وطن-رفض ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مقترحاً إسرائيلياً للمشاركة في العمليات العسكرية ضد جماعة الحوثيين في اليمن، وفق ما أوردته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، في تطور يعكس حساسية العلاقات بين الرياض وتل أبيب، رغم تصاعد الهجمات التي تستهدف السعودية واتساع المواجهة الإقليمية.
وبحسب الصحيفة، حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تمرير العرض عبر وساطة أميركية، على أمل أن يفتح التعاون العسكري المحتمل باباً لتحسين العلاقات مع السعودية وإحياء مسار التطبيع الذي تعثر منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ونقلت «هآرتس» عن مصدر دبلوماسي لم تسمّه أن محمد بن سلمان لم يُبدِ اهتماماً بالمقترح، خشية أن يؤدي التعاون العسكري العلني مع إسرائيل إلى ردود فعل سلبية داخل السعودية، في ظل استمرار تداعيات الحرب على الفلسطينيين وحساسية الرأي العام تجاه أي تقارب مع تل أبيب. ولم يصدر تعليق رسمي سعودي على هذه المعلومات حتى الآن.
إسرائيل ترى في مواجهة الحوثيين فرصة لإحياء التطبيع
تأتي المبادرة الإسرائيلية، وفق التقرير، في وقت تسعى فيه تل أبيب إلى مواجهة الحوثيين، الذين كثفوا هجماتهم على أهداف سعودية خلال التصعيد الأخير، وإلى استثمار التطورات العسكرية لإعادة فتح قنوات التواصل مع الرياض. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد دعما سابقاً مساعي توسيع اتفاقات أبراهام لتشمل السعودية، بعدما وقعت الإمارات والبحرين اتفاقات تطبيع مع إسرائيل عام 2020، فيما انضم المغرب إلى المسار في العام نفسه.
لكن السعودية لم تنضم إلى الاتفاقات، وربطت موقفها مراراً بتسوية القضية الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية. وأدى اندلاع الحرب في غزة إلى زيادة تعقيد مسار التقارب، وجعل أي تعاون معلن مع إسرائيل أكثر حساسية من الناحية السياسية. وبحسب ما نقلته «هآرتس»، فإن إسرائيل رأت في تجدد المواجهة مع الحوثيين فرصة لتعزيز التنسيق الأمني والعسكري مع الرياض. غير أن رفض المقترح، وفق التقرير، يعكس استمرار العقبات التي تحول دون تحويل المصالح الأمنية المشتركة إلى تعاون رسمي.
هجمات دامية على السعودية تزيد الضغوط العسكرية
جاءت هذه التطورات وسط تصعيد خطير في الهجمات التي تستهدف السعودية. فقد أسفر هجوم صاروخي على مطار الملك خالد الدولي في الرياض، يوم السبت 10 أكتوبر/تشرين الأول، عن مقتل 12 شخصاً وإصابة أكثر من 300، وفق الحصيلة الأولية التي أعلنتها السلطات السعودية. وأفادت تقارير لاحقة بارتفاع عدد القتلى، بعد وفاة مصابين في الهجوم، فيما أدت الضربات المتكررة إلى تعطيل حركة الطيران وتعليق الرحلات من المطار، وسط مخاوف من اتساع نطاق استهداف البنية التحتية المدنية.
وأدان نتنياهو الهجوم عبر منصة «إكس»، معرباً عن تعازيه لأسر الضحايا ومتمنياً الشفاء للمصابين. لكن هذا الموقف لم يبدد، وفق التقرير الإسرائيلي، تحفظ الرياض على الاستعانة بإسرائيل في مواجهة الحوثيين. كما تضع الهجمات السعودية أمام معادلة معقدة: الحاجة إلى تعزيز الردع وحماية المنشآت الحيوية من جهة، وتجنب خطوات قد تزيد التوتر الداخلي أو تفرض أثماناً سياسية وإقليمية من جهة أخرى.
