وطن-في مشهد أثار جدلاً واسعاً في بريطانيا، اعتقلت الشرطة المحامية الحقوقية السابقة مارجريت أوين، البالغة من العمر 94 عاماً، خلال احتجاج أمام مؤتمر حزب العمال في مدينة ليفربول، بعدما رفعت لافتة تعلن دعمها لحركة «فلسطين أكشن» وتعارض ما وصفته بالإبادة الجماعية في غزة.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» إن أوين، وهي يهودية وصديقة قديمة لوالدة وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند الراحلة، شاركت في وقفة احتجاجية طالبت الحكومة البريطانية برفع الحظر المفروض على الحركة، بعدما أصبحت مظاهر التأييد لها عرضة للملاحقة الجنائية.
وكانت أوين تحمل لافتة كتب عليها: «أنا أعارض الإبادة الجماعية. أنا أدعم فلسطين أكشن»، وهي العبارة التي أدت إلى توقيف عشرات الأشخاص خلال احتجاجات مماثلة في الأشهر الماضية.
«حاولت كثيراً أن أُعتقل»
قالت أوين لـ«ميدل إيست آي» إنها شاركت مراراً في وقفات صامتة إلى جانب مئات المتقاعدين والنشطاء، وكانت ترى الشرطة تعتقل مشاركين آخرين من حولها، لكنها لم تكن من بينهم.
وأضافت أنها حملت اللافتة لفترة طويلة، بل وضعتها أيضاً خلف زجاج نافذة غرفة المعيشة في منزلها، وأرسلت صوراً لها إلى شرطة العاصمة البريطانية، من دون أن يؤدي ذلك إلى توقيفها.
وقالت ساخرة إن الشرطة كان ينبغي أن تعتقلها حتى لو كانت اللافتة خلف الزجاج، لكن خلال الاحتجاج الذي نُظم في 27 سبتمبر أمام مؤتمر حزب العمال في ليفربول، اعتُقلت أوين بالفعل، وهو ما وصفته بأنه اللحظة التي كانت تنتظرها منذ فترة.
وقالت: «كنت فخورة بأن أنضم إلى المعتقلين يوم الأحد الماضي».
اعتقالات طالت كبار السن وذوي الإعاقة
وبحسب «ميدل إيست آي»، شارك نحو 200 شخص في الوقفة، وكان من بينهم عدد كبير من كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة.
وقالت أوين إن المشهد كان لافتاً بسبب العدد الكبير من أصحاب الشعر الأبيض، إلى جانب أشخاص يستخدمون العكازات وآخر على كرسي متحرك. وكان المشاركون يجلسون بهدوء، بينما يضع بعضهم اللافتات حول أعناقهم.
وأضافت أن الشرطة تحركت بين الحشود والتقطت صوراً للمشاركين، قبل أن تطوق بعضهم تمهيداً لاعتقالهم. وبسبب معاناتها آلاماً في الظهر، قالت أوين إنها لم تتمكن من الصعود إلى الجزء الخلفي من عربة الشرطة، فجلست في المقعد الأمامي إلى جانب شرطية.
وروت أن الشرطية بدت في البداية قاسية أثناء عملية الاعتقال، لكنها تغيرت عندما تحدثت إليها داخل السيارة. وقالت أوين إنها أخبرتها: «أنا آسفة من أجلك. هذا ليس السبب الذي جعلك تنضمين إلى الشرطة». كما أضافت أن وجه الشرطية «انهار تماماً»، قبل أن تقول: «لقد أصبحت فجأة إنسانة مرة أخرى».
كفالة حتى ديسمبر وتحذير من «دولة بوليسية»
أُخذت أوين إلى مركز شرطة بعيد، حيث جرى أخذ بصماتها وإبلاغها بشروط الإفراج عنها بكفالة، والتي تلزمها بالحضور إلى مركز الشرطة في 27 ديسمبر المقبل.
وعلقت على ذلك بالقول: «أعتقد أنهم يحاولون إفساد عيد الميلاد علينا»، لكنها أبدت قلقاً أكبر بشأن ما اعتبرته اتجاهاً مقلقاً في التعامل مع الاحتجاجات، قائلة: «نحن ننحدر الآن ونتبنى كل سمات الدولة البوليسية. الأمر مقلق للغاية».
وقالت مجموعة «دافعوا عن هيئات المحلفين»، وهي الحملة التي دعت إلى الاحتجاج، إن الشرطة نفذت 150 عملية توقيف بعد أكثر من 16 ساعة من بدء التحرك.
من جهتها، قالت شرطة ميرسيسايد، وفق ما نقلته «ميدل إيست آي»، إنها لا تعلق على الحالات الفردية، لكنها أوضحت أن 83 شخصاً اعتُقلوا للاشتباه في ارتداء أو عرض شيء، أو نشر صورة، دعماً لمنظمة محظورة، فيما جرى الإبلاغ عن 105 أشخاص آخرين لاستدعائهم في وقت لاحق.
