وطن-لم يكن ركاب رحلة «فلاي دبي» المتجهة من دبي إلى تل أبيب يتوقعون أن تتحول رحلتهم خلال دقائق إلى حادث أمني وجوي شديد الخطورة، يبدأ بشجار داخل قمرة القيادة وينتهي بهبوط اضطراري في السعودية.
كانت الطائرة تحلق في طريقها المعتاد عندما بدأت الارتفاعات تتغير بصورة مفاجئة. ثم ظهر رمز الطوارئ 7700، قبل أن يتحول بعد دقائق إلى الرمز 7500، الذي يشير في الطيران إلى وجود تدخل غير مشروع في الطائرة ويُستخدم عادة في حالات الاشتباه بالاختطاف. في تلك اللحظة، لم تعد الرحلة مجرد رحلة مدنية عادية.
الطائرة فقدت آلاف الأقدام من ارتفاعها خلال فترة وجيزة، واشتعلت حالة استنفار لدى السلطات الإسرائيلية، فيما بدأت الطائرة تغير مسارها بعيداً عن وجهتها الأصلية، لتنتهي رحلتها في مطار تبوك شمال غربي السعودية.
لكن ما الذي حدث داخل قمرة القيادة؟ هنا تبدأ الرواية الأكثر إثارة، والأكثر حساسية في الوقت نفسه.
من 7700 إلى 7500.. لحظة تغير كل شيء
أقلعت الرحلة «إف زد 1073» من دبي في الساعات الأولى من 30 سبتمبر/أيلول، متجهة إلى تل أبيب وعلى متنها 174 راكباً، وفق بيانات وتقارير لاحقة. وبعد نحو ساعتين من الإقلاع، بدأت الطائرة في فقدان الارتفاع بصورة حادة. وتشير بيانات تتبع الرحلة إلى أنها هبطت بنحو 14 ألف قدم خلال أقل من 30 ثانية، قبل أن تستعيد جزءاً من ارتفاعها وتستقر نسبياً.
وفي الساعة 5:31 بتوقيت غرينتش تقريباً، ظهر رمز 7700، وهو رمز الطوارئ العام. وبعد نحو سبع دقائق، تحول الرمز إلى 7500، الذي يعني وجود «تدخل غير مشروع» في الطائرة. كان ذلك كافياً لرفع مستوى الإنذار.
فبالنسبة إلى مراقبي الحركة الجوية وأجهزة الأمن، فإن ظهور الرمز 7500 على طائرة متجهة إلى إسرائيل، في ظل فقدان مفاجئ للارتفاع وتذبذب في مسارها، يعني أن احتمال وجود محاولة للسيطرة على الطائرة لا يمكن تجاهله. ثم انقطع تتبع الطائرة لفترة في بعض أنظمة الرصد، قبل أن تعود إلى الظهور وتتجه نحو السعودية.
مقاتلات إسرائيلية تدخل المشهد
مع وصول إشارات الخطر، بدأت إسرائيل تتعامل مع الحادث باعتباره احتمالاً أمنياً خطيراً. وأفادت تقارير بأن مقاتلات إسرائيلية أقلعت للتحقق من وضع الطائرة، في وقت كانت فيه الأجهزة الأمنية تستعد لأسوأ الاحتمالات، خصوصاً أن الرحلة كانت متجهة إلى تل أبيب وعلى متنها عدد كبير من الإسرائيليين. لكن الطائرة لم تدخل المجال الجوي الإسرائيلي.
بدلاً من ذلك، واصلت مسارها نحو السعودية، قبل أن تهبط اضطرارياً في مطار تبوك عند نحو الساعة 9:45 صباحاً بالتوقيت المحلي، بحسب سلطات المطار. وهناك، بدأت فصول جديدة من القصة.
فقد نُقل قائدا الطائرة إلى المستشفى لتلقي العلاج، بينما جرى تأمين الركاب ونقلهم لاحقاً إلى إسرائيل على متن طائرة بديلة. وأكدت السلطات أن جميع الركاب وأفراد الطاقم نجوا من الحادث.
