وطن-قد تتحول العطلة التي انتظرها المسافر طويلاً إلى تجربة مليئة بالتوتر بسبب حادث طارئ لم يكن في الحسبان؛ حقيبة لا تصل إلى الوجهة، أو جواز سفر يُفقد في مطار مزدحم، أو ارتباك مفاجئ في بلد لا يتحدث المسافر لغته.
وعلى الرغم من أن كثيراً من هذه المواقف يمكن التعامل معها وحلها، فإن تأثيرها النفسي قد يتجاوز حجم المشكلة نفسها، إلى درجة تجعل حادثاً واحداً يطغى على أيام كاملة من الراحة والمتعة.
وتشير صحيفة «بوبليكو» الإسبانية إلى أن المفارقة تكمن في أن العطلة، التي يفترض أن تكون فرصة للراحة والابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية، قد تصبح مصدراً للتوتر منذ مرحلة التخطيط نفسها. فاختيار الوجهة، وحجز وسائل النقل والإقامة، وإعداد برنامج الرحلة، وتجهيز الحقائب، والتفكير في كل ما يجب حمله، كلها تفاصيل يمكن أن تضيف عبئاً ذهنياً جديداً.
لماذا يتحول السفر أحياناً إلى مصدر للقلق؟
لا ينتهي الضغط النفسي بمجرد الوصول إلى المطار. فالسفر يمثل بالنسبة إلى كثير من الأشخاص والأسَر إنفاقاً مالياً مهماً، وهو ما قد يرفع سقف التوقعات بشأن الرحلة.
وعندما يشعر المسافر بأنه أنفق الكثير من المال والوقت، قد يبدأ في التعامل مع العطلة وكأن عليه الاستمتاع بكل لحظة فيها. وهنا يمكن لأي طارئ صغير أن يبدو أكبر مما هو عليه، لأنه يتعارض مع الصورة المثالية التي رسمها الشخص مسبقاً للرحلة.
ويزداد الأمر تعقيداً عندما يحدث موقف مثل فقدان جواز السفر أو عدم وصول الأمتعة في بلد أجنبي، خصوصاً إذا كان المسافر لا يعرف اللغة المحلية أو الإجراءات التي يجب اتباعها.
في هذه اللحظة، لا تصبح المشكلة عملية فقط، بل يمكن أن تتحول إلى مصدر للارتباك والخوف، وقد تجعل الشخص غير قادر مؤقتاً على التفكير بهدوء في الخطوة التالية.
الانحياز السلبي.. لماذا نتذكر الشيء السيئ أكثر؟
تفسر ظاهرة نفسية معروفة باسم الانحياز السلبي جانباً من هذه الاستجابة. ويشير المفهوم إلى ميل الدماغ إلى منح الأحداث والمعلومات السلبية وزناً وتأثيراً أكبر من الأحداث الإيجابية المماثلة. وبالتالي، يمكن لرحلة ناجحة في معظم تفاصيلها أن تتأثر في ذاكرة المسافر بسبب حادث واحد مزعج.
وقد صاغ عالما النفس بول روزين وإدوارد بي. رويزمان المفهوم بصورة رسمية عام 2001، وحددا أربع صور رئيسية له، تتعلق بقوة تأثير الأحداث السلبية، وسرعة الاستجابة لها، وهيمنتها على الصورة العامة، إضافة إلى قدرة الإنسان على معالجة المعلومات السلبية بدرجة أكبر من التعقيد والتفصيل.
وفي تجربة السفر، قد يعني ذلك أن وصول المسافر بأمان إلى وجهته، واستمتاعه بالمكان والأشخاص والتجارب الجديدة، يتراجع في ذهنه أمام حقيبة ضائعة أو وثيقة مفقودة، فالمشكلة لا تختفي، لكنها قد تحصل على مساحة نفسية أكبر بكثير من حجمها الحقيقي.
لا تتجاهل المشكلة.. لكن لا تسمح لها بالسيطرة
لا يعني التعامل مع الانحياز السلبي تجاهل المشكلة أو التقليل من خطورتها. فضياع جواز السفر أو الأمتعة موقف يحتاج بالفعل إلى تصرف سريع ومنظم. لكن الفرق يكمن في عدم السماح للقلق بأن يحل محل الفعل. وتتمثل الخطوة الأولى في تحديد المشكلة بدقة: ماذا حدث؟ أين وقع؟ وما الإجراء الذي يمكن اتخاذه الآن؟
عندما تتحول المشكلة من فكرة عامة ومخيفة إلى مجموعة من الخطوات المحددة، يصبح التعامل معها أسهل. فبدلاً من التفكير في أن «الرحلة بأكملها دمرت»، يمكن التركيز على السؤال الأكثر فائدة: ما الخطوة التالية التي أستطيع القيام بها؟
من القلق إلى السيطرة على الموقف
هنا تظهر أهمية ما يُعرف بـ مركز التحكم الداخلي، أي توجيه الانتباه إلى الأمور التي يستطيع الشخص التأثير فيها بدلاً من استنزاف طاقته في التفكير فيما خرج عن سيطرته.
