وطن-بدأت القصة بحادثة جوية خطيرة على متن رحلة متجهة من دبي إلى تل أبيب، لكنها لم تبقَ في حدود الطائرة أو التحقيقات المتعلقة بها. ففي غضون أيام، انتقل النقاش على منصات التواصل والإعلام إلى سلطنة عُمان، ثم إلى إيران، وصولاً إلى مفتي السلطنة الشيخ أحمد الخليلي، في مسار تقول منصة «إيكاد» إنه يكشف عن حملة رقمية استغلت الحادث لإعادة تدوير مواقف سابقة للخليلي من الحرب في غزة وإسرائيل.
فكيف انتقلت القصة من حادثة على متن طائرة إلى استهداف شخصية دينية عُمانية؟ وما الذي تقوله الأدلة الرقمية عن هذا المسار؟
القصة بدأت في السماء
في 30 سبتمبر/أيلول، تعرضت رحلة «فلاي دبي» رقم FZ1073 المتجهة من دبي إلى تل أبيب لحادث خطير داخل قمرة القيادة، قبل أن يتم تحويل مسار الطائرة والهبوط بها في مدينة تبوك السعودية.
وبحسب ما أعلنته مصادر إسرائيلية وتقارير لاحقة، اعتُدي على قائد الطائرة داخل قمرة القيادة من جانب مساعد الطيار، وهو مواطن عُماني، فيما تحدثت السلطات الإماراتية لاحقاً عن اعتداء وقع على متن الطائرة وأعلنت التحقيق في ملابساته. وتمكنت الطائرة من الهبوط بسلام، بينما نُقل أفراد من الطاقم إلى المستشفى.
ومع تطور التحقيقات، اتسعت الرواية المتداولة حول الحادث، خصوصاً بعد اتهامات بمحاولة السيطرة على الطائرة أو إسقاطها. لكن دوافع الحادث بقيت موضوع تحقيق، وحذرت شركة «فلاي دبي» من التكهن المبكر بشأن أسبابه وملابساته. وهنا بدأت مرحلة أخرى من القصة.
من مساعد الطيار إلى سلطنة عُمان
بحسب تحقيق «إيكاد» المنشور في 4 أكتوبر، لم يتوقف تداول الحادث عند هوية مساعد الطيار العُماني، بل بدأت منشورات وحسابات على منصات التواصل تربط بين جنسيته وبين سلطنة عُمان ومواقفها السياسية والإقليمية.
وتقول المنصة إن بعض الحسابات حاولت ربط عُمان بالإرهاب وإيران، قبل أن ينتقل الخطاب إلى شخصية أكثر تحديداً: مفتي السلطنة الشيخ أحمد الخليلي.
وهكذا، وفق تحليل «إيكاد»، انتقلت القصة تدريجياً من سؤال يتعلق بحادث أمني وجوي إلى سردية سياسية أوسع تتناول الدولة العُمانية ومواقفها من الصراع الإقليمي.
لماذا ظهر اسم مفتي عُمان؟
يحتل الشيخ أحمد الخليلي موقعاً بارزاً في المشهد الديني العُماني، كما أن مواقفه من الحرب في غزة والقضية الفلسطينية كانت حاضرة في خطابه العلني.
وبحسب «إيكاد»، بدأت حسابات ومنصات تعيد نشر مواقف قديمة للخليلي بشأن غزة وإسرائيل، ثم تربط تلك المواقف بحادث «فلاي دبي»، رغم عدم وجود ما يثبت، وفق المعطيات المتاحة، علاقة مباشرة بين المفتي والحادثة الجوية.
وتشير المنصة إلى أن بعض الحسابات التي أعادت طرح اسم الخليلي كانت في الأصل تحمل مواقف سلبية منه قبل وقوع الحادث، قبل أن تدخل وسائل إعلام إسرائيلية في إعادة تقديم القضية ضمن سياق أوسع.
الإعلام العبري يدخل على الخط
لم يقتصر تداول اسم الخليلي على منصات التواصل، إذ تشير المادة التي نشرها «إيكاد» إلى أن وسائل إعلام إسرائيلية تناولت الحادث من زاوية مواقف المفتي من إسرائيل وغزة.
ومن بين هذه الوسائل قناة «كان»، التي أعادت تقديم الحادث في سياق مواقف الخليلي، فيما نشرت صحيفة «إسرائيل هيوم» مادة ربطت كذلك بين المفتي ومواقفه من الحرب وحركة حماس.
وهنا، وفق قراءة «إيكاد»، تغيرت طبيعة السردية: لم يعد الحديث يدور فقط حول مساعد طيار عُماني متهم بالاعتداء داخل الطائرة، وإنما أصبح اسم مفتي السلطنة جزءاً من قصة سياسية وإعلامية أوسع.
