وطن-مُنحت جائزة نوبل في الطب، الاثنين، لثلاثة علماء أسهمت أبحاثهم في تطوير تقنية أحدثت تحولاً في دراسة الدماغ، بعدما أتاحت للباحثين استخدام الضوء للتحكم في خلايا عصبية محددة بدقة عالية، ما فتح آفاقاً جديدة لفهم عمل الجهاز العصبي ودراسة عدد من الأمراض المعقدة.
والعلماء الفائزون هم كارل دايسروث وبيتر هيغمان وجورج ناغل، الذين أرست أبحاثهم المنفصلة الأساس لما يُعرف بـ«البصريات الوراثية»، وهو مجال علمي يجمع بين علم الجينات والضوء للتحكم في نشاط الخلايا العصبية داخل أدمغة الكائنات الحية.
تقنية غيّرت طريقة دراسة الدماغ
أتاحت البصريات الوراثية للباحثين تشغيل خلايا عصبية معينة أو إيقافها باستخدام الضوء، الأمر الذي سمح بدراسة المسارات العصبية المرتبطة بالسلوك والأمراض بدرجة من الدقة لم تكن متاحة بالطرق التقليدية.
وبحسب وكالة أسوشيتد برس، ساعدت هذه التقنية على تغيير الطريقة التي ينظر بها العلماء إلى الدماغ، من مجرد خرائط توضح أماكن الخلايا والروابط العصبية إلى أنظمة يمكن دراسة نشاطها ووظائفها بصورة مباشرة وديناميكية.
ووصف عالم الأعصاب باتريك فورسيلي، من جامعة جورجتاون، هذا التحول بأنه أشبه بالانتقال من «أطلس طرق» للدماغ إلى ما يشبه «غوغل إيرث»، في إشارة إلى القدرة الجديدة على رؤية الشبكات العصبية وفهم طريقة عملها بتفاصيل أكبر.
اكتشاف بدأ من طحالب وحيدة الخلية
تعود جذور هذا الإنجاز إلى أبحاث بيتر هيغمان المتعلقة بكيفية استجابة نوع من الطحالب الخضراء وحيدة الخلية للضوء.
وخلال هذه الأبحاث، اكتشف هيغمان وجورج ناغل بروتيناً يفتح قناة كهربائية عند تعرضه للضوء الأزرق، ما يؤدي إلى توليد إشارة كهربائية. وأصبح من الممكن لاحقاً إدخال الجين المسؤول عن هذا البروتين إلى خلايا أخرى، لتكتسب بدورها القدرة على الاستجابة للضوء.
ومن هنا بدأت الفكرة التي ستقود إلى تطوير البصريات الوراثية، بعدما أصبح بالإمكان استخدام هذه الآلية للتحكم في خلايا محددة.
دايسروث ينقل الفكرة إلى الدماغ
استفاد كارل دايسروث من هذا الاكتشاف فيما وصفه بأنه «حيلة من الطبيعة»، إذ أدخل الجين المسؤول عن البروتين الحساس للضوء إلى خلايا عصبية محددة في أدمغة فئران حية.
وبتسليط الضوء على تلك الخلايا، أصبح بالإمكان تشغيلها أو إيقافها أثناء قيام الحيوانات بمهام مختلفة، ما مكّن الباحثين من دراسة العلاقة بين نشاط خلايا عصبية محددة والسلوك.
وقال دايسروث، وفق ما نقلته أسوشيتد برس، إن الضوء يُستخدم عادة لجمع المعلومات ومراقبة الأشياء، لكن البصريات الوراثية تفعل العكس، إذ تستخدمه للتحكم في الخلايا وجعلها تستجيب بطريقة دقيقة للغاية.
وبدأت التجارب الأولى باستخدام ألياف دقيقة لإيصال الضوء إلى الخلايا المستهدفة، قبل تطوير أساليب أكثر تقدماً وأقل تدخلاً.
من أداة بحثية إلى آفاق علاجية
تُستخدم البصريات الوراثية أساساً كأداة بحثية لفهم عمل الخلايا العصبية والدوائر الدماغية، لكنها فتحت في الوقت نفسه الباب أمام إمكانات علاجية مستقبلية.
وأوضح دايسروث أن معرفة الخلايا المسؤولة عن أعراض مرضية معينة، أو الخلايا التي يمكن أن يؤدي تنشيطها إلى تصحيح تلك الأعراض، تمنح العلماء معلومات يمكن أن تساعدهم في تطوير وسائل علاج تستهدف الخلل بدقة أكبر.
