وطن-تتزايد المخاوف من اندلاع مواجهة عسكرية جديدة بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل تصاعد التوتر على خلفية التطورات في إقليم تيغراي، وتبادل الاتهامات بشأن التحركات العسكرية، إلى جانب الخلافات المرتبطة بمنفذ إثيوبيا إلى البحر الأحمر. ويأتي ذلك في منطقة تعيش أصلاً على وقع أزمات متشابكة، من الحرب في السودان إلى التنافس على النفوذ والموانئ والتحالفات الإقليمية.
ورغم أن اندلاع حرب شاملة بين البلدين لم يُحسم، فإن التقارير عن تحركات القوات والتصعيد السياسي تثير مخاوف من تحول المواجهة المرتبطة بتيغراي إلى أزمة أوسع قد تمتد تداعياتها إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
اتهامات بتحركات عسكرية في تيغراي
تتركز إحدى أبرز بؤر التوتر في إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا، حيث لا تزال تداعيات الحرب التي اندلعت عام 2020 تلقي بظلالها على المشهد الأمني والسياسي.
وتفيد تقارير إعلامية بأن السلطات الإثيوبية اتهمت إريتريا بإرسال آلاف الجنود إلى الإقليم، فيما تحدثت تقارير أخرى عن ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت قوات إريترية. غير أن هذه المعطيات تحتاج إلى التحقق المستقل، ولا تعني وحدها أن البلدين دخلا حرباً معلنة.
ويعكس هذا التصعيد هشاشة التفاهمات التي أنهت الحرب في تيغراي عام 2022، إذ لا تزال الخلافات بشأن مستقبل الإقليم وترتيبات الأمن والنفوذ قائمة، في ظل انعدام الثقة بين الأطراف المعنية.
من حرب الحدود إلى سلام هش
تعود جذور العداء بين إثيوبيا وإريتريا إلى عقود من الصراع، رغم أن إريتريا نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993. وبين عامي 1998 و2000، خاض البلدان حرباً حدودية دامية خلّفت خسائر بشرية كبيرة، قبل أن تتجدد محاولات التقارب بعد سنوات طويلة من القطيعة.
وفي عام 2018، شهدت العلاقات انفراجاً مهماً مع توقيع اتفاق سلام بين الجانبين، لكن هذا التقارب لم ينهِ جميع أسباب الخلاف. فقد أعادت حرب تيغراي، التي بدأت عام 2020 وانتهت باتفاق في عام 2022، رسم المشهد الأمني وفتحت الباب أمام تناقضات جديدة بشأن الوجود العسكري والنفوذ في شمال إثيوبيا.
وتخشى أطراف إقليمية أن يؤدي انهيار التفاهمات الهشة إلى إعادة البلدين إلى مواجهة يصعب احتواء تداعياتها.
منفذ البحر الأحمر.. عقدة الخلاف الاستراتيجي
لا يقتصر التوتر على إقليم تيغراي، بل يرتبط أيضاً بمساعي إثيوبيا، الدولة الحبيسة منذ استقلال إريتريا، إلى تأمين منفذ بحري يخدم مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
ويمنح هذا الملف ميناء عصب الإريتري أهمية خاصة في الحسابات الإقليمية، بالنظر إلى موقعه على البحر الأحمر وقربه من الأراضي الإثيوبية. وتثير الطموحات الإثيوبية المتعلقة بالوصول إلى البحر مخاوف من أن يتحول التنافس على الموانئ والممرات البحرية إلى عامل إضافي لتأجيج الصراع.
وفي منطقة تمر عبرها طرق تجارية وبحرية حيوية، قد لا تبقى أي مواجهة بين البلدين محصورة في حدودهما، خصوصاً إذا تداخلت مع حسابات القوى الإقليمية والدولية.
أزمات داخلية تضغط على الحكومة الإثيوبية
تواجه الحكومة الإثيوبية، بقيادة آبي أحمد، تحديات أمنية داخلية متعددة، في ظل استمرار التوترات في مناطق مختلفة من البلاد، وتداخل النزاعات ذات الخلفيات السياسية والإثنية.
ولا تزال تداعيات حرب تيغراي حاضرة، فيما تشهد مناطق أخرى اضطرابات ومواجهات مع جماعات مسلحة، من بينها جماعات مرتبطة بحركة فانو في أمهرة وجيش تحرير أورومو، وفق ما تتداوله تقارير عن الوضع الأمني الإثيوبي.
وتزيد هذه الأزمات من تعقيد حسابات أديس أبابا، إذ إن أي مواجهة خارجية واسعة قد تفرض عليها توزيع مواردها العسكرية والأمنية على أكثر من جبهة، في وقت تواجه فيه تحديات داخلية لم تُحسم بعد.