إيران تعرض الوساطة وتدعو إلى الحل السياسي
في موازاة الحديث عن العرض الإسرائيلي، تحركت طهران دبلوماسياً باتجاه الرياض. فقد أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالاً هاتفياً بنظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، يوم الأحد، تناول التصعيد الإقليمي والجهود الرامية إلى احتوائه. وبحسب ما أعلنته وزارة الخارجية السعودية، بحث الوزيران التطورات الأخيرة والمساعي المبذولة لمعالجة التصعيد. وذكرت وسائل إعلام إيرانية أن عراقجي عرض استعداد بلاده للمساعدة في تسهيل الحوار بين السعودية واليمن ودعم التوصل إلى تسوية سياسية.
ونقلت وسائل الإعلام الإيرانية عن عراقجي تحذيره من أن الإصرار على النهج العسكري وتجاهل الحل السياسي من شأنه تعقيد الأزمة، مؤكداً أن أزمات المنطقة لا يمكن حلها بالقوة وحدها. ويأتي العرض الإيراني في وقت تتداخل فيه المواجهة مع الحوثيين مع التوتر الأوسع بين طهران وخصومها الإقليميين والدوليين. ومع ذلك، فإن الدعوة إلى الوساطة لا تعني أن فرص التسوية باتت مضمونة، خصوصاً مع استمرار الهجمات والعمليات العسكرية المتبادلة.
إسقاط طائرة استطلاع سعودية في صعدة
ميدانياً، أعلن الحوثيون إسقاط طائرة استطلاع مسلحة من طراز «وينغ لونغ 2» في محافظة صعدة شمالي اليمن، وفق بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة يحيى سريع. وقال سريع إن الطائرة كانت تنفذ ما وصفه بـ«مهام عدائية» قبل استهدافها، في إعلان يأتي ضمن تصاعد المواجهة بين الحوثيين والقوات المدعومة من السعودية.
ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيل إعلان إسقاط الطائرة أو ظروف العملية. لكن التطور، إذا تأكدت تفاصيله، يشير إلى استمرار المواجهة الميدانية بالتزامن مع تحركات دبلوماسية تسعى إلى احتواء التصعيد.
الرياض أمام خيارات صعبة بين الأمن والتطبيع
تكشف التطورات المتزامنة عن تعقيد الحسابات السعودية. فالهجمات الحوثية ترفع الضغوط المطالبة برد عسكري أقوى، بينما يظل التعاون المباشر مع إسرائيل خياراً محفوفاً بحساسيات سياسية مرتبطة بالحرب على غزة والموقف السعودي المعلن من القضية الفلسطينية. وفي المقابل، تحاول إيران تقديم نفسها طرفاً قادراً على تسهيل الحوار، رغم ارتباط الحوثيين بها سياسياً وعسكرياً، وهو ما يثير تساؤلات بشأن فرص نجاح أي وساطة في ظل استمرار الصراع.
وحتى الآن، يستند خبر رفض محمد بن سلمان العرض الإسرائيلي إلى تقرير «هآرتس» المنقول عن مصادر لم تسمّها، ولم يصدر تأكيد رسمي سعودي بشأن تفاصيله. لكن القضية، إن صحت تفاصيلها، تبرز أن تصاعد التهديدات الأمنية لا يعني بالضرورة أن الرياض مستعدة لتجاوز تحفظاتها السياسية تجاه إسرائيل. وبين خيار المواجهة العسكرية ومساعي الوساطة، يبقى مستقبل التصعيد في اليمن مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف على وقف الهجمات وفتح مسار سياسي يحد من خطر اتساع الصراع في المنطقة.
قد يعجبك
إيران تعرض الوساطة بين السعودية والحوثيين وتحذر من تعقيد الأزمة عسكرياً
بين الوعود وتحديات التطبيع: كيف تختبر هجمات الرياض التحالف الدفاعي بين ترامب ومحمد بن سلمان؟
«أذرع إيران أم طموحات سلطة؟».. تعرف على الحوثيين وأهدافهم التي ترعب الملاحة الدولية

