وطن-أثار إعلان وزارة الدفاع الأمريكية عزمها بث تنفيذ حكم الإعدام بحق نضال مالك حسن، الطبيب النفسي السابق في الجيش الأمريكي والمدان في هجوم قاعدة فورت هود عام 2009، موجة من الجدل داخل الولايات المتحدة، بعدما تقرر تنفيذ الحكم رمياً بالرصاص في 3 ديسمبر/كانون الأول المقبل.
وتكتسب الخطوة حساسية استثنائية لأنها تجمع بين عودة تنفيذ أحكام الإعدام في القضاء العسكري بعد انقطاع دام أكثر من ستة عقود، والتوجه إلى نقل عملية التنفيذ مباشرة إلى الجمهور، في خطوة أثارت اعتراضات حقوقية وسياسية وتساؤلات بشأن حدود تحويل العقوبة إلى حدث علني.
وبحسب تقارير إعلامية أمريكية، أعلن وزير الحرب بيت هيغسيث أن التنفيذ سيكون علنياً، قبل أن يؤكد مسؤول في البنتاغون أن العملية ستُبث مباشرة، من دون الكشف عن جميع التفاصيل المتعلقة بآلية البث أو المنصات التي قد تنقلها.
موعد التنفيذ في 3 ديسمبر.. وقرار رئاسي بالموافقة
حددت وزارة الجيش الأمريكي يوم 3 ديسمبر/كانون الأول 2026 موعداً لتنفيذ حكم الإعدام بحق حسن في قاعدة فورت هود بولاية تكساس، وهي القاعدة نفسها التي شهدت الهجوم عام 2009.
ووفق إعلان الجيش الأمريكي، وافق الرئيس دونالد ترامب في 2 أكتوبر/تشرين الأول على تنفيذ حكم الإعدام، بناءً على توصيات المسؤولين العسكريين، قبل أن يُحدد موعد التنفيذ رمياً بالرصاص.
وكان حسن قد أُدين عام 2013 بقتل 13 شخصاً والشروع في قتل 32 آخرين خلال الهجوم المسلح الذي نفذه داخل القاعدة العسكرية في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2009. وأصدرت هيئة المحلفين العسكرية حكم الإعدام بحقه بعد إدانته بالتهم الموجهة إليه.
ومع ذلك، فإن تحديد الموعد والإعلان عن طريقة التنفيذ لا يعنيان أن العملية نُفذت بالفعل؛ إذ لا يزال التنفيذ مقرراً للمستقبل، وقد تؤثر أي إجراءات قضائية متاحة في موعده إذا قُدمت طلبات قانونية جديدة.
سابقة عسكرية بعد أكثر من 60 عاماً
تعود آخر عملية إعدام نفذها الجيش الأمريكي إلى 13 أبريل/نيسان 1961، حين أُعدم الجندي جون بينيت شنقاً في فورت ليفنوورث بولاية كانساس، بعد إدانته بالاغتصاب ومحاولة القتل.
ومنذ ذلك التاريخ، لم ينفذ الجيش الأمريكي أي حكم إعدام بحق أحد أفراده، ما يجعل قضية حسن استثنائية في تاريخ القضاء العسكري الأمريكي الحديث.
أما الإعدام رمياً بالرصاص، فيعيد إلى الواجهة واقعة الجندي إيدي سلوفيك، الذي أُعدم بهذه الطريقة عام 1945 خلال الحرب العالمية الثانية بعد إدانته بالفرار من الخدمة العسكرية. وتشير تقارير أمريكية إلى أن تنفيذ الحكم بحق حسن سيشكل أول إعدام عسكري أمريكي رمياً بالرصاص منذ تلك الفترة.
ولا تقتصر أهمية القضية على طريقة تنفيذ الحكم، بل تمتد إلى قرار بثه مباشرة، وهو ما يثير أسئلة إضافية بشأن طبيعة المشهد الذي ستعرضه السلطات، وحدود إتاحته للجمهور، والمسؤولية القانونية والإعلامية المترتبة على نشره.
هيغسيث: الجمهور يجب أن يشاهد التنفيذ
في مقابلة مع قناة «ريال أمريكا فويس»، قال هيغسيث إن حسن سيواجه فرقة إعدام من الجنود، مؤكداً رغبته في أن تكون العملية علنية وأن يتمكن الناس من مشاهدتها.
ونقلت وسائل إعلام أمريكية عن مسؤول في البنتاغون تأكيده أن عملية الإعدام ستُبث مباشرة، لكن تفاصيل النقل، بما فيها الجهة التي ستتولى البث والمنصات التي قد تستضيفه، لم تُحسم علناً بالكامل حتى الآن.
وأعاد الإعلان النقاش حول ما إذا كان إتاحة تنفيذ حكم الإعدام للجمهور يخدم مبدأ الشفافية والمساءلة، أم يحوّل العقوبة إلى مشهد استعراضي يتجاوز الغرض القضائي منها.
كما يطرح البث المباشر تحديات تتعلق بسياسات المنصات الرقمية التي تفرض قيوداً على المحتوى العنيف، فضلاً عن الأسئلة المرتبطة بحقوق الضحايا وعائلاتهم، وخصوصية السجين، والضوابط المفروضة على نقل عمليات الإعدام.
انتقادات سياسية وحقوقية لقرار البث
أثار الإعلان انتقادات من شخصيات سياسية ومنظمات مناهضة لعقوبة الإعدام، رأت أن نقل التنفيذ مباشرة إلى الجمهور يضيف بعداً استعراضياً إلى عقوبة تثير أصلاً خلافات قانونية وأخلاقية واسعة.
