة الرئيس الفرنسي في وقت تشهد فيه فرنسا احتجاجات على تدهور الأوضاع المعيشية، بينما لا يزال والدها، الحامل للجنسية الدنماركية، خلف القضبان.
وتعود قضية الخواجة إلى أبريل 2011، عندما اقتحمت قوات أمن منزله واعتقلته، بحسب روايات حقوقية. وأفادت هذه الروايات بأنه تعرّض للضرب خلال الاعتقال، وأصيب في الوجه والفك بما استدعى تدخلاً جراحياً. وفي يونيو من العام نفسه، صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد بتهم قالت السلطات إنها تتعلق بتنظيم أنشطة إرهابية ومحاولة قلب نظام الحكم بالقوة.
وتقول المنظمات الحقوقية إن استمرار احتجازه، رغم الدعوات المتكررة للإفراج عنه، يضع فرنسا والاتحاد الأوروبي أمام اختبار يتعلق بمدى قدرتهما على تحويل مواقفهما المعلنة بشأن حقوق الإنسان إلى ضغوط عملية.
الوقود الخليجي في مواجهة أزمة الطاقة الفرنسية
تتجاوز حسابات زيارة ماكرون الملف الحقوقي، إذ تسعى باريس إلى تنويع مصادر الوقود وتأمين إمدادات إضافية في ظل ارتفاع الأسعار واضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز.
وبحسب الرئاسة الفرنسية، تعهدت الإمارات بتوفير نحو 100 ألف طن من الديزل شهرياً، مع تعهد البحرين بتوفير كمية مماثلة. وبإضافة الإمدادات المتفق عليها مع السعودية، تصل التعهدات إلى نحو 295 ألف طن شهرياً، أي ما يزيد قليلاً على عُشر استهلاك فرنسا.
وجاءت هذه التعهدات في أعقاب احتجاجات واسعة شهدتها فرنسا في 17 أكتوبر، شارك فيها نحو 550 ألف شخص وفق وزارة الداخلية الفرنسية، رفضاً لارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور بعض الخدمات العامة. وشهدت الاحتجاجات، التي انطلقت في مدن عدة، أعمال عنف وتخريب ونهب في بعض المناطق.
وعلّق ماكرون على المشاهد العنيفة بالتأكيد على رفضه أعمال التخريب والنهب، مع الإقرار بوجود مخاوف ومطالب اجتماعية مشروعة لدى المحتجين. ويزيد ارتفاع أسعار الوقود والطاقة من الضغوط على الحكومة الفرنسية، في وقت تواجه فيه البلاد توترات اجتماعية واستحقاقاً رئاسياً مرتقباً في عام 2027.
وفي هذا السياق، قال أنطوان مادلين، مدير المناصرة في الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، إن الأزمة الراهنة ينبغي أن تذكّر باريس بأن أمن الطاقة المستدام لا ينفصل عن احترام حقوق الإنسان والسلام. ودعا فرنسا إلى النظر إلى ما يتجاوز الإمدادات العاجلة، ودعم المجتمعات المنفتحة والديمقراطية التي يمكن أن تسهم في تحقيق استقرار طويل الأمد.
التعاون الدفاعي حاضر في المحادثات الخليجية
إلى جانب الطاقة، يبرز التعاون الدفاعي ضمن أهداف الجولة. ووفق تقرير لموقع «إنتليجنس أونلاين» المتخصص في الشؤون الاستخباراتية، فإن انسحاب القوات الفرنسية العاملة في العراق يتيح لباريس إعادة توجيه قدراتها نحو الخليج، مع بحث نشر قدرات إضافية للدفاع الجوي لدعم دول المنطقة في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وأشار الموقع إلى أن تعزيز هذا التعاون قد يكون جزءاً من أجندة ماكرون مع شركائه الخليجيين، في ظل الهجمات التي شهدتها المنطقة منذ اندلاع الحرب على إيران. كما أفاد بأن فرقاً فرنسية متخصصة في الدفاع الجوي والتدريب تقدم دعماً لدول خليجية، بينها الإمارات.
وتعكس هذه التحركات سعي باريس إلى الجمع بين مصالحها الأمنية والاقتصادية في المنطقة، خصوصاً في ظل المخاوف من استمرار الاضطرابات الإقليمية وتأثيرها في إمدادات الطاقة والملاحة البحرية.
اختبار للموقف الفرنسي من حقوق الإنسان
استُقبل ماكرون في البحرين بمراسم رسمية رافقها حضور ملكي وعسكري، في مشهد يعكس أهمية العلاقات بين البلدين. لكن الزيارة تجري في مناخ سياسي حساس، إذ يحاول الرئيس الفرنسي التعامل مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في بلاده، وتأمين احتياجاتها من الطاقة، والحفاظ على شراكاتها الدفاعية في الخليج.
وفي المقابل، ترى المنظمات الحقوقية أن العلاقات الاقتصادية والأمنية لا ينبغي أن تُستخدم مبرراً لتهميش ملفات الاعتقال وسحب الجنسية والتعذيب المزعوم وأحكام الإعدام. وقد دعت ماكرون إلى إثارة هذه القضايا علناً وخلال محادثاته الخاصة مع ملك البحرين، وربط أي تعاون أمني جديد بضمانات حقوقية قابلة للتقييم.
وبين حاجة باريس إلى الوقود الخليجي ومصالحها الدفاعية، وضغوط المنظمات الحقوقية المطالبة بإجراءات ملموسة، تتحول زيارة البحرين إلى اختبار لمدى قدرة فرنسا على التوفيق بين حسابات المصالح والتزاماتها المعلنة بشأن الحريات وحقوق الإنسان.
اقرأ المزيد
أعمال عنف واعتقالات واسعة في فرنسا.. ماكرون يعلن موقفه من مثيري الشغب
ماكرون يرفض استقالة وزير الداخلية الفرنسي بعد اضطرابات باريس ويطالبه بخطة أمنية جديدة
تقرير حقوقي: فرنسا وافقت على 35 صفقة عسكرية جديدة لإسرائيل رغم انتقادات ماكرون لحرب غزة
دمشق تستقبل ماكرون.. زيارة تاريخية تفتح باب الإعمار والاستثمارات الفرنسية

