وطن-كشفت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» وشبكة الإذاعة الأميركية «إن بي آر»، في تحقيق مشترك، أن بسام الحسن، وهو لواء سوري سابق ومستشار بارز للرئيس السوري السابق بشار الأسد، يعيش في لبنان في ظل ترتيب يوفر له الحماية والدعم، بمشاركة جهات أميركية ولبنانية، وذلك مقابل ما يملكه من معلومات قد تساعد في كشف مصير الصحفي الأميركي المختفي أوستن تايس.
وبحسب التحقيق، فإن الحسن، الذي كان مسؤولاً بارزاً في المؤسسة العسكرية والأمنية السورية وارتبط ببرنامج الأسلحة الكيميائية في عهد الأسد، انتقل إلى لبنان بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، بعدما فر في البداية إلى إيران.
وتقول «بي بي سي» و«إن بي آر» إن استمرار إقامته في لبنان يرتبط، جزئياً على الأقل، باستعداده لتقديم معلومات بشأن اختطاف أوستن تايس، إضافة إلى معلومات أخرى تتعلق بالملفات العسكرية والأمنية السورية. وتستند هذه المعطيات إلى أربعة مصادر مطلعة على الترتيبات، طلبت عدم الكشف عن هوياتها خشية تعرضها لتهديدات مرتبطة بعملها وسلامتها.
صفقة غير معلنة: حماية مقابل معلومات؟
وبحسب التحقيق المشترك، اطلعت «بي بي سي» على سجل مفصل لاجتماع جمع بسام الحسن بممثلين عن مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ومسؤولين أمنيين لبنانيين، وتركز جانب منه على قضية أوستن تايس. وخلال الاجتماع، عُرض على الحسن، وفق التحقيق، توفير الإقامة والحماية والمساعدة في تأمين احتياجاته المعيشية.
وتشير المصادر التي تحدثت إلى التحقيق إلى أن قيمة الحسن بالنسبة إلى الجانب الأميركي لا ترتبط فقط بما قد يعرفه عن مصير تايس، وإنما أيضاً بمعرفته ببرنامج الأسلحة الكيميائية السوري والعلاقات العسكرية بين سوريا وإيران.
وبذلك، تطرح القضية سؤالاً حساساً حول طبيعة العلاقة التي أقامتها جهات أميركية مع مسؤول عسكري سابق في نظام الأسد، خصوصاً أن الحسن يواجه اتهامات وعقوبات مرتبطة بانتهاكات خطيرة.
أوستن تايس.. أكثر من 14 عاماً من الغموض
اختفى الصحفي الأميركي والجندي السابق في مشاة البحرية أوستن تايس في سوريا عام 2012، أثناء عمله صحفياً مستقلاً وتغطيته الحرب السورية. ومنذ ذلك الحين، حاولت الإدارات الأميركية المتعاقبة تحديد مكانه ومعرفة ما إذا كان لا يزال على قيد الحياة، وسط اعتقاد أميركي سابق بأن جهات مرتبطة بنظام الأسد كانت تحتجزه.
وظل ملف تايس مفتوحاً حتى بعد سقوط نظام الأسد، فيما استمرت واشنطن في محاولة جمع المعلومات التي يمكن أن تساعد في تحديد مصيره. وتقول «بي بي سي» و«إن بي آر» إن التحقيق الجديد جزء من عمل استقصائي طويل حول القضية، بالتوازي مع سلسلة وثائقية وإذاعية بعنوان «أين أوستن تايس؟».
الحسن قال إن الأسد أمر بإعدام تايس
لم يكن اسم بسام الحسن جديداً في قضية الصحفي الأميركي، ففي تحقيق سابق لـ«بي بي سي»، ظهر الحسن باعتباره مصدراً لمعلومة شديدة الحساسية، إذ قال لمسؤولين أميركيين إن بشار الأسد أصدر أمراً بإعدام أوستن تايس. لكن هذه الرواية لم تحسم مصير الصحفي الأميركي، وظلت موضع تساؤل، خصوصاً مع استمرار عائلة تايس في البحث عن معلومات موثوقة حول ما حدث لابنها. وبحسب التحقيق الجديد، حاولت السلطات الأميركية الاستفادة من المعلومات التي قدمها الحسن، بما في ذلك تحديد موقع يُعتقد أنه قد يرتبط بمصير تايس، إلا أن عمليات البحث في الموقع لم تؤد إلى العثور على رفات.
والدة أوستن تايس حاولت لقاء الحسن
وتكشف التحقيقات أيضاً أن ديبرا تايس، والدة الصحفي الأميركي، علمت من مسؤول في مكتب التحقيقات الفيدرالي أن الحسن موجود في بيروت وأن مسؤولين أميركيين تحدثوا إليه. وفي مايو/أيار 2025، سافرت ديبرا إلى لبنان في محاولة للقاء الحسن والحصول منه مباشرة على معلومات بشأن مصير ابنها، لكنها لم تتمكن من مقابلته. وكانت والدة تايس قد طالبت في وقت سابق بالحصول على إجابات واضحة بشأن ما حدث لابنها، في ظل مرور سنوات طويلة على اختفائه.
