وطن-لم تعد المواجهة المتصاعدة في اليمن مجرد صراع على الحدود السعودية، بعدما امتدت تداعياتها إلى المطارات والمنشآت الحيوية، وبدأت تطرح أسئلة صعبة بشأن أمن المملكة وقدرتها على مواصلة مشروعها الاقتصادي الطموح. فمع تجدد الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، تجد الرياض نفسها أمام معادلة معقدة: كيف تحافظ على صورة السعودية بوصفها وجهة عالمية للاستثمار والسياحة والأعمال، بينما تتسع دائرة المخاطر الأمنية في محيطها؟
بالنسبة إلى ولي العهد ورئيس الوزراء السعودي محمد بن سلمان، لا يتعلق الأمر بالقدرة على احتواء هجوم عسكري فحسب، بل أيضاً بحماية مشروع التحول الاقتصادي الذي تتصدره «رؤية السعودية 2030»، بما تتضمنه من مشروعات ضخمة، وفي مقدمتها نيوم و«ذا لاين»، إلى جانب السياحة والترفيه واستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية.
الصواريخ تصل إلى قلب المعادلة الاقتصادية
شهدت السعودية خلال أكتوبر/تشرين الأول تصعيداً جديداً في الهجمات المنسوبة إلى الحوثيين، شمل مطارات ومنشآت حيوية. وأدى هجوم استهدف مطار الملك خالد الدولي في الرياض، وفق تقارير إعلامية، إلى سقوط قتلى وإصابة مئات الأشخاص، كما تسبب في اضطراب حركة الطيران وإغلاق المطار مؤقتاً. ولم يقتصر القلق على المطارات، إذ تحدثت تقارير عن استهداف منشآت نفطية وتهديدات تطال البنية التحتية الحيوية، في تطور يربط المواجهة العسكرية مباشرة بأمن الاقتصاد السعودي ومكانة المملكة الإقليمية.
وتكمن خطورة هذه الهجمات في أنها لا تفرض كلفة أمنية وعسكرية فحسب، بل قد تؤثر أيضاً في حركة السفر، وتنظيم الفعاليات الكبرى، وثقة الشركات والمستثمرين في استقرار البيئة الاقتصادية. فالسعودية تسعى إلى ترسيخ صورتها مركزاً عالمياً للأعمال والسياحة والرياضة، لكن تكرار الهجمات على منشآتها المدنية والحيوية يجعل هذه الطموحات أكثر ارتباطاً بقدرتها على حماية البنية التحتية واستمرار النشاط الاقتصادي في ظروف إقليمية مضطربة.
رؤية 2030 أمام اختبار الثقة
تقوم «رؤية السعودية 2030» على تقليل الاعتماد على النفط، وتوسيع قطاعات السياحة والترفيه والتكنولوجيا والخدمات، وجذب الاستثمارات الأجنبية، إلى جانب تنفيذ مشروعات عمرانية ضخمة تعيد تشكيل الاقتصاد السعودي. وتبرز نيوم ومشروع «ذا لاين» ضمن أكثر المشروعات طموحاً في هذه الخطة، إلى جانب مشروعات السياحة على ساحل البحر الأحمر ومبادرات تطوير المدن والوجهات الترفيهية.
لكن هذه المشروعات تحتاج إلى بيئة مستقرة، وشبكات نقل موثوقة، وثقة طويلة الأمد لدى المستثمرين والشركات العالمية. ومن هنا، فإن تصاعد المخاطر الأمنية يثير تساؤلات بشأن الكلفة الإضافية للحماية والتأمين، واحتمالات تأجيل بعض الأنشطة، ومدى استعداد الشركات لتحمل المخاطر المرتبطة بالعمل في المنطقة.
ومع ذلك، لا يعني التصعيد العسكري أن رؤية 2030 انهارت أو أن مشروعاتها باتت على وشك التوقف. فقياس الأثر الاقتصادي الفعلي يتطلب بيانات بشأن الاستثمارات والتمويل والجداول الزمنية للمشروعات وحركة السياحة والطيران، وليس الاكتفاء بربط الهجمات العسكرية بمصير الخطة بأكملها.
