وطن-على الرغم من امتلاك السعودية منظومة متطورة للدفاع الجوي، فإن الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة المنسوبة إلى الحوثيين أعادت طرح تساؤلات بشأن قدرة المملكة على حماية مدنها الكبرى ومنشآتها الحيوية من تهديدات تتطور باستمرار. وتسلط هذه الهجمات الضوء على التحديات التي تواجه حتى أكثر أنظمة الاعتراض تقدماً، عندما تضطر إلى التعامل مع هجمات متكررة وعلى جبهات واسعة.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية إن الضربات الأخيرة تثير تساؤلات حول فاعلية منظومة الدفاع الجوي السعودية، التي تضم أنظمة أمريكية متقدمة، من بينها «باتريوت» و«ثاد»، إلى جانب مقاتلات حديثة مثل «إف-15» و«يوروفايتر تايفون».
وبحسب التقرير، فإن التحدي لا يتعلق فقط بامتلاك أسلحة متطورة، بل بقدرة هذه المنظومات على اكتشاف التهديدات في الوقت المناسب، وتحديد أولويات الاعتراض، والحفاظ على مخزون كافٍ من الصواريخ الاعتراضية في مواجهة هجمات قد تجمع بين الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة.
ويطرح التقرير مجموعة من العوامل التي قد تساعد على تفسير الصعوبات التي تواجه الدفاعات السعودية، من اتساع مساحة البلاد وتعدد المنشآت المطلوب حمايتها، إلى كلفة الاعتراض واحتمال استنزاف الذخائر، فضلاً عن تطور تكتيكات الهجوم.
مساحة السعودية الواسعة تجعل حماية جميع المنشآت أكثر تعقيداً
ترى «ميدل إيست آي» أن الجغرافيا السعودية تمثل أحد أبرز التحديات أمام الدفاع الجوي. فالمملكة دولة واسعة المساحة، وتنتشر فيها منشآت حيوية تشمل المطارات والموانئ وحقول النفط والقواعد العسكرية، ما يجعل تأمين جميع المواقع بصورة مستمرة مهمة معقدة ومكلفة.
وقال نيكولاس هيراس، المدير التنفيذي المؤقت لمجلس سياسات الشرق الأوسط وكبير المديرين في معهد «نيو لاينز»، للصحيفة إن مساحة السعودية تجعلها معرضة على نحو خاص للهجمات القادمة من شمال اليمن.
وأوضح هيراس أن اتساع الأراضي الصحراوية يفرض تحديات على أنظمة الإنذار المبكر، سواء من حيث المسافات التي يتعين مراقبتها أو من حيث تكلفة تشغيل أجهزة الرصد وصيانتها في بيئة جغرافية واسعة. كما أشار إلى أن انتشار منشآت النفط والبنية التحتية الحيوية يمنح الحوثيين عدداً كبيراً من الأهداف المحتملة.
ولا تعني هذه الصعوبات أن الدفاع عن المملكة مستحيل، لكنها تعني أن توزيع أنظمة الرصد والاعتراض والموارد المتاحة يتطلب تحديد أولويات دقيقة، خصوصاً عندما تتعرض مواقع متعددة للتهديد في الوقت نفسه.
وبحسب هيراس، تحمل الهجمات على الرياض أيضاً رسالة سياسية وعسكرية، مفادها أن التصعيد ضد صنعاء قد يقابله استهداف مواقع داخل السعودية، في إطار محاولة فرض كلفة مباشرة على الرياض.
هل طوّر الحوثيون قدراتهم أم غيّروا أسلوب استخدامها؟
لا يرى الخبراء الذين تحدثوا إلى الصحيفة أن الهجمات الأخيرة تثبت بالضرورة امتلاك الحوثيين تكنولوجيا جديدة كلياً. لكنهم يشيرون إلى أن تكرار الضربات ضد أهداف حساسة قد يعكس استعداداً أكبر لاستخدام القدرات المتاحة بصورة أكثر جرأة وتنسيقاً.