وأضافت الشرطة أن عملية مراجعة ستُجرى بعد العملية بهدف استخلاص الدروس وتوجيه التخطيط للعمليات المستقبلية.
حظر «فلسطين أكشن» وعقوبة قد تصل إلى 14 عاماً
كانت حكومة كير ستارمر قد حظرت حركة «فلسطين أكشن» في يوليو 2025، ما جعل التعبير عن دعمها أو الانتماء إليها جريمة جنائية يمكن أن تصل عقوبتها إلى السجن 14 عاماً.
وبحسب تقديرات مجموعة «دافعوا عن هيئات المحلفين» التي أوردتها «ميدل إيست آي»، اعتُقل منذ فرض الحظر نحو 3850 شخصاً، فيما وُجهت اتهامات إلى ما لا يقل عن 2250 شخصاً على خلفية التعبير عن دعمهم للحركة المحظورة.
وتطعن هدى عموري، إحدى مؤسسات الحركة، في قرار صدر عن محكمة الاستئناف وأيد قانونية الحظر، على أن تنظر المحكمة العليا البريطانية في القضية خلال وقت لاحق من العام.
وقالت وزارة الداخلية البريطانية، بحسب الصحيفة، إن قرار الحظر جاء بعد عملية «صارمة قائمة على الأدلة» وحظي بموافقة البرلمان.
وأضافت الوزارة أن محكمة الاستئناف خلصت إلى أن الحركة نفذت أعمالاً إرهابية، واحتفت بالمشاركين فيها وروجت لاستخدام العنف، بعدما كانت محكمة عليا قد أصدرت في وقت سابق حكماً اعتبر الحظر غير قانوني.
وأكدت وزارة الداخلية أن حظر «فلسطين أكشن» لا يمنع الاحتجاج القانوني دعماً للقضية الفلسطينية، معتبرة أن الحق في الاحتجاج «حق ديمقراطي أساسي».
ميليباند يتحدث عن «مطابقة الأقوال بالأفعال»
تزامن اعتقال أوين مع كلمة ألقاها وزير الخارجية إد ميليباند أمام مؤتمر حزب العمال، تحدث خلالها عن ما وصفه بـ«إعادة ضبط» نهج الحزب في السياسة الخارجية.
وبحسب «ميدل إيست آي»، انتقد ميليباند خلال كلمته ما وصفه بـ«التطهير العرقي على يد إرهابيي المستوطنين في الضفة الغربية»، كما تحدث عن «جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة» و«الاحتلال غير القانوني لفلسطين».
وقال الوزير إن حكومته ستعمل على أن «تطابق الأفعال الأقوال»، موجهاً رسالة إلى ملايين الأشخاص الذين تأثروا بمعاناة الفلسطينيين وغضبوا منها، قائلاً: «نحن نسمعكم. كنتم على حق».
ورأت أوين أن تصريحات ميليباند تمنحها وزملاءها «سبباً كبيراً للأمل»، لكنها اعتبرت أن حزمة العقوبات التي أعلنها الوزير ضد المستوطنات الإسرائيلية لا تزال غير كافية.
وقالت إن ميليباند «لم يذهب بعيداً بما يكفي»، وربما لم يكن قادراً على ذلك بسبب الانقسامات داخل حزب العمال بشأن القضية.
احتجاجات فلسطين تضع الحكومة البريطانية أمام تناقض صعب
يرى نشطاء أن هناك تناقضاً بين اللهجة التي يستخدمها ميليباند عند الحديث عن معاناة الفلسطينيين، وبين اعتقال متظاهرين مسنين يرفعون لافتات تؤيد «فلسطين أكشن».
وقالت «ميدل إيست آي» إن حكومة حزب العمال، وميليباند بشكل خاص، تواجه ضغوطاً متزايدة بشأن الحظر المفروض على الحركة.
وفي هذا السياق، انتشرت على الإنترنت لقطات ظهر فيها ميليباند وهو يتعرض لمساءلة من نشطاء داخل مطعم «بيتزا إكسبريس»، على بعد دقائق من المكان الذي كان فيه متظاهرون يُنقلون إلى سيارات الشرطة.
وفي التسجيل، أبلغ أحد النشطاء الوزير بأن نحو 200 شخص، على بعد نحو 100 متر من المكان، يُعتقلون بسبب حملهم «قطعاً من الورق»، داعياً إياه إلى التحدث إليهم.
ورد ميليباند بأنه سعيد بالتحدث إليهم، لكنه أوضح أنه كان في ذلك الوقت يتحدث مع ناخبيه.
ميليباند: لا نية لتجريم «الجدات والقساوسة»
وفي مقابلة لاحقة مع إذاعة «إل بي سي»، قال ميليباند إنه يؤمن بالحق في الاحتجاج، لكنه أضاف أنه سيترك الطعن المتعلق بالحظر أمام المحكمة العليا يأخذ مجراه.