ماذا حدث داخل قمرة القيادة؟
جاءت الرواية التي غيرت طبيعة الحادث من الجانب الإسرائيلي. وقال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن أحد الطيارين طعن الآخر داخل قمرة القيادة، ثم بدا أنه حاول إسقاط الطائرة بمن عليها. وبحسب الرواية التي نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية ودولية، فإن مساعد الطيار العُماني هاجم قائد الطائرة الهندي، ما أدى إلى إصابته بجروح، ثم دخلت الطائرة في هبوط حاد.
وفي خضم الفوضى، تمكن القائد المصاب من فتح باب قمرة القيادة، ما أتاح لركاب وأفراد من الطاقم الوصول إلى الداخل والسيطرة على مساعد الطيار، بينما تولى طياران إضافيان كانا على متن الرحلة مهمة استعادة السيطرة على الطائرة والهبوط بها في تبوك.
ووصفت السلطات الإسرائيلية ما حدث بأنه محاولة لإسقاط الطائرة، بينما تحدث وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن «محاولة هجوم إرهابي». لكن هنا تظهر نقطة مهمة: هذه توصيفات واتهامات صادرة عن مسؤولين إسرائيليين، وليست نتيجة نهائية للتحقيق.
ركاب يقتحمون قمرة القيادة
في واحدة من أكثر لحظات الرحلة توتراً، تحدث ركاب عن اندفاعهم نحو قمرة القيادة بعد أن أدركوا أن الطائرة لم تعد تحت السيطرة الطبيعية. ونقلت تقارير عن ركاب أن الطائرة بدأت تهبط بصورة مخيفة، وأن أشخاصاً في مقدمة المقصورة تحركوا نحو قمرة القيادة بعد أن أدركوا أن هناك مشكلة خطيرة.
وقالت إحدى الراكبات إن الطائرة بدت وكأنها «خارجة عن السيطرة»، بينما تحدث ركاب آخرون عن صراخ وفوضى داخل المقصورة. وبحسب الرواية الإسرائيلية، تمكن أحد الركاب، بمساعدة أحد أفراد الطاقم، من الوصول إلى قمرة القيادة والمساهمة في إخضاع المهاجم.
وأشاد نتنياهو بالركاب وأفراد الطاقم الذين تدخلوا، معتبراً أن تصرفهم ساهم في منع كارثة أكبر. وهكذا أصبحت قمرة القيادة، التي يفترض أن تكون أكثر أجزاء الطائرة عزلة وتأميناً، ساحة مواجهة بين اثنين من أفراد طاقم القيادة أنفسهم.
طائرة تهبط في السعودية بدلاً من إسرائيل
بعد استعادة السيطرة، كان القرار واضحاً: لا يمكن مواصلة الرحلة إلى تل أبيب. اختار الطاقم الهبوط في تبوك، حيث تمكنت الطائرة من الوصول بسلام رغم الإصابات والأضرار التي لحقت بأحد أفراد الطاقم. ونقلت سلطات مطار تبوك قائد الطائرة ومساعده إلى المستشفى، بينما بقي الركاب في المطار قبل أن يتم نقلهم لاحقاً إلى تل أبيب على متن رحلة بديلة.
وأكدت «فلاي دبي» أن طاقمها تمكن من تأمين الطائرة وتحويل مسارها والهبوط بها بأمان، وقالت إن جميع الركاب وأفراد الطاقم بخير. لكن الشركة كانت حذرة للغاية في وصف ما حدث، مؤكدة أن الأسباب والدوافع لا تزال مجهولة وتخضع لتحقيق رسمي، وداعية إلى عدم استباق نتائج التحقيق.
هل كان الأمر اختطافاً أم هجوماً متعمداً؟
هنا تكمن أكثر نقاط القصة حساسية، ظهور الرمز 7500 يعني وجود تدخل غير مشروع، لكنه لا يكشف وحده عن هوية المتسبب أو دوافعه. أما محاولة السيطرة على الطائرة وإسقاطها، فهي الرواية التي قدمها مسؤولون إسرائيليون استناداً إلى ما جرى داخل قمرة القيادة. وفي الوقت نفسه، لم تكن هناك حتى الآن نتيجة نهائية معلنة تحدد الدافع.