وقال فيديريكو بورساري، خبير الدفاع في مركز تحليل السياسات الأوروبية، إن الحوثيين يمتلكون قدرات هجومية بعيدة المدى منذ سنوات، وسبق لهم استهداف الرياض عام 2017. وأضاف أن ترسانتهم تطورت منذ ذلك الحين لتشمل أنواعاً مختلفة من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، مع دعم إيراني وفق ما أورده التقرير.
وأوضح بورساري أنه لا يمكن الجزم بوجود تطور تكنولوجي محدد وراء الهجمات الأخيرة من دون أدلة فنية واضحة. لكنه اعتبر أن القدرة على تنفيذ ضربات متكررة ومنسقة ضد أهداف محمية تمثل تحدياً مهماً بحد ذاتها.
من جانبه، قال فريدي خوري، كبير محللي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والدفاع في شركة «راني» لاستخبارات المخاطر، إن المعلومات المتاحة لا تكفي لتحديد ما إذا كانت الهجمات تعكس قفزة تقنية لدى الحوثيين أم قراراً باستخدام القدرات الموجودة بصورة أكثر كثافة.
وأضاف أن أهمية التصعيد تكمن في إظهار قدرة الحوثيين على تهديد البنية التحتية الحيوية وفرض أعباء أمنية واقتصادية على السعودية، حتى من دون إثبات امتلاكهم أسلحة جديدة بالكامل.
سنوات من المواجهات قد تكون ساهمت في تطوير التكتيكات
يربط بعض المحللين، وفقاً لما نقلته «ميدل إيست آي»، بين تطور أداء الحوثيين وخبرتهم المتراكمة في استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد أهداف بعيدة المدى، بما في ذلك الهجمات التي استهدفت إسرائيل خلال مراحل التصعيد الإقليمي.
وقال محمد الباشا، من مؤسسة «باشا ريبورت» الاستشارية المتخصصة في المخاطر ومقرها ولاية فرجينيا الأمريكية، إن الهجمات المتكررة أتاحت للحوثيين فرصاً لتقييم النتائج وتعديل الأساليب وتحسين الأداء.
وأضاف أن الجماعة ربما استفادت أيضاً من الدروس المستخلصة من المواجهات التي خاضتها إيران ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، بما قد يساعد على تطوير تكتيكات تهدف إلى زيادة فرص تجاوز الدفاعات الجوية.
لكن هذه التفسيرات لا تثبت وحدها أن هجوماً معيناً نجح بسبب تقنية جديدة أو تكتيك محدد. فتحديد أسباب أي اختراق يتطلب معلومات عن مسار السلاح المستخدم، وطبيعة أجهزة الرصد، والظروف العملياتية، والقرارات المتخذة أثناء الهجوم.
وأشار الباشا إلى أن الحوثيين لا يحتاجون بالضرورة إلى اختراق شبكة الدفاع الجوي السعودية بأكملها حتى يحققوا أثراً ملموساً؛ إذ يمكن لهجوم واحد ناجح أن يتسبب في أضرار مادية أو تعطيل منشأة مهمة.
استنزاف الصواريخ الاعتراضية يرفع كلفة الدفاع
من بين التفسيرات التي يناقشها التقرير احتمال تعرض مخزون الصواريخ الاعتراضية السعودية لضغوط نتيجة الهجمات المتكررة والتصعيد الإقليمي الأوسع.
فالتعامل مع الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وصواريخ كروز قد يتطلب استخدام أنواع مختلفة من الذخائر الاعتراضية، بعضها مرتفع الكلفة ويصعب تعويضه بسرعة. وعندما تتكرر الهجمات، يصبح الحفاظ على مخزون كافٍ من الذخائر عاملاً أساسياً في استمرار القدرة الدفاعية.
وأشار بورساري إلى أن احتمال تراجع مخزون الصواريخ الاعتراضية يمثل تفسيراً معقولاً لبعض الصعوبات، لكنه حذر من اعتباره السبب الوحيد. وتحدث التقرير عن تقارير إعلامية سابقة أشارت إلى انخفاض مخزون السعودية من الصواريخ المخصصة للتعامل مع الصواريخ الباليستية، من دون أن يشكل ذلك وحده دليلاً حاسماً على حجم المخزون الفعلي أو وضعه الراهن.