مسؤولون سابقون في نظام الأسد في لبنان والإمارات
لا يقتصر التحقيق على بسام الحسن وحده، فبحسب «بي بي سي» و«إن بي آر»، يقيم محمد مخلوف، وهو مسؤول أمني كان يعمل تحت إمرة الحسن وكان مرتبطاً بالمرفق الذي احتُجز فيه تايس، في لبنان.
كما تحدث التحقيق عن صقر رستم، وهو ابن شقيق بسام الحسن وارتبط اسمه بقضية اختطاف تايس، مشيراً إلى وجوده في الإمارات. وعندما تواصلت معه «بي بي سي» بشأن قضية الصحفي الأميركي، قال إنه يفضل التركيز على المستقبل.
أما غسان نصور، وهو لواء سابق في الحرس الجمهوري السوري، فيُعتقد، وفق أشخاص كانوا يعملون سابقاً ضمن قوات الدفاع الوطني، أنه كان يشرف على السجن الذي احتُجز فيه تايس، ويعيش حالياً في الإمارات مع عائلته، بحسب التحقيق.
لماذا يحظى الحسن بهذه الأهمية بالنسبة إلى واشنطن؟
تكمن أهمية بسام الحسن، وفق التحقيق، في طبيعة المعلومات التي يُعتقد أنه يمتلكها، فالرجل لم يكن مجرد ضابط في المؤسسة العسكرية السورية، بل كان مستشاراً بارزاً لبشار الأسد وارتبط بملفات عسكرية وأمنية شديدة الحساسية، من بينها برنامج الأسلحة الكيميائية السوري والعلاقات العسكرية مع إيران. ولهذا السبب، فإن المعلومات التي قد يقدمها بشأن تايس لا تمثل سوى جزء من القيمة الاستخباراتية التي يمكن أن تكون لديه.
وتقول مصادر التحقيق إن هذه المعرفة كانت من الأسباب التي دفعت إلى ترتيب إقامته في لبنان، إلى جانب الأمل في أن تساعد معلوماته في حل لغز اختفاء الصحفي الأميركي.
غضب عائلة تايس من الترتيب
أثار الكشف عن توفير الحماية والدعم للحسن غضباً لدى محيط عائلة الصحفي الأميركي، وقال فيل إلوود، المتحدث باسم عائلة تايس، لـ«بي بي سي»، إن استخدام أموال دافعي الضرائب الأميركيين لتوفير حياة مريحة لشخص مرتبط باتهامات خطيرة تتعلق بالأسلحة الكيميائية، وفي الوقت نفسه يدعي أن أوستن تايس أُعدم، سيكون أمراً مهيناً إذا صحت هذه المعلومات.
ويعكس هذا الموقف حجم المعضلة التي تواجهها واشنطن: فمن جهة، تحاول الحصول على معلومات قد تساعد في حل واحدة من أكثر قضايا الاختفاء حساسية في تاريخ الصحافة الأميركية الحديثة؛ ومن جهة أخرى، تتعامل مع شخصية مرتبطة بنظام سابق تواجه شخصيات فيه اتهامات خطيرة بانتهاكات وجرائم خلال الحرب السورية.
ملف تايس يدخل مرحلة جديدة
تكشف القضية أن ملف أوستن تايس لم يُغلق بسقوط نظام الأسد، بل دخل مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، ففي الوقت الذي أصبحت فيه واشنطن قادرة على الوصول إلى شخصيات كانت مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالمنظومة الأمنية للنظام السابق، ظهرت أمامها أيضاً أسئلة جديدة حول كيفية التعامل مع هذه الشخصيات، وما إذا كان الحصول على معلومات استخباراتية يمكن أن يبرر توفير حماية أو تسهيلات لها.
أما مصير أوستن تايس، فلا يزال غير محسوم بشكل نهائي. وبينما قدم بسام الحسن رواية تفيد بأنه أُعدم بأمر من الأسد، لم تؤد عمليات البحث التي أجريت استناداً إلى معلوماته إلى العثور على رفات الصحفي الأميركي. وبعد أكثر من عقد على اختفائه، تبقى عائلة تايس أمام السؤال الأصعب: أين أوستن، وماذا حدث له فعلاً؟
قد يعجبك
هاشم ثاتشي خلف القضبان 25 عاماً.. محكمة كوسوفو تدينه بجرائم حرب
محكمة دمشق تقضي بإعدام بشار الأسد وماهر الأسد وعاطف نجيب بتهم القتل والتعذيب وجرائم ضد الإنسانية
السجن المؤبد لمفتي سوريا السابق أحمد حسون بتهم التحريض الطائفي وإساءة استخدام المنصب

