وطن-حذّرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» من أن آلاف الرجال والفتيان المشتبه بارتباطهم بتنظيم «داعش» يواجهون مخاطر جسيمة بعد نقلهم من شمال شرقي سوريا إلى العراق، تشمل مزاعم التعرض للتعذيب وسوء المعاملة، وأمراضاً خطيرة ووفيات أثناء الاحتجاز، فضلاً عن احتمال خضوع البالغين لمحاكمات لا تستوفي معايير المحاكمة العادلة وقد تنتهي بإصدار أحكام بالإعدام.
وتقدر المنظمة عدد المحتجزين الذين نُقلوا إلى العراق بنحو 5700 شخص، بينهم نحو 3500 سوري و2200 من العراق و65 دولة أخرى. وكان هؤلاء قد أمضوا فترات احتجاز وصلت إلى سبع سنوات ونصف في شمال شرقي سوريا، قبل أن تنقلهم القوات الأمريكية إلى العراق بين 21 يناير و12 فبراير 2026.
5704 محتجزين نُقلوا من سوريا إلى العراق
تقول «هيومن رايتس ووتش» إن القوات الأمريكية نقلت 5704 رجال وفتيان من السجون التي كانت تديرها قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرقي سوريا، بعدما أثارت المعارك في المنطقة مخاوف من احتمال فرار سجناء تنظيم «داعش».
وكان المحتجزون قد ظلوا لسنوات في ظروف وصفتها المنظمة بأنها تهدد الحياة، فيما لم تتم محاكمة أي من الأجانب أو توجيه اتهامات إليهم خلال فترة احتجازهم في سوريا.
وبحسب المنظمة، لم يكن العراق قد تلقى سوى مهلة قصيرة للاستعداد لاستقبال هذه الأعداد الكبيرة، في وقت وصل فيه أكثر من 1100 بالغ وهم يعانون أمراضاً خطيرة ومعدية، من بينها مرض السل. كما توفي أحد المحتجزين أثناء عملية النقل، فيما توفي 14 آخرون بعد وصولهم إلى العراق، على ما يبدو نتيجة حالات صحية خطيرة.
وأشارت المنظمة إلى أن ظروف الاحتجاز الأولى في العراق شملت زنزانات تعاني نقص التهوية ومرافق الصرف الصحي، لكنها قالت إن هذه الظروف تحسنت لاحقاً، وإن أطباء عراقيين بدأوا في تقديم علاجات متخصصة وتقييمات نفسية للأطفال.
مزاعم تعذيب وتحذيرات من المحاكمات
قالت «هيومن رايتس ووتش» إنها تلقت معلومات من ثلاثة مصادر بشأن ادعاءات خمسة محتجزين أجانب تعرضهم للتعذيب أثناء الاستجواب في العراق خلال عام 2026. وأكدت المنظمة أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من هذه المزاعم.
في المقابل، نفى مسؤولون قضائيون وسجنيون عراقيون وقوع سوء معاملة، وقال مسؤول قضائي إن أي شكوى تتعلق بالتعذيب يمكن إحالتها إلى الجهات القضائية المختصة للتحقيق.
وتتركز المخاوف الحقوقية أيضاً على المسار القضائي الذي ينتظر البالغين من المحتجزين، إذ تشير «هيومن رايتس ووتش» إلى أن قانون مكافحة الإرهاب العراقي لعام 2005 يفرض عقوبات تصل إلى الإعدام على جرائم وصفتها المنظمة بأنها واسعة التعريف، ما يثير مخاوف من إمكانية إصدار أحكام بالإعدام بحق بعض المحتجزين.
وتقول المنظمة إن محاكمات الإرهاب في العراق شهدت خلال السنوات الماضية مشكلات تتعلق بالحق في الدفاع، والتحقيق في ادعاءات التعذيب، والاعتماد على اعترافات يُشتبه في انتزاع بعضها تحت التعذيب، إضافة إلى استخدام معلومات من مخبرين سريين.
المنظمة: ضحايا «داعش» يستحقون العدالة والمتهمون محاكمة عادلة
وقالت ليتا تايلر، كبيرة مستشاري مكافحة الإرهاب في «هيومن رايتس ووتش»، إن الرجال والفتيان الذين نُقلوا إلى العراق «يستحقون معاملة إنسانية وإجراءات قانونية عادلة»، مؤكدة في الوقت نفسه أن الناجين من جرائم «داعش» يستحقون عدالة حقيقية.