وفي حال كانت الإمدادات محدودة، فقد يواجه القادة العسكريون خيارات صعبة بشأن التهديدات التي ينبغي اعتراضها أولاً، وعدد الصواريخ المخصصة لكل هدف، وكيفية توزيع الموارد بين المدن والمنشآت النفطية والمواقع العسكرية.
وتزداد هذه المعضلة تعقيداً عندما يستخدم المهاجمون أنواعاً مختلفة من الأسلحة في وقت واحد. فإطلاق طائرات مسيّرة منخفضة الكلفة بالتزامن مع صواريخ أكثر تطوراً قد يفرض على منظومة الدفاع التعامل مع تهديدات متفاوتة في السرعة والارتفاع ومدى الخطورة.
ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن استنزاف الصواريخ الاعتراضية هو ما أدى إلى أي اختراق محدد من دون معلومات موثوقة عن المخزون والذخائر المستخدمة ونتائج عمليات الاعتراض.
لماذا لا تضمن منظومتا باتريوت وثاد اعتراض جميع الهجمات؟
تُعد منظومتا «باتريوت» و«ثاد» من الأنظمة المتقدمة في الدفاع الجوي والصاروخي، لكن وجودهما لا يعني ضمان اعتراض كل تهديد. ففاعلية الدفاع لا تعتمد على نوع الصاروخ الاعتراضي وحده، بل على تكامل مجموعة من العناصر تشمل الرادارات وأجهزة الاستشعار وشبكات الاتصال والقيادة والسيطرة، إلى جانب التدريب والجاهزية وتوافر الذخائر.
وقال بورساري إن الهجمات تثير تساؤلات مشروعة بشأن قدرة الدفاعات السعودية على حماية المنشآت الحيوية، لكنه شدد على أن تقييم الأداء يتطلب النظر إلى المنظومة بأكملها، لا إلى نوع السلاح المستخدم فقط.
فقد يرتبط نجاح الهجوم أو فشل الاعتراض بمجموعة من العوامل المتداخلة، مثل اكتشاف التهديد في الوقت المناسب، أو تحديد مساره بدقة، أو قدرة النظام على التعامل مع أكثر من هدف، أو طبيعة السلاح المهاجم نفسه.
من جهته، رأى خوري أن الهجمات لا تثبت بالضرورة وجود خلل جوهري في الدفاعات السعودية، لكنها تكشف عن القيود التي تواجه الأنظمة المتقدمة عندما يُطلب منها حماية مساحة شاسعة ومواقع متعددة في ظل هجمات متكررة.
وأضاف أن وقوع إصابات أو أضرار لا يكفي وحده للاستنتاج بأن المملكة تعاني نقصاً حاداً في الصواريخ الاعتراضية؛ إذ يتطلب هذا الحكم بيانات أكثر تفصيلاً عن ظروف الهجمات ونتائج عمليات الدفاع.
اكتشاف التهديدات قد يكون أصعب من اعتراضها
لا يبدأ الدفاع الجوي عند إطلاق الصاروخ الاعتراضي، بل قبل ذلك، من اكتشاف التهديد وتحديد موقعه ومساره وتقدير مستوى خطورته. وتزداد صعوبة هذه المهمة مع الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز التي يمكنها التحليق على ارتفاعات منخفضة.
وبحسب التقرير، قد تواجه الرادارات التقليدية صعوبات في رصد بعض هذه الأهداف، ما يجعل الحاجة أكبر إلى شبكة مراقبة متكاملة تعمل بصورة مستمرة.
وقال بورساري إن تحقيق إنذار مبكر فعال يتطلب الاستعانة بوسائل رصد متعددة، بما في ذلك الطائرات، لضمان تغطية المجال الجوي. لكنه أشار إلى أن تشغيل هذه الوسائل لفترات طويلة يفرض تكاليف مرتفعة، ويزيد الضغط على المعدات والأفراد.
ومن بين الخيارات المطروحة لمواجهة الطائرات المسيّرة استخدام أنظمة قصيرة المدى وأسلحة مضادة للمسيّرات أقل كلفة من الصواريخ الاعتراضية المخصصة للتهديدات الباليستية. إلا أن هذه الحلول تحتاج إلى بنية داعمة وتكامل مع أنظمة الدفاع الأخرى، حتى تتمكن من العمل بفاعلية.