وفي هذا السياق، انتقد النائب الديمقراطي آدم سميث، وفق ما أوردته تقارير صحفية، فكرة تحويل الإعدام إلى حدث علني، معتبراً أنها تتعارض مع التعامل الجاد مع سيادة القانون.
كما وصف السيناتور الديمقراطي كريس مورفي فكرة البث بأنها «مقززة» و«قروسطية»، في تعبير عن رفضه إعادة مشاهد العقاب العلني إلى المجال العام الأمريكي.
وامتدت الاعتراضات إلى شخصيات تؤيد عقوبة الإعدام من حيث المبدأ، لكنها تتحفظ على بثها. ومن بينها جو كينت، المدير السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب في إدارة ترامب، الذي أبدى تأييده لتنفيذ الحكم، لكنه حذر من أن بثه قد يمنح المتطرفين مادة دعائية يستخدمونها في التجنيد والتحريض.
ويكشف هذا التباين أن الخلاف لا يدور فقط حول مشروعية العقوبة، بل أيضاً حول ما إذا كان عرض تنفيذها للجمهور يحقق هدفاً عاماً واضحاً، أم يخلق مخاطر إضافية على المستوى الإعلامي والاجتماعي.
هل يمكن بث الإعدام عبر شبكات التلفزيون والمنصات الرقمية؟
أثار الإعلان تساؤلات بشأن دور المؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية في نقل عملية التنفيذ، خصوصاً في ظل القواعد التي تحد من عرض مشاهد العنف الصريح.
وذكرت تقارير إعلامية أن رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية بريندان كار أحال مسألة بث العملية عبر الشبكات التلفزيونية إلى وزارة الحرب، بدلاً من إعلان قرار مسبق بشأن السماح بها أو منعها.
كما لم تحسم المنصات الرقمية الكبرى، وفق تقارير صحفية، مواقفها النهائية بشأن استقبال بث حكومي مباشر لعملية إعدام، في وقت تفرض فيه خدمات عديدة قيوداً على المحتوى الذي يصور العنف الشديد أو يعرضه بصورة صادمة.
وتبقى هناك أسئلة عملية بشأن نطاق البث، والجهة المسؤولة عن إنتاجه، ومدى خضوعه لقيود النشر، وما إذا كانت الشبكات ستنقله كاملاً أو ستكتفي بتغطية إخبارية غير مباشرة.
عقوبة الإعدام بين القانون وحقوق الإنسان
تعارض منظمات حقوقية، من بينها منظمة العفو الدولية، عقوبة الإعدام، وتصفها بأنها انتهاك للحق في الحياة وعقوبة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة. كما تدعو مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى إلغائها عالمياً.
ولا يحظر القانون الدولي عقوبة الإعدام حظراً مطلقاً في جميع الظروف، لكنه يفرض قيوداً صارمة على استخدامها، بما في ذلك اشتراط ضمانات المحاكمة العادلة وقصرها، في الأنظمة التي لا تزال تطبقها، على أشد الجرائم خطورة وفق الضوابط القانونية ذات الصلة.
ويضيف البث المباشر بُعداً آخر إلى النقاش، إذ لا يتعلق الجدل هنا بالحكم القضائي وحده، بل بالطريقة التي تختار بها الدولة تقديم العقوبة للجمهور، وما إذا كان نقلها ينسجم مع متطلبات الكرامة الإنسانية والضوابط الإعلامية.
قضية فورت هود تعود إلى الواجهة
كان هجوم فورت هود عام 2009 من أكثر حوادث إطلاق النار دموية داخل منشأة عسكرية أمريكية. فقد فتح حسن النار داخل القاعدة، ما أدى إلى مقتل 13 شخصاً وإصابة 32 آخرين، قبل أن يُعتقل ويُحال إلى القضاء العسكري.
ومنذ صدور الحكم بحقه عام 2013، بقيت القضية مرتبطة بالنقاش حول أمن المنشآت العسكرية والتعامل مع التهديدات الداخلية، إلى جانب الجدل بشأن دوافع الهجوم ومسؤولية المؤسسات المعنية عن منع وقوعه.
واليوم، تعود القضية إلى واجهة النقاش العام من زاوية مختلفة، بعدما تجاوزت مسألة تنفيذ الحكم إلى طريقة عرضه على الجمهور.
وبينما تستعد السلطات الأمريكية لتنفيذ الحكم في ديسمبر المقبل، يبقى بث الإعدام محوراً لخلاف يتقاطع فيه القضاء العسكري وحقوق الإنسان وحرية الإعلام وسياسات المنصات الرقمية، في خطوة قد تشكل سابقة في طريقة تعامل الحكومة الأمريكية مع الإعلان عن تنفيذ أحكام الإعدام.
اقرأ المزيد
من المسيح الدجال إلى الذكاء الاصطناعي.. الأفكار التي تجمع بعض نخب اليمين والتكنولوجيا
إيران تعدم مجيد أدينه بتهمة التعاون مع إسرائيل وأميركا.. وسط تصاعد الإعدامات في البلاد
“كلما طُرق الباب ارتجفنا”.. تقرير مرعب يكشف مأساة مئات الإثيوبيين على قوائم الإعدام في السعودية
من التهريب إلى الإعدام.. السعودية تنفذ حكماً نهائياً بحق 5 إثيوبيين في قضية مخدرات هزت الرأي العام

