وطن-حادثة «فلاي دبي» تعيد إلى الواجهة سؤالاً سبق أن طرحته المنطقة قبل سنوات: ماذا يحدث عندما تتحول واقعة أمنية إلى رواية سياسية جاهزة، ويبدأ توظيفها في إعادة تشكيل المزاج الإعلامي والسياسي تجاه دولة بعينها؟
المقارنة هنا لا تقوم على تشابه الحادثتين، فواقعة اختراق وكالة الأنباء القطرية عام 2017 تختلف جذرياً عن حادثة الطائرة الحالية، لكن القاسم المشترك الذي يستحق التوقف عنده هو الطريقة التي يمكن أن تنتقل بها حادثة أمنية من نطاقها الأصلي إلى مساحة أوسع من الاتهامات والاصطفافات والرسائل السياسية.
في عام 2017، تعرضت وكالة الأنباء القطرية للاختراق، ونُشرت على موقعها تصريحات منسوبة إلى أمير قطر، قالت الدوحة إنها مفبركة. وبعد أيام، أعلنت السعودية والإمارات والبحرين ومصر قطع العلاقات مع قطر وفرض إجراءات حصار ومقاطعة عليها. وفي خضم الأزمة، خلص تحقيق قطري إلى أن الوكالة تعرضت لاختراق إلكتروني، بينما نقلت صحيفة «واشنطن بوست» لاحقاً عن مسؤولين في الاستخبارات الأميركية أن الإمارات كانت وراء عملية الاختراق، وهو ما نفته أبوظبي.
أما اليوم، فالمشهد مختلف تماماً. طائرة تابعة لشركة «فلاي دبي» كانت متجهة إلى إسرائيل، قبل أن يتحول أحد أفراد طاقمها إلى مصدر للخطر داخل قمرة القيادة، وفق الرواية المتداولة حول الحادث، ويهاجم قائد الطائرة قبل أن يتمكن أفراد من الطاقم والركاب من السيطرة عليه، ثم تهبط الطائرة اضطرارياً في السعودية.
ولا تزال التحقيقات المتعلقة بالحادث وملابساته ودوافعه جارية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق فقط بما حدث داخل الطائرة، وإنما بما جرى بعد ذلك أيضاً: كيف تحولت الواقعة سريعاً إلى مادة للاتهامات والتحذيرات الأمنية والخطاب السياسي؟
فمع تداول جنسية مساعد الطيار العُماني، أصبحت سلطنة عُمان حاضرة بصورة غير مباشرة في السردية المحيطة بالحادث، وبدأت منشورات وتعليقات تربط بين الواقعة ومواقف مسقط الإقليمية، قبل أن يتوسع النقاش ليشمل قضايا أخرى أكثر حساسية.
وهنا تظهر المقارنة مع أزمة قطر عام 2017، ليس باعتبار أن الحدثين متشابهان، ولا باعتبار أن ما جرى في الدوحة يتكرر حرفياً في مسقط، وإنما من زاوية أوسع تتعلق بكيفية تحويل واقعة أمنية أو إعلامية إلى مادة يمكن استخدامها لإعادة تشكيل الرأي العام وبناء رواية سياسية تتجاوز تفاصيل الحادث الأصلي.
في أزمة قطر، تحولت التصريحات المفبركة المنسوبة إلى أمير البلاد بعد اختراق وكالة الأنباء إلى عنصر رئيسي في التصعيد السياسي الذي انتهى بقطع العلاقات وفرض الحصار. واليوم، يخشى منتقدون من أن تتحول حادثة الطائرة بدورها إلى مدخل لإعادة تقديم سلطنة عُمان في صورة مختلفة، من خلال ربطها باتهامات أو ملفات لا تثبتها الحادثة بحد ذاتها.
ويذهب بعض المتابعين إلى أبعد من ذلك، إذ يرون في المشهد الحالي محاولة لتهيئة الرأي العام لممارسة ضغوط أكبر على مسقط، بل ويطرحون فرضيات تتحدث عن دور إسرائيلي محتمل بالتواطؤ مع أطراف عربية. غير أن هذه الطروحات تظل، في حدود المعطيات المتاحة، فرضيات سياسية وإعلامية لا يمكن تقديمها باعتبارها حقائق من دون أدلة مستقلة تثبتها.
والفارق هنا مهم للغاية، لأن رصد التوظيف السياسي والإعلامي لحادثة ما لا يعني تلقائياً إثبات وجود جهة تقف خلفها أو تثبت وجود خطة متكاملة لاستهداف دولة بعينها. كما أن تزامن المنشورات أو تشابه الخطاب بين حسابات ومنصات مختلفة لا يكفي وحده لإثبات التنسيق بينها.
وفي المقابل، فإن ما يمكن ملاحظته بوضوح هو أن عُمان دخلت دائرة النقاش بسبب جنسية المتهم في حادثة الطائرة، ثم اتسعت السردية لتتناول سياستها الخارجية ومواقفها من ملفات إقليمية حساسة. ومع كل توسع في هذه الرواية، يصبح الفصل بين الوقائع المثبتة والاتهامات والتفسيرات السياسية أكثر أهمية.
وتحافظ سلطنة عُمان منذ سنوات على سياسة خارجية تقوم على قدر من الاستقلالية، وعلى لعب أدوار الوساطة والحوار في أزمات المنطقة. ولذلك فإن أي محاولة لفرض خيارات سياسية عليها من الخارج تصطدم قبل كل شيء بمسألة السيادة: من يقرر موقف عُمان؟ ومن يحدد علاقاتها وتحالفاتها وسياساتها الخارجية؟
الإجابة، في النهاية، يفترض أن تكون واضحة: القرار العُماني يصنعه العُمانيون، وليس الروايات التي تُبنى حولهم في وسائل الإعلام أو على منصات التواصل.
وبين حادثة «فلاي دبي» وأزمة وكالة الأنباء القطرية، قد لا يكون التشابه في الأحداث نفسها، بل في السؤال الذي تفرضه التجربتان: متى تتوقف الحادثة عن كونها حادثة، وتتحول إلى أداة لصناعة رواية سياسية أكبر منها؟
ذلك السؤال لا يجيب وحده عن الجهة التي تقف خلف أي حملة، لكنه يفرض ضرورة التعامل بحذر مع كل رواية تتجاوز الوقائع المثبتة، خصوصاً عندما تتحول حادثة أمنية واحدة إلى اتهامات واسعة تطال دولة بأكملها ومواقفها وسيادتها.
اقرأ المزيد
من الطائرة إلى المفتي.. كيف تحوّل حادث «فلاي دبي» إلى حملة على مفتي عُمان؟
عطل فني في مراقبة الحركة الجوية يشل مطارات بريطانيا ويتسبب في إلغاء أكثر من 400 رحلة جوية