ويرى بورساري أن الطائرات المسيّرة قد تظل تمثل تحدياً للسعودية في المستقبل المنظور، خصوصاً إذا واصل الحوثيون تعديل تكتيكاتهم وتطوير أساليب الهجوم.
تكيف متواصل بين المهاجمين وشبكات الدفاع
بحسب «ميدل إيست آي»، تعكس الهجمات الحوثية نمطاً أوسع من محاولات التكيف مع شبكات الدفاع الجوي متعددة الطبقات في المنطقة. فالمواجهة لا تقتصر على امتلاك سلاح متطور، بل تشمل أيضاً تطوير أساليب استخدامه واختبار قدرة الأنظمة الدفاعية على التعامل مع التهديدات المتغيرة.
وقال خوري إن إيران وشركاءها يبدون وكأنهم يستخلصون دروساً من المواجهات مع أنظمة الدفاع الجوي، من خلال تعديل التكتيكات ومسارات الطيران سعياً إلى تحسين فرص الاختراق ورفع الكلفة الاقتصادية والعسكرية لعمليات الاعتراض.
لكن تحديد مدى تأثير هذه الخبرات في الهجمات على السعودية يتطلب أدلة فنية مستقلة، ولا يمكن استخلاصه من تكرار الضربات وحده.
وتشير هذه التطورات إلى أن الدفاع الجوي أصبح يعتمد بصورة متزايدة على القدرة على التكيف المستمر، إلى جانب امتلاك الأسلحة المتقدمة. فالرصد المبكر، والتكامل بين الأنظمة، وكفاية الذخائر، والقدرة على التعامل مع أنواع مختلفة من التهديدات، عناصر لا تقل أهمية عن مواصفات الصواريخ الاعتراضية نفسها.
معادلة دفاعية تتجاوز امتلاك الأسلحة المتطورة
تكشف التحديات التي يناقشها التقرير عن معضلة تواجه السعودية ودولاً أخرى في المنطقة: كيف يمكن حماية المدن والمنشآت الحيوية من هجمات متكررة، في وقت تتزايد فيه أهمية الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى، وتظل فيه الموارد الدفاعية محدودة ومكلفة؟
فالمملكة مطالبة بحماية مساحة واسعة تضم منشآت مدنية وعسكرية واقتصادية، بينما قد يفرض كل هجوم جديد أعباء إضافية على الرصد والاعتراض والإمدادات. ولا يعني ذلك أن منظومات الدفاع المتقدمة فقدت فاعليتها، بل إن أداءها يتوقف على ظروف الهجوم ومدى تكامل مكونات الشبكة وقدرتها على الاستمرار.
وفي المحصلة، لا يمكن تفسير الصعوبات التي تواجه الدفاعات السعودية بسبب واحد مؤكد استناداً إلى المعلومات الواردة في التقرير. فالجغرافيا الواسعة، وتعدد الأهداف، وكلفة الاعتراض، واحتمال الضغط على مخزونات الذخائر، وصعوبة اكتشاف بعض التهديدات، كلها عوامل يطرحها الخبراء بوصفها تفسيرات محتملة تحتاج إلى تقييم فني مستقل.
والدرس الأبرز هو أن امتلاك أنظمة مثل «باتريوت» و«ثاد» لا يضمن وحده حماية كاملة من كل هجوم. فالدفاع الفعال يتطلب شبكة متكاملة قادرة على الرصد المبكر وتحديد الأولويات والتكيف مع التهديدات المتغيرة، فضلاً عن توفير الذخائر والموارد اللازمة لمواجهة الهجمات المتكررة.
اقرأ المزيد
انفجارات في السعودية بعد قصف منشآت الطاقة في صنعاء.. الحوثيون يوسّعون دائرة التهديد
الحوثيون يتوعدون بمواصلة استهداف منشآت أرامكو السعودية بالصواريخ والطائرات المسيّرة
الحوثيون يهددون باستهداف أرامكو بعد غارات للحلفاء على منشآت نفطية في صنعاء..