وقال نتنياهو إنه من السابق لأوانه تحديد الأسباب، وإن التحقيق سيبحث في خلفية المهاجم وما إذا كان هناك أي أشخاص آخرين يقفون وراء ما حدث. كما قالت النيابة العامة في دولة الإمارات إن التحقيق سيجمع المعلومات والأدلة لتحديد حقيقة الواقعة وظروفها وتفاصيلها ودوافعها، بما في ذلك التحقق مما إذا كان لها ارتباط بأي نشاط أو غرض إرهابي، أو ما إذا كان هناك تخطيط مسبق أو توجيه من جهة أخرى.
وهذا يعني أن السؤال الأخطر لم يُحسم بعد: هل كان ما حدث فعلاً محاولة متعمدة لإسقاط الطائرة، وما الدافع وراءها؟
مساعد طيار عُماني في قلب التحقيق
قال مسؤول إسرائيلي لوكالة «رويترز» إن الشخص الذي يُشتبه في تنفيذه الهجوم يحمل الجنسية العُمانية. وبحسب التقارير، أصبح مساعد الطيار محور التحقيقات بعد هبوط الطائرة في السعودية، بينما تلقى قائد الطائرة، وهو مواطن هندي، العلاج من إصاباته.
لكن جنسية مساعد الطيار وحدها لا تقدم تفسيراً لما حدث، كما أن أي ربط بين الواقعة وجهة أو تنظيم أو دافع سياسي لا يزال بحاجة إلى أدلة ونتائج تحقيق رسمية.
وهذا تحديداً ما يجعل الحادث أكثر تعقيداً: فبينما سارعت شخصيات إسرائيلية إلى الحديث عن احتمال وجود خلفية إرهابية، بقيت الجهات المختصة أمام مهمة تحديد ما إذا كان الحادث نتيجة فعل متعمد ذي دوافع أمنية، أم أن هناك تفسيراً آخر.
من رحلة عادية إلى واحدة من أخطر دقائق الطيران
في غضون دقائق، انتقلت الرحلة من مسار جوي اعتيادي إلى سيناريو شديد التعقيد: فقدان مفاجئ للارتفاع، رمز طوارئ، ثم رمز تدخل غير مشروع، اشتباك داخل قمرة القيادة، إصابة أحد الطيارين، تدخل ركاب وطاقم، استنفار أمني ومقاتلات إسرائيلية، ثم هبوط اضطراري في دولة لم تكن ضمن مسار الرحلة.
والأكثر إثارة أن كل ذلك حدث بينما كان مئات الأشخاص على الأرض يتابعون إشارات الرحلة ويشاهدون مسارها يتغير بصورة غير طبيعية، لكن النهاية كانت مختلفة عن السيناريو الأسوأ.
وقائد الطائرة، رغم إصابته، تمكن من المساعدة في فتح قمرة القيادة، فيما ساهم ركاب وأفراد من الطاقم في السيطرة على الموقف. أما السؤال الذي لم يجد إجابة نهائية بعد، فهو ما الذي دفع مساعد الطيار إلى مهاجمة زميله، وهل كان هدفه فعلاً إسقاط الطائرة أم أن التحقيقات ستكشف رواية أخرى.
وبين دبي وتل أبيب، مرت الرحلة «إف زد 1073» بلحظات بدت أقرب إلى مشهد من فيلم أكشن في السماء؛ إلا أن ما حدث داخل تلك الطائرة لم يكن سيناريو سينمائياً، بل واقعة حقيقية لا تزال تفاصيلها ودوافعها قيد التحقيق.
اقرأ المزيد
مشاجرة بين الطيارين تجبر رحلة متجهة إلى إسرائيل على الهبوط اضطرارياً في السعودية
«شجار بالسكاكين على ارتفاع 34 ألف قدم».. كواليس ليلة الرعب على طائرة «فلاي دبي»!