حرب لم تحسمها القوة العسكرية
تواجه السعودية معضلة تعود جذورها إلى سنوات الحرب اليمنية: فالتفوق العسكري لا يضمن بالضرورة إنهاء التهديدات أو الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة. وبعد فترة من الهدوء النسبي، عاد القتال ليتصاعد خلال عام 2026، مع تجدد العمليات العسكرية وتبادل الضربات بين الحوثيين والقوات المدعومة من الرياض. وتزيد الانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين من صعوبة توحيد الجهود، فيما يظل مستقبل التسوية السياسية مرتبطاً بتوازنات داخلية وإقليمية معقدة.
وفي الثاني من أكتوبر/تشرين الأول، أفادت وكالة رويترز بأن السعودية تدرس خيارات لشن عملية عسكرية ضد الحوثيين، تشمل التحرك على ساحل البحر الأحمر أو فتح جبهات متعددة، بمشاركة قوات يمنية مدعومة من الرياض وإسناد جوي سعودي. ويكشف هذا التوجه أن المملكة تسعى إلى تغيير ميزان القوى على الأرض، لكن توسيع العمليات يحمل بدوره مخاطر التصعيد وتوسيع نطاق الهجمات المضادة، خصوصاً إذا استمرت قدرة الحوثيين على استهداف المطارات والمنشآت الحيوية.
خلافات إقليمية وحسابات أميركية معقدة
لا تتحرك الرياض في هذه الأزمة بمعزل عن التوازنات الإقليمية. فالعلاقة مع الإمارات، وتباين المصالح بين القوى اليمنية، والتوتر مع إيران، كلها عوامل تؤثر في قدرة السعودية على بناء جبهة متماسكة لمواجهة الحوثيين.
كما تظل الولايات المتحدة عاملاً حاسماً في الحسابات السعودية، سواء من خلال التعاون الاستخباراتي والدعم العسكري أو عبر الموقف السياسي من توسيع الحرب. غير أن الاعتماد على الدعم الأميركي لا يلغي حاجة الرياض إلى تقدير المخاطر الناجمة عن أي تصعيد قد يتجاوز حدود اليمن.
وتضع هذه المعطيات القيادة السعودية أمام خيارات صعبة: مواصلة الضغط العسكري أم السعي إلى ترتيبات سياسية تحد من الهجمات وتحمي المنشآت الحيوية؟ وكيف يمكن تحقيق الأمن من دون الانجرار إلى حرب طويلة تستنزف الموارد وتزيد المخاطر على الاقتصاد؟
هل تستطيع الرياض حماية طموحاتها؟
لا تتوقف معركة السعودية في اليمن عند خطوط الجبهة أو نتائج الضربات الجوية، بل تمتد إلى قدرتها على حماية مصالحها الاقتصادية ومكانتها الدولية. فكل هجوم يطال مطاراً أو منشأة حيوية يذكّر بأن الاستقرار الأمني شرط أساسي لإنجاح مشروعات التحول الاقتصادي، لكنه لا يكفي وحده للحكم على مستقبلها.
ويظل التحدي الأكبر أمام محمد بن سلمان هو منع تحول التصعيد العسكري إلى أزمة طويلة الأمد تفرض كلفة متزايدة على الاقتصاد، وتضعف ثقة المستثمرين، وتزاحم الأولويات التنموية بالإنفاق الأمني. وفي المقابل، فإن احتواء التهديدات لا يتحقق بالقوة وحدها، ما دامت أسباب الصراع اليمني قائمة، والانقسامات السياسية مستمرة، والتسوية الشاملة بعيدة المنال.
قد يعجبك
تقرير: السعودية تجمّد مشروع استاد نيوم بقيمة 2.5 مليار دولار ضمن خطط كأس العالم 2034
تقرير: واشنطن توافق على تخصيب اليورانيوم في السعودية دون ضمانات رقابية صارمة

