وطن-استيقظ فؤاد، الفتى الفلسطيني البالغ من العمر 14 عاماً، فجر السبت في منزل والده بمدينة غزة، استعداداً للذهاب إلى المدرسة، لكنه تلقى بعد دقائق خبراً غيّر حياته بالكامل: والدته وجدته قُتلتا في غارة إسرائيلية استهدفت شقتهما السكنية غربي المدينة.
وبحسب ما أوردته صحيفة ميدل إيست آي، كانت ماري أبو داود ووالدتها ميساء من بين خمسة فلسطينيين قُتلوا في مبنى «الأصالة» السكني، بعدما تعرضت المنطقة لثلاث ضربات جوية قرابة الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، وفق ما نقلته الصحيفة عن السلطات الفلسطينية وممثلين عن الكنيسة في غزة. وكان والد فؤاد ينتظر استيقاظه ليخبره بما حدث، قبل أن يصطحبه مباشرة إلى المستشفى.
ويروي الفتى لحظات تلقيه الخبر بصوت مثقل بالصدمة، قائلاً إن والده أخبره عند وصولهما إلى المستشفى بأن والدته وجدته «استشهدتا»، وأن عليه أن يصلي من أجلهما. وأضاف أنه ذهب لرؤيتهما، لكنهما كانتا قد كُفنتا بالفعل.
انفجار أنهى حياة أم وابنتها
كان فؤاد يعيش مع والده بعد انفصال والديه، بينما كانت والدته وجدته تقيمان في الشقة التي تعرضت للقصف. وبحسب روايته لما سمعه عن اللحظات التي سبقت وفاتهما، قال إن قوة الانفجار دفعت والدته نحو الحائط، بينما اشتعلت النيران في جدته بعدما أصاب الصاروخ المنزل.
وقال الفتى، متحدثاً عن والدته: «اليوم فقدت أغلى إنسانة في حياتي. لا توجد كلمات يمكن أن تصف ما أشعر به».
ونُقل جثمانا ماري أبو داود ووالدتها ميساء لاحقاً إلى كنيسة القديس برفيريوس في مدينة غزة، حيث تجمع الأقارب وأفراد من المجتمع المسيحي في القطاع لإقامة صلاة الجنازة وتوديع الضحيتين.
وذكرت الصحيفة أن الكنيسة الفلسطينية عرّفت الضحيتين باسم ميساء خضر إبراهيم أبو داود، وماري حافظ ميشيل النجار. وكانت الأم وابنتها قد أمضتا جزءاً كبيراً من الحرب داخل كنيسة العائلة المقدسة الكاثوليكية، قبل انتقالهما إلى الشقة التي استُهدفت لاحقاً.
«كان مشهداً مرعباً»
لم يكن فؤاد وحده من عاش آثار الغارة. ففي المبنى نفسه، كان عماد كلاب، البالغ من العمر 30 عاماً، نائماً مع عائلته في الطابق الرابع عندما وقعت الضربات.
وقال كلاب لـ«ميدل إيست آي» إن ما حدث بدا وكأن «العالم كله انقلب رأساً على عقب»، مضيفاً أن الغبار والركام حجبا الرؤية، وأنه سارع إلى النزول بعدما سمع صرخات السكان الذين كانوا يطلبون النجدة.
وقال إنه رأى جيرانه بين الأنقاض، إلى جانب نساء وأطفال مصابين، بينما كانت النيران لا تزال مشتعلة.
وأوضح أن ماري ووالدتها كانتا من بين الضحايا الذين سقطوا في اللحظات الأولى، واصفاً جارتيه بأنهما كانتا معروفتين في المنطقة، ومشيراً إلى أن ماري كانت طبيبة متعاونة وأن والدتها كانت ودودة مع سكان الحي.
ووصف كلاب المبنى بأنه كان سكنياً ومكتظاً بالمدنيين، معتبراً أنه كان من المباني الهادئة والجميلة في المنطقة، قبل أن يتحول إلى موقع للدمار بعد القصف.