من حادثة جوية إلى سردية سياسية
وبحسب ما وثقته «إيكاد»، اتخذت الرواية المتداولة مساراً متدرجاً بدأ بحادثة الطائرة المتجهة إلى تل أبيب، ثم انتقل إلى جنسية مساعد الطيار العُماني، ومنها إلى سلطنة عُمان وإيران، قبل أن يصل إلى مفتي السلطنة الشيخ أحمد الخليلي.
وترى المنصة أن هذا الانتقال لم يكن مجرد تزامن عشوائي في المنشورات، وإنما جاء ضمن حملة رقمية أعادت تدوير محتوى ومواقف سابقة وربطتها بالحادث الجديد، خصوصاً مواقف الخليلي من الحرب في غزة وإسرائيل.
ومع ذلك، يبقى من الضروري التمييز بين تتبع مسار انتشار رواية أو رصد تشابه الرسائل بين حسابات ومنصات مختلفة، وبين إثبات وجود جهة واحدة نسّقت بشكل مباشر جميع المشاركين في هذه الحملة، إذ إن تكرار المحتوى أو تداول الرسائل نفسها لا يكفي وحده لإثبات وجود تنسيق مركزي بينها.
المواقف من غزة تتحول إلى مادة للهجوم
أحد أبرز عناصر الحملة، وفق «إيكاد»، كان استحضار تصريحات ومواقف سابقة للشيخ أحمد الخليلي بشأن الحرب في غزة. فبدلاً من التعامل مع تلك المواقف باعتبارها مواقف سياسية ودينية مستقلة عن حادث الطائرة، أعادت حسابات ومنصات ربطها بالحادث، وصولاً إلى تحميل المفتي ما وصفته بعض المنشورات بـ«المسؤولية الأخلاقية والروحية» عما جرى.
وهذا الربط هو تحديداً ما يمنح القصة بعدها السياسي؛ إذ تتحول مواقف شخصية دينية من الحرب في غزة إلى عنصر في سردية تُبنى حول حادث أمني لا تزال التحقيقات بشأن دوافعه مستمرة.
ما الذي يمكن إثباته وما الذي يبقى ادعاء؟
المؤكد أن حادثاً خطيراً وقع على متن رحلة «فلاي دبي» في 30 سبتمبر، وأن الطائرة هبطت اضطرارياً في السعودية، وأن السلطات تحقق في الحادث ودوافعه. كما أن جنسية مساعد الطيار العُماني أصبحت محوراً رئيسياً في التغطية الإعلامية للحادث.
أما الربط بين الحادث وبين الشيخ أحمد الخليلي، فلا تظهر في المصادر التي أمكن التحقق منها أدلة تثبت أن المفتي كان له دور في الحادث أو أن هناك علاقة مباشرة بين مواقفه وبين ما وقع داخل الطائرة.
المسألة التي يوثقها تحقيق «إيكاد» مختلفة: كيف جرى إدخال اسم المفتي في السردية الإعلامية والرقمية بعد الحادث، وكيف أُعيد تداول مواقفه من غزة وإسرائيل ضمن هذا السياق.
معركة ثانية بعد الحادث
بهذا المعنى، لم تعد قصة «فلاي دبي» مجرد واقعة أمنية في الجو. فقد تحولت، على مستوى الخطاب الرقمي والإعلامي، إلى مساحة للصراع على تفسير الحادث وتحديد خلفياته وربطه بالتوترات السياسية في المنطقة.
ومن حادثة بدأت داخل قمرة قيادة طائرة، امتد النقاش إلى جنسية مساعد الطيار، ثم إلى سلطنة عُمان، ثم إلى إيران، قبل أن يصل إلى الشيخ أحمد الخليلي ومواقفه من غزة. وبينما تستمر التحقيقات الرسمية في تحديد دوافع حادث الطائرة وملابساته، يبقى السؤال الأهم في الجانب الرقمي: هل نحن أمام مجرد إعادة تدوير عفوية لمحتوى سياسي قديم، أم أمام حملة منظمة لإعادة تشكيل الرواية المحيطة بالحادث؟
تحقيق «إيكاد» يقدم قراءته لمسار هذه الحملة، لكن إثبات وجود تنسيق مركزي بين جميع الحسابات والمنصات المشاركة يحتاج إلى أدلة إضافية تتجاوز مجرد تشابه الرسائل وتتابعها الزمني.
اقرأ أيضاً
ثغرات أمنية في 3 دول سبقت محاولة اختطاف رحلة «فلاي دبي» إلى تل أبيب
«إنسانية في تبوك وصمت أمام أنقاض غزة».. مشهد الرعاية السعودية لركاب «فلاي دبي» يفجر سجال المعايير!
«شجار بالسكاكين على ارتفاع 34 ألف قدم».. كواليس ليلة الرعب على طائرة «فلاي دبي»!
مشاجرة بين الطيارين تجبر رحلة متجهة إلى إسرائيل على الهبوط اضطرارياً في السعودية