وعندما سأله الصحفي أندرو مار عن اعتقال «الجدات والقساوسة»، قال الوزير إنه لا يعتقد أن نية أي طرف كانت «تجريمهم» بسبب قرار الحظر.
وردت مجموعة «دافعوا عن هيئات المحلفين» برسالة إلى ميليباند، باسم مارجريت أوين ومعتقل آخر هو جوناثان بوريت، البالغ من العمر 76 عاماً والحاصل على وسام الإمبراطورية البريطانية، لقبول عرض عقد اجتماع لمناقشة الحظر.
وقالت الرسالة إن المعتقلين المسنين «لم يُجرَّموا فقط»، بل إن الحكومة تلاحقهم باعتبارهم إرهابيين بموجب قوانين جنائية شديدة القسوة.
ووصف تيم كروسلاند، المحامي الحكومي السابق وأحد مؤسسي المجموعة، تصريحات ميليباند بأنها «تنازل مهم من الحكومة»، قائلاً إن الاعتراف بعدم وجود نية لتجريم هؤلاء المحتجين قد يكون مهماً أمام المحكمة العليا عند بحث مدى تناسب الحظر.
وأضاف أن من الصعب الدفاع عن القضية إذا كانت الحكومة نفسها تقر بأن تطبيق القانون أدى إلى تدخل غير متناسب.
أما رئيس بلدية مانشستر الكبرى آندي بيرنهام، فكان، وفق «ميدل إيست آي»، أقل صراحة في انتقاد الحظر. وعندما سُئل عما إذا كان يعتبر وقفات حمل اللافتات نشاطاً إرهابياً، أشار إلى أن المحتجين المسنين يقفون في أحد أطراف الطيف المرتبط بـ«فلسطين أكشن»، بينما يوجد في الطرف الأكثر تطرفاً، بحسب وصفه، نشطاء نفذوا هجمات على مواقع عسكرية.
صداقة قديمة مع والدة ميليباند
تحمل قصة أوين بعداً شخصياً أيضاً، إذ كانت صديقة مقربة من ماريون كوزاك، والدة وزير الخارجية إد ميليباند. وكانت كوزاك، وهي ناجية بولندية من الهولوكوست وناشطة اشتراكية نسوية، عضواً في منظمة «يهود من أجل العدالة للفلسطينيين»، وقد توفيت في مايو الماضي.
وقالت أوين إن كوزاك كانت من النساء اللواتي تكن لهن إعجاباً كبيراً، ووصفتها بأنها كانت شديدة التواضع، لكنها في الوقت نفسه قوية في دفاعها عن العدالة وحقوق ضحايا الظلم، مؤكدة أنها كانت دائماً إلى جانب الشعب الفلسطيني.
وأشارت إلى أن كوزاك ومارلين هوبسباوم، زوجة المؤرخ الماركسي إريك هوبسباوم، كانت تربطهما بها علاقة صداقة، وأن النساء الثلاث كن يُعرفن باسم «الثلاث ميمات».
«كانت ستوبخ إد»
وعندما سُئلت أوين عما كانت كوزاك ستقوله بشأن التحول في موقف ابنها إد ميليباند تجاه إسرائيل، أجابت: «أعتقد أنها كانت ستوبخ إد».
لكنها أكدت في الوقت نفسه أنها ترى في مواقف الوزير الأخيرة تطوراً يستحق التشجيع، قائلة: «ومع ذلك، أحييه، لأنني أعتقد أنه أحدث تحولاً كبيراً في سياستنا الخارجية».
وأضافت: «هذه بارقة ضوء في نفق مظلم. يجب أن نشجع ذلك وندعمه ونبني عليه، مهما كانت العقبات ومهما كان الأمر صعباً».
واستعادت أوين موقفاً يعود إلى عام 2010، عندما كان ديفيد وإد ميليباند يتنافسان على قيادة حزب العمال، وقالت إنها سألت النائب جيريمي كوربن آنذاك عن الشخص الذي ينبغي أن يقود الحزب.
وتابعت: «أتدرون ماذا قال؟ أمهما».
وعندما سُئلت عما إذا كانت ماريون كوزاك ستكون بين المحتجين الذين يخاطرون بالاعتقال أمام مؤتمر حزب العمال، أجابت أوين بلا تردد: «بالتأكيد. كانت ستكون معنا حاملة لافتة».
اقرأ أيضاً
الكاتبة الفلسطينية غيداء كمال العبادسة: لا وقف حقيقياً لإطلاق النار في غزة والحقيقة على الأرض مختلفة
«غزة فريندلي».. علامة فرنسية تحوّل خيارات المستهلكين إلى تضامن عملي مع فلسطين
إلغاء حفلات إد شيران في أميركا وسط جدل حول استبعاد ماكليمور بسبب دعمه لفلسطين