شهود يروون لحظات إخراج الضحايا من تحت الركام
كان ياسر أبو جبة، البالغ من العمر 19 عاماً، من سكان مبنى مجاور، ومن أوائل الذين وصلوا إلى موقع القصف. وشارك الشاب في إخراج المصابين والضحايا من تحت الركام، كما ساعد في إخماد النيران التي اندلعت عقب الاستهداف.
وقال أبو جبة إن حارس المبنى قُتل بشظايا الصاروخ بينما كان هاتفه لا يزال مفتوحاً، مشيراً إلى أنه كان يلعب لعبة «ببجي» لحظة وقوع القصف.
كما تحدث عن مشاهد قال إنه لا يستطيع نسيانها، من بينها مقتل إحدى الجارات المسيحيات وإصابة عدد من سكان المبنى والمنازل المجاورة، مضيفاً أن امرأة مسنة في مبنى قريب قُتلت أيضاً.
مسيحيو غزة أمام حرب لا تستثني أحداً
تضم غزة مجتمعاً مسيحياً صغيراً، يعيش أفراده وسط ظروف الحرب والنزوح والقصف. ومع استمرار الحرب، تعرضت عائلات مسيحية وأماكن عبادة لأضرار وهجمات، ما زاد من المخاوف التي تواجه هذه الأقلية في القطاع.
وبحسب «ميدل إيست آي»، أعربت بطريركية اللاتين في القدس عن حزنها العميق لمقتل ماري أبو داود ووالدتها ميساء، وقدمت تعازيها إلى عائلتيهما وإلى المجتمع المسيحي في غزة.
وتأتي الحادثة بعد وقائع أخرى طالت تجمعات مسيحية ومواقع دينية خلال الحرب. ففي أكتوبر 2023، أدى قصف مجمع كنيسة القديس برفيريوس إلى مقتل ما لا يقل عن 18 شخصاً كانوا يحتمون داخله، وفق ما أوردته الصحيفة.
وفي ديسمبر من العام نفسه، قالت بطريركية اللاتين إن امرأة وابنتها قُتلتا داخل مجمع رعية العائلة المقدسة.
وفي يوليو 2025، أسفرت غارة إسرائيلية على مجمع كنيسة العائلة المقدسة الكاثوليكية عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة آخرين، من بينهم كاهن الرعية الأب غابرييل رومانيلي، بحسب المصدر نفسه.
وقال جورج أنطون، مدير العمليات في بطريركية اللاتين في غزة، إن مقتل ماري ووالدتها ترك حزناً عميقاً بين العائلات المسيحية في القطاع.
وأقيمت مراسم الجنازة في كنيسة القديس برفيريوس، حيث اجتمع مسيحيون من غزة إلى جانب أصدقاء وأقارب مسلمين لتوديع الضحيتين.
«رأيت الكوب الذي كانت أمي تحبه»
لكن مأساة فؤاد لا تختصرها أرقام الضحايا ولا تفاصيل القصف، وبالنسبة إلى الفتى البالغ من العمر 14 عاماً، أصبحت الحرب مرتبطة الآن بغياب والدته وجدته، وبالأشياء الصغيرة التي تركتاها خلفهما.
عندما عاد إلى الشقة التي كانت والدته وجدته تعيشان فيها، رأى بين ما تبقى من الأغراض كوباً كانت والدته تحبه. وقال: «عدت لأرى المنزل الذي كانتا تعيشان فيه. رأيت الكوب الذي كانت أمي تحبه».
ثم عبّر عن الخوف الذي يعيشه سكان القطاع في ظل استمرار الحرب، قائلاً إن القصف لا يميز، من وجهة نظره، بين المسيحيين والمسلمين، وإن الجميع معرضون للخطر.
وختم حديثه بعبارة تعكس حجم الصدمة التي يعيشها: «لا أعرف إن كنت سأبقى حياً بعد هذه المقابلة».
اقرأ المزيد
مقتل أطفال في غزة مع تكثيف إسرائيل هجماتها خلال الساعات الـ24 الماضية
من تحت الركام إلى تحمل مسؤوليات الكبار.. مأساة أطفال غزة الناجين وحدهم
ضربة جبهة التهدئة: 9 شهداء في غارة إسرائيلية تفتح مجدداً ملف الاستهدافات داخل غزة