وترى المنظمة أن محاسبة المسؤولين عن الجرائم الخطيرة يجب ألا تعني التخلي عن ضمانات المحاكمة العادلة، مشيرة إلى أن من تثبت مسؤوليته عن جرائم ارتكبها ينبغي أن يحاسب أمام محكمة تتوافر فيها الضمانات القانونية اللازمة.
كما أثارت المنظمة تساؤلات بشأن الاختصاص القضائي العراقي في حالة العديد من المحتجزين الأجانب، إذ لا يزال من غير الواضح عدد الذين سبق لهم دخول العراق أو ارتكبوا جرائم فيه أو خططوا لارتكابها.
دعوات للدول لاستعادة رعاياها
تضغط «هيومن رايتس ووتش» على الدول التي يحمل المحتجزون جنسياتها من أجل تحمل مسؤولياتها وعدم ترك مواطنيها في منظومة احتجاز وقضاء تواجه انتقادات حقوقية.
وتقول المنظمة إن العراق دعا الدول إلى استعادة مواطنيها الذين لا تثبت إدانتهم بارتكاب جرائم مرتبطة بالعراق، فيما ينبغي للدول التي لديها أدلة على ارتكاب مواطنيها جرائم أن تعمل على محاكمتهم وفق الضمانات القانونية.
لكن عدداً كبيراً من الحكومات لا يزال متردداً في إعادة مواطنيه، وسط مخاوف أمنية وسياسية وقانونية. ووفق المنظمة، لم يُعرف حتى الآن سوى طفلين من المحتجزين الذين نُقلوا إلى العراق وقد أعيدا إلى بلديهما، وكلاهما في أبريل 2026.
ملف «داعش» يعود إلى الواجهة بعد سنوات من سقوط التنظيم
تعود جذور هذا الملف إلى عام 2014، عندما سيطر تنظيم «داعش» على مناطق واسعة من العراق وسوريا، قبل أن تعلن بغداد عام 2017 استعادة السيطرة على الأراضي العراقية التي كان التنظيم يسيطر عليها. وفي سوريا، خسر التنظيم آخر معاقله الإقليمية عام 2019.
لكن نهاية السيطرة الإقليمية لـ«داعش» لم تُنهِ ملف مقاتليه والمشتبه بانتمائهم إليه. فقد بقي آلاف الرجال محتجزين في شمال شرقي سوريا، إلى جانب آلاف النساء والأطفال في مخيمات المنطقة، وسط خلافات دولية بشأن إعادة المواطنين الأجانب إلى بلدانهم.
وفي يناير 2026، أدت التطورات العسكرية في شمال شرقي سوريا إلى مخاوف من انهيار منظومة احتجاز عناصر التنظيم، الأمر الذي دفع القوات الأمريكية إلى نقل آلاف الرجال والفتيان إلى العراق.
العراق أمام معادلة معقدة
تضع القضية السلطات العراقية أمام معادلة صعبة تجمع بين محاسبة المتورطين في الجرائم التي ارتكبها تنظيم «داعش» وضمان حقوق المتهمين وعدم إخضاعهم للتعذيب أو لمحاكمات تفتقر إلى الضمانات القانونية.
وتقول «هيومن رايتس ووتش» إن نقل المحتجزين إلى العراق لا يمثل حلاً نهائياً للملف، ما لم ترافقه ضمانات واضحة للمعاملة الإنسانية، والتحقيق المستقل في ادعاءات التعذيب، وتوفير محامين، ومراجعة قانونية للاحتجاز، ومراقبة مستقلة للمحاكمات.
وبذلك، لا يقتصر التحدي على العراق وحده، بل يمتد إلى الدول التي لا تزال ترفض أو تؤجل استعادة مواطنيها، في وقت يواجه فيه آلاف المحتجزين مستقبلاً قانونياً وإنسانياً غامضاً بعد سنوات من الاحتجاز في سوريا.
اقرأ المزيد
انسحاب أمريكا من العراق يثير مخاوف كردية من فراغ أمني وهجمات إيرانية..
انسحاب آخر القوات الأمريكية من العراق.. الزيدي يحتفل بـ«يوم السيادة» وملف الميليشيات يطارد بغداد
من هو “جاك ليتس”؟ ولماذا ترفض كندا استعادة معتقليها من العراق؟