وقد بدأت بالفعل دراسات تستخدم هذه التقنية في محاولة لعلاج نوع وراثي من العمى، من خلال إدخال بروتين حساس للضوء إلى شبكية المريض، ثم استخدام نظارات خاصة لإرسال الضوء إلى الخلايا المستهدفة.
كما يدرس باحثون إمكانات مرتبطة بحالات عصبية ونفسية أخرى، من بينها التوحد والفصام، فيما أصبحت البصريات الوراثية أداة أساسية في مختبرات علم الأعصاب حول العالم.
السيطرة على الخلايا بالسرعة نفسها التي تعمل بها
تكمن أهمية التقنية أيضاً في سرعتها، إذ تتواصل الخلايا العصبية خلال أجزاء صغيرة جداً من الثانية، فيما أتاحت البصريات الوراثية للعلماء التحكم في نشاط خلايا معينة بسرعة مقاربة.
وقال جيريمي بيرغ، من جامعة بيتسبيرغ، إن هذه التقنية وفرت مجموعة شديدة الدقة من الأدوات التي تسمح بإجراء تجارب حول وظائف الدماغ يصعب تنفيذها بوسائل أخرى.
وأشار إلى أنه كان يعمل في المعاهد الوطنية الأميركية للصحة في مطلع الألفية عندما حصل دايسروث على تمويل كبير لتطوير فكرته حول البصريات الوراثية، قبل أن تثبت التقنية لاحقاً فاعليتها وأهميتها في أبحاث الأعصاب.
فهم أعمق للاضطرابات العصبية
لم تقتصر نتائج هذه الأبحاث على فهم كيفية عمل الخلايا العصبية، بل ساعدت أيضاً على تحديد كيفية تعطل دوائر دماغية معينة.
وبحسب ما نقلته أسوشيتد برس عن عبد المنيرة، عضو جمعية نوبل، فإن الأداة قدمت معلومات مهمة حول دوائر مرتبطة بعدد من الحالات، بينها العمى والاكتئاب والإدمان والخرف.
ومع ذلك، لا تزال أجزاء واسعة من عمل الدماغ غامضة أمام العلماء، ما يعني أن الاكتشاف الحائز على نوبل يمثل خطوة مهمة ضمن مسار بحثي طويل، وليس نهاية الطريق في فهم أكثر أعضاء الجسم تعقيداً.
مفاجأة كبيرة لدايسروث
تلقى دايسروث خبر فوزه بالجائزة أثناء وجوده في منزله بشمال كاليفورنيا، حيث كان يعمل خلال ساعات الليل على أوراق بحثية ويتبادل رسائل إلكترونية مع طلابه.
وبحسب أسوشيتد برس، كان العالم مذهولاً من الاتصال الذي تلقاه من جمعية نوبل إلى درجة أنه قال إنه كاد يعجز للحظات عن صياغة الكلمات.
ورغم المفاجأة، عاد سريعاً إلى تفاصيل حياته اليومية، مشيراً إلى أنه كان عليه بعد استيقاظ أطفاله إعداد وجباتهم المدرسية. وقال مازحاً إن إحدى مسؤولياته في ذلك الصباح كانت التأكد من تجهيز شطائرهم.
انطلاق أسبوع جوائز نوبل
أُعلن عن الجائزة في معهد كارولينسكا في ستوكهولم، لتكون جائزة الطب افتتاحاً لأسبوع جوائز نوبل. وتبلغ قيمة الجائزة هذا العام 12 مليون كرونة سويدية، أي نحو 1.2 مليون دولار، ويمكن أن تُمنح لفرد واحد أو لمجموعة صغيرة من الفائزين وفق قواعد الجائزة.
ويستمر أسبوع نوبل بإعلان جائزة الفيزياء، ثم الكيمياء، فالأدب، والسلام، قبل الإعلان عن جائزة العلوم الاقتصادية في 12 أكتوبر.
وبهذا التكريم، تضع لجنة نوبل أبحاث البصريات الوراثية في صدارة الإنجازات التي غيّرت أدوات علم الأعصاب، بعدما سمحت للعلماء ليس فقط بمراقبة نشاط الدماغ، بل بالتدخل في عمل خلاياه بدقة غير مسبوقة، في خطوة قد تواصل التأثير في فهم الأمراض العصبية وتطوير علاجاتها مستقبلاً.
اقرأ المزيد
تنميل اليدين ليلاً.. مؤشرات قد تكشف مشكلة في الأعصاب تستدعي الانتباه..
التوتر والمغنيسيوم.. علاقة خفية قد تزيد القلق وتؤثر في الأعصاب والقلب
تجارب الاقتراب من الموت.. ماذا رأى الناجون عندما كانوا بين الحياة والموت؟