فإذا لم تصل الحقيبة، يمكن التواصل مع شركة الطيران وتسجيل بلاغ بشأنها ومتابعة الإجراءات المطلوبة. وإذا فُقد جواز السفر، يمكن التواصل مع الجهات المختصة أو السفارة أو القنصلية واتباع الإجراءات اللازمة.
قد لا تختفي المشكلة فوراً، لكن الانتقال من التفكير المستمر فيها إلى اتخاذ خطوات عملية يمنح المسافر إحساساً أكبر بالسيطرة، ويقلل مساحة القلق التي تستهلك انتباهه.
وبحسب ما أوردته الصحيفة الإسبانية، فإن تحويل السؤال من «لماذا حدث هذا؟» إلى «ماذا يمكنني أن أفعل الآن؟» يساعد على الانتقال من الاجترار الذهني إلى التعامل الفعلي مع المشكلة.
إعادة تأطير الحادث تساعد على استعادة متعة الرحلة
بعد اتخاذ الخطوات العملية، تأتي مرحلة أخرى مهمة، وهي ما يعرف في علم النفس بـ إعادة التأطير المعرفي. وتقوم الفكرة على أن تأثير الحدث لا يعتمد فقط على ما وقع، وإنما أيضاً على الطريقة التي يفسر بها الشخص ما حدث.
فإذا نظر المسافر إلى حقيبته المفقودة باعتبارها دليلاً على أن «الرحلة كلها أصبحت كارثة»، فمن المرجح أن ينعكس ذلك على مزاجه وعلى بقية تجربته.
أما إذا تعامل معها باعتبارها مشكلة مزعجة لكنها محدودة ويمكن التعامل معها، فإنها تصبح جزءاً واحداً من الرحلة، بدلاً من أن تختصر الرحلة كلها.
ولا تعني إعادة التأطير إنكار المشاعر السلبية أو إجبار النفس على التفاؤل. الهدف هو إعادة التوازن إلى الصورة التي قد يشوهها الانحياز السلبي.
تذكّر ما يسير على ما يرام
في اللحظات التي يسيطر فيها حدث مزعج على التفكير، قد يكون من المفيد استعادة الصورة الكاملة للرحلة. فقد يكون المسافر قد وصل إلى وجهته بأمان، أو يستمتع بمكان جديد، أو يقضي وقتاً مع أشخاص يحبهم، أو يعيش تجربة كان ينتظرها منذ فترة طويلة. هذه التفاصيل لا تلغي المشكلة، لكنها تمنعها من احتلال المشهد بأكمله.
وهنا تكمن أهمية الوعي بالانحياز السلبي: عندما يدرك الإنسان أن عقله يميل إلى التركيز بقوة على ما هو سيئ، يصبح أكثر قدرة على ملاحظة الجوانب الأخرى التي قد تختفي مؤقتاً خلف الحادث المزعج.
المشكلة لا يجب أن تتحول إلى ذكرى الرحلة كلها
لا يمكن للمسافر أن يسيطر على كل ما يحدث أثناء الرحلة. فقد تضيع الأمتعة، أو تتأخر الرحلات، أو تضيع وثيقة، أو تظهر ظروف لم تكن موجودة في الخطة الأصلية. لكن ما يمكن التحكم فيه بدرجة أكبر هو الطريقة التي تتم بها الاستجابة لهذه الأحداث.
فبين شخص يسمح لحقيبة مفقودة أو وثيقة ضائعة بأن تختصر العطلة كلها، وشخص يتعامل مع الحادث باعتباره مشكلة محددة تحتاج إلى حل، قد يكون الفرق في التجربة النفسية كبيراً.
السفر لا يخلو من المفاجآت، وبعضها قد يكون مزعجاً بالفعل. لكن فهم الطريقة التي يعمل بها العقل يمكن أن يساعد المسافر على عدم منح حادث واحد القدرة على سرقة الرحلة بأكملها، وأن يحافظ على الصورة الأوسع للتجربة حتى في أصعب لحظاتها.
اقرأ المزيد
هل تبحث عن إجازة بعد الإجازة و لماذا نعود منها مرهقين؟ علم النفس يكشف كيف تجعل طريقة السفر أكثر راحة
أخطاء السفر التي تسبب التوتر.. دراسة تكشف أكثرها شيوعاً ونصائح لتجنبها
6 أخطاء شائعة في جواز السفر قد تمنعك من السفر وتفسد رحلتك بالكامل
أطباء الجلدية يحذرون من وضع المكياج أثناء السفر بالطائرة: مخاطر خفية على البشرة خلال الرحلات الجوية

