وطن-حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق يائير لابيد من تآكل ما وصفها بالمعايير الأخلاقية داخل المجتمع الإسرائيلي، في ظل تصاعد خطاب يدعو إلى قتل الفلسطينيين في قطاع غزة أو اعتبارهم جميعاً أهدافاً مشروعة، قائلاً إن بعض الشباب الإسرائيليين باتوا يتبنون مواقف متشددة تجاه سكان القطاع.
وخلال مقابلة حديثة، تحدث لابيد عن لقاء جمعه بمجموعة من الشباب الإسرائيليين، قال إنه سمع خلاله عبارات من قبيل «يجب قتل الجميع» و«لا يوجد أبرياء في غزة». وعندما سألهم عما إذا كان موقفهم يشمل الأطفال، قال إن بعضهم أجاب بأن الأطفال أيضاً يجب أن يُقتلوا، بحجة أنهم سيكبرون ويصبحون «إرهابيين».
وأضاف لابيد أنه سألهم بصورة أكثر تحديداً عن طفل يبلغ من العمر أسبوعين، فجاءه الرد، وفق روايته، بأن ذلك يشمله أيضاً.
وقال لابيد تعليقاً على ما سمعه: «لقد انتصرت حماس»، معتبراً أن تبني مثل هذه المعايير يعني الوصول إلى النتيجة التي قال إن حركة حماس كانت تسعى إليها، وهي أن تصبح إسرائيل «مثلهم». وأكد في الوقت نفسه أنه يؤيد استخدام القوة ضد أعداء إسرائيل، لكنه شدد على ضرورة وجود حدود في طريقة استخدامها.
لابيد ينتقد صمت الحكومة عن خطاب التحريض
جاءت تصريحات لابيد في سياق انتقاده لخطاب بعض المسؤولين الإسرائيليين بشأن الحرب في غزة، ولا سيما الدعوات التي صدرت عن شخصيات سياسية لتشديد الضغط على القطاع وحرمان الفلسطينيين من الغذاء.
وبحسب لابيد، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بصورة إسرائيل في الخارج، وإنما أيضاً بما يحدث داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، إذ يرى أن عدم مواجهة الخطاب الذي يستهدف المدنيين ويعمم المسؤولية على سكان غزة يساهم في تغيير الحدود الأخلاقية للنقاش العام.
ورغم انتقاده لهذا الخطاب، وصف لابيد الحرب الإسرائيلية بأنها حرب «عادلة»، كما رفض الاتهامات الموجهة إلى إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة، ووصفها بأنها «هراء». لكنه قال في الوقت نفسه إن الأطفال لا ينبغي أن يموتوا في حروب يخوضها الكبار.
وتكشف هذه المواقف عن تمييز يطرحه لابيد بين حق إسرائيل في استخدام القوة، وبين الطريقة التي تُستخدم بها هذه القوة والخطاب المصاحب لها.
ماذا تقول استطلاعات الرأي عن مواقف الشباب؟
تأتي تصريحات لابيد في وقت تظهر فيه استطلاعات رأي حديثة مؤشرات على انتشار مواقف يمينية بين فئات الشباب الإسرائيلي.
ففي استطلاع أجرته مؤسسة «ميدغام» بالتعاون مع القناة 12 الإسرائيلية في سبتمبر/أيلول 2026، وشمل الناخبين الذين سيصوتون للمرة الأولى، قال 74% من المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و22 عاماً إنهم يعرفون أنفسهم بأنهم يمينيون أو يمين وسط، مقابل 23% قالوا إنهم يساريون أو يسار وسط. وتركز الاستطلاع على نحو 550 ألف شاب مؤهلين للتصويت للمرة الأولى.
لكن هذه النتيجة لا تعني أن 74% من جميع الشباب الإسرائيليين يؤيدون أحزاب اليمين أو اليمين المتطرف؛ فهي تقيس الهوية السياسية المعلنة لدى فئة الناخبين للمرة الأولى.
وفي الاستطلاع نفسه، توزعت اختيارات المشاركين بين عدد كبير من الأحزاب، إذ حصل حزب «يشَر» الذي يقوده غادي أيزنكوت على 16%، وحزب الليكود على 14%، بينما حصل حزب «معاً» بقيادة نفتالي بينيت على 10%. أما «الصهيونية الدينية» فحصلت على 6%، و«عوتسما يهوديت» بزعامة إيتمار بن غفير على 5%.
وهذه الأرقام توضح أن ارتفاع نسبة من يعرّفون أنفسهم بأنهم يمين أو يمين وسط لا يساوي بالضرورة نسبة التأييد المباشر لأحزاب اليمين المتطرف.
«لا يوجد أبرياء في غزة».. ماذا أظهر استطلاع 2025؟
وكان استطلاع أجراه مركز «إيه كورد» التابع للجامعة العبرية في القدس، ونُشرت نتائجه في يونيو/حزيران 2025، قد وجد أن 64% من الإسرائيليين المشاركين وافقوا بدرجة كبيرة على عبارة «لا يوجد أبرياء في غزة».