كما أن طبيعة النظام الفيدرالي الإثيوبي، القائم على الأقاليم ذات الهويات القومية، تجعل إدارة الخلافات الداخلية عاملاً مؤثراً في استقرار البلاد وقدرتها على احتواء التصعيد.
تحالفات إقليمية تزيد المشهد تعقيداً
تتجاوز تداعيات التوتر الإثيوبي الإريتري حدود البلدين، في ظل تشابك علاقاتهما مع أطراف إقليمية لها مصالح متعارضة في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
وتتداخل في المشهد ملفات السودان والصومال وسد النهضة الإثيوبي، إلى جانب التنافس على النفوذ والممرات البحرية. كما تحظى علاقات إثيوبيا مع بعض القوى الإقليمية والدولية باهتمام متزايد، في وقت تربط فيه إريتريا علاقات مع أطراف أخرى تسعى إلى تعزيز حضورها في المنطقة.
ويجعل هذا التشابك من الصعب النظر إلى أي مواجهة محتملة باعتبارها نزاعاً ثنائياً فقط، لكنه لا يعني بالضرورة أن الدول المذكورة ستشارك عسكرياً في حرب إذا اندلعت.
وفي السودان، تزيد الحرب المستمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع من هشاشة البيئة الأمنية الإقليمية، وسط اتهامات وتقارير متباينة بشأن علاقات أطراف خارجية بالقوى المتحاربة. وتحتاج هذه الاتهامات إلى التعامل معها بحذر، وعدم عرضها بوصفها حقائق محسومة من دون أدلة مستقلة.
سد النهضة والصومال والسودان.. ملفات متداخلة
يأتي التوتر بين إثيوبيا وإريتريا في سياق خلافات إقليمية أخرى، أبرزها النزاع بشأن سد النهضة الإثيوبي، والتنافس المرتبط بمستقبل الصومال وأرض الصومال، فضلاً عن تداعيات الحرب السودانية.
وتخشى دول في المنطقة من أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى إعادة ترتيب التحالفات الأمنية والسياسية، أو إلى استخدام النزاعات القائمة للضغط على الخصوم. كما أن تداخل المصالح حول البحر الأحمر يجعل أي تحرك عسكري عرضة لتفسيرات إقليمية تتجاوز أهدافه المباشرة.
وتتحدث تقارير عن اتصالات واجتماعات بين مسؤولين من دول في المنطقة لبحث المخاوف الأمنية المشتركة، لكن تقييم طبيعة هذه الاتصالات وأهدافها يتطلب التمييز بين التنسيق الدبلوماسي المعتاد وأي اتفاق عسكري فعلي، إذ لا يكفي عقد اجتماع لإثبات وجود خطة للتدخل في حرب محتملة.
هل تقترب المنطقة من حرب أوسع؟
تتزايد المخاوف من أن يؤدي انهيار التفاهمات في تيغراي إلى مواجهة مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا، خصوصاً إذا استمرت الاتهامات بالتدخل العسكري والتحركات الميدانية. لكن الانتقال من التصعيد إلى حرب شاملة يظل احتمالاً لا يمكن الجزم بوقوعه.
وتتوقف مسارات الأزمة على طبيعة التحركات العسكرية الفعلية، ومواقف القيادتين في أديس أبابا وأسمرة، ومدى قدرة الوسطاء الإقليميين والدوليين على احتواء التوتر. كما سيكون لأي تصعيد واسع ثمن إنساني واقتصادي كبير، في منطقة تعاني بالفعل من النزوح وعدم الاستقرار وأزمات متداخلة.
وفي المحصلة، لا تمثل الأزمة مجرد خلاف حدودي قديم، بل اختباراً لتوازنات القرن الإفريقي بأكمله. فبين جراح حرب تيغراي، والطموحات الإثيوبية للوصول إلى البحر، والتنافس الإقليمي على النفوذ، يظل السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الأطراف ستتمكن من احتواء التصعيد، أم أن التوتر سيفتح الباب أمام مواجهة جديدة تمتد آثارها إلى البحر الأحمر.
اقرأ المزيد
توغل إريتريا في تيغراي يرفع خطر الحرب مع إثيوبيا.. هل يتحول البحر الأحمر إلى شرارة صراع إقليمي؟
إثيوبيا تتهم مصر والسودان بدعم التمرد وسط تصعيد تيغراي
محور القوة الجديد: كيف يطوق الحلف “المصري-الصومالي-الإريتري” أطماع إثيوبيا البحرية؟