وشمل الاستطلاع عينة تمثيلية من 1112 إسرائيلياً، وأظهرت نتائجه تفاوتاً واضحاً وفق الانتماء السياسي؛ إذ بلغت نسبة الموافقة بدرجة كبيرة 87% بين مؤيدي الائتلاف الحكومي، مقابل 30% بين المصنفين ضمن اليسار، بينما رفض 92% من المواطنين العرب في إسرائيل العبارة.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية عند مقارنتها بما رواه لابيد عن لقائه بالشباب، لكنها لا تثبت أن الآراء التي سمعها خلال ذلك اللقاء تمثل جميع الشباب الإسرائيليين، كما لا يمكن تحويل نتيجة الاستطلاع إلى حكم موحد على المجتمع الإسرائيلي بأكمله.
من خطاب الحرب إلى تغير النظرة إلى الفلسطينيين
يركز لابيد في حديثه على جانب يتجاوز العمليات العسكرية نفسها، وهو تأثير الحرب المستمرة في غزة على الخطاب السياسي والاجتماعي داخل إسرائيل.
فمع استمرار الحرب، أصبحت قضايا مثل التمييز بين المقاتلين والمدنيين، وحدود استخدام القوة، ووضع الأطفال، والمساعدات الإنسانية، موضوعاً للنقاش داخل إسرائيل وخارجها.
وفي هذا السياق، يرى لابيد أن الخطر لا يكمن فقط في التصريحات الصادرة عن بعض السياسيين، بل في تحول بعض الأفكار التي كانت مثار جدل إلى مواقف يعبّر عنها أشخاص أصغر سناً بصورة أكثر مباشرة.
لكن من الناحية الإحصائية، تبقى مواقف المجتمع الإسرائيلي متنوعة، كما تظهرها الفروق الكبيرة بين التيارات السياسية والفئات المختلفة في استطلاعات الرأي.
حادثة أثارت الجدل حول خطاب الكراهية
وتطرقت التقارير التي تناولت تصريحات لابيد أيضاً إلى مقطع مصور ظهر فيه شاب إسرائيلي وهو يعلن رغبته في قتل العرب، قبل أن يطلب والداه حذف المقطع من حسابات الكوميدي الإسرائيلي ليئور شلاين.
ووفق الرواية التي نقلتها التقارير، كتب شلاين أن والدي الشاب تواصلا معه بعد انتشار المقطع وطلبا حذفه، موضحين أنهما صُدما من كلام ابنهما.
وتأتي هذه الواقعة ضمن نقاش أوسع حول أثر الحرب والخطاب السياسي والإعلامي في طريقة تعبير بعض الإسرائيليين عن مواقفهم تجاه الفلسطينيين والعرب.
الحرب تغيّر النقاش داخل إسرائيل
ولا يقتصر الجدل على مواقف الشباب أو الخطاب السياسي، بل يمتد أيضاً إلى النقاش بشأن الحرب نفسها، والأهداف التي ينبغي أن تحققها إسرائيل، ومستقبل الأسرى المحتجزين في غزة، والعلاقة مع المجتمع الدولي.
وفي هذا السياق، سبق أن أظهرت استطلاعات إسرائيلية تباينات كبيرة في المواقف من استمرار الحرب ومن التقارير المتعلقة بالوضع الإنساني في غزة.
كما أظهر استطلاع الجامعة العبرية لعام 2025 أن 77% من المشاركين اعتبروا الرأي العام العالمي بشأن إسرائيل أمراً مهماً إلى حد ما أو مهماً جداً، ما يشير إلى أن صورة إسرائيل الدولية نفسها أصبحت جزءاً من النقاش الداخلي.
وبالنسبة إلى لابيد، فإن الحفاظ على التفوق العسكري لا يكفي وحده، إذ يرى أن الطريقة التي تتعامل بها إسرائيل مع المدنيين والخطاب الذي يرافق الحرب يحددان أيضاً طبيعة المجتمع الذي ستخرج به إسرائيل من هذه الحرب.
وتعيد تصريحاته فتح نقاش أوسع داخل إسرائيل حول حدود القوة، ومكانة المدنيين في زمن الحرب، وتأثير الحرب الطويلة في الأجيال الشابة، وما إذا كانت اللغة المستخدمة في مواجهة الفلسطينيين ستبقى محصورة في الخطاب السياسي، أم تتحول إلى جزء أكثر رسوخاً من الثقافة العامة.
اقرأ المزيد
خلف الحبتور ينتقد تصريحات بن غفير عن قتل الفلسطينيين ويتساءل عن جدوى السلام مع إسرائيل
موجة هدم إسرائيلية في الضفة الغربية تهجّر مئات الفلسطينيين تمهيداً لتوسيع السيطرة الميدانية
تصويت مرتقب في مجلس الشيوخ لمحاسبة إسرائيل على مقتل 9 أميركيين في الضفة الغربية
وزراء إسرائيليون يطرحون خططاً لتشجيع هجرة الفلسطينيين من غزة.. وإدانات دولية واسعة

