وطن-تتصاعد في مصر المخاوف بشأن مصير عدد من الصحفيين بعد توقيف أعضاء من فريق منصة «متصدقش» المتخصصة في التحقق من المعلومات، في وقائع أعادت إلى الواجهة ملف احتجاز الصحفيين والقيود المفروضة على العمل الصحفي المستقل.
بدأت القضية في 28 سبتمبر/أيلول 2026، عندما أوقفت قوات أمنية الصحفيين محمد أشرف وعبدالله قدري، وفق ما أعلنته منصة «متصدقش» ومصادر نقابية وحقوقية. وبحسب الروايات المتداولة حول الواقعة، جرت مداهمة منزلي الصحفيين، وصودرت هواتف وأجهزة كمبيوتر، فيما اقتيدا إلى جهة لم يكن مكانها معروفاً في الساعات الأولى التي أعقبت توقيفهما.
وأثارت هذه التطورات قلقاً داخل نقابة الصحفيين المصرية، التي طالبت بالكشف عن ملابسات القبض على الصحفيين ومكان احتجازهما، وبضمان حصولهما على حقوقهما القانونية. ومع غياب معلومات رسمية واضحة في البداية بشأن أسباب التوقيف أو الاتهامات الموجهة إليهما، اتسعت دائرة التساؤلات حول مصيرهما والوضع القانوني الذي يخضعان له.
ولم تبق القضية محصورة في أشرف وقدري، إذ تحدثت مصادر نقابية وحقوقية لاحقاً عن توقيف أربعة صحفيين آخرين من فريق «متصدقش»، هم إسلام بركات وعمر هلال ومحمد محمود ومحمد عادل، لتتسع بذلك القضية من احتجاز صحفيين اثنين إلى توقيف ستة من العاملين في المنصة.
وتعمل «متصدقش» في مجال التحقق من الأخبار والمعلومات، وقد عُرفت بتدقيق الادعاءات المتداولة وتصحيح المعلومات التي تعتبرها مضللة. ومع توقيف عدد من أعضاء فريقها خلال فترة زمنية قصيرة، أصبحت القضية مرتبطة ليس فقط بمصير أفراد، وإنما أيضاً بالأسئلة الأوسع المتعلقة بقدرة الصحفيين ومنصات التحقق المستقلة على ممارسة عملها في مصر.
وتعيد هذه الوقائع إلى الواجهة نمطاً سبق أن ظهر في حالات أخرى لصحفيين، حيث لا تقتصر المخاوف على عملية القبض نفسها، وإنما تمتد إلى الفترة التي تليها، عندما تتأخر المعلومات بشأن مكان الاحتجاز والأساس القانوني للتوقيف وموعد المثول أمام جهات التحقيق.
ومن بين الحالات التي سبقت هذه التطورات قضية الصحفي المصري حيدر قنديل. فقد أُلقي القبض عليه في 22 يونيو/حزيران 2026، بحسب مصادر حقوقية، قبل أن يظهر أمام نيابة أمن الدولة العليا في يوليو/تموز، بعد فترة أثارت خلالها أسرته ومصادر حقوقية تساؤلات بشأن مكان وجوده ووضعه القانوني. وتقول مصادر حقوقية إن قنديل اقتيد بعد توقيفه إلى مكان غير معلن، قبل أن يظهر لاحقاً أمام جهة التحقيق.
وتطرح مثل هذه الحالات سؤالاً يتجاوز كل واقعة منفردة: هل أصبح الغموض الذي يحيط بمكان احتجاز الصحفيين وإجراءات التحقيق معهم جزءاً متكرراً من المشهد الإعلامي والحقوقي في مصر؟
منظمة «مراسلون بلا حدود» ترى أن البيئة التي يعمل فيها الصحفيون المصريون لا تزال شديدة التقييد. وفي مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026، جاءت مصر في المرتبة 169 من أصل 180 دولة، بينما تشير المنظمة إلى وجود 18 صحفياً محتجزاً في البلاد وفق بياناتها. كما تتحدث المنظمة عن استمرار الاعتقالات والمداهمات والاحتجازات التي تطال صحفيين، إلى جانب أشكال أخرى من الضغط على وسائل الإعلام.
ولا تعني هذه الأرقام، بطبيعة الحال، أن كل حالة توقيف مرتبطة بالعمل الصحفي أو أن كل واقعة تشكل اختفاءً قسرياً؛ فكل حالة تحتاج إلى تحديد وضعها القانوني والاطلاع على الاتهامات والإجراءات التي اتخذتها السلطات بحق المعنيين بها. لكن تكرار حالات توقيف الصحفيين، وخصوصاً عندما يترافق ذلك مع غياب المعلومات في الساعات أو الأيام الأولى، يجعل القضية جزءاً من نقاش أوسع حول حرية الصحافة وضمانات العمل الإعلامي في مصر.
وفي حالة محمد أشرف وعبدالله قدري، يبقى الجانب الأكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى زملائهما وعائلتيهما هو غياب المعلومات الكافية حول مكان وجودهما والإجراءات القانونية المتخذة بحقهما، في وقت تطالب فيه نقابة الصحفيين بالكشف عن الملابسات وضمان حقوقهما.
وتتحول المفارقة هنا إلى صورة تختصر القضية بأكملها: الصحفي الذي اعتاد البحث عن المعلومات والتحقق منها، يصبح هو نفسه الخبر الذي يبحث الآخرون عن تفاصيله. ومن سؤال «ماذا نشر؟» ينتقل الاهتمام إلى سؤال أكثر إلحاحاً: أين محمد أشرف وعبدالله قدري، وما الذي حدث لهما منذ لحظة اقتيادهما؟
وبينما تتواصل المطالبات بالكشف عن مصير الصحفيين المحتجزين، تظل الإجابة الرسمية عن أسباب توقيفهم والإجراءات المتخذة بحقهم هي العنصر الحاسم في تحديد مسار القضية، وفي معرفة ما إذا كانت هذه الاعتقالات ستبقى حالات منفردة أم ستضيف فصلاً جديداً إلى الجدل المستمر حول حرية الصحافة في مصر.
اقرأ المزيد
«بلا تجاوزات أم بلا محاسبة؟».. كواليس 3 قضايا تعذيب صدمت الرأي العام في مصر!
41 احتجاجًا في 4 أشهر.. أجور ناقصة تشعل غضب العمال في مصر
خالد سعيد يعود إلى الواجهة.. هل تعيد قضية دينا عزت فتح جرح أزمة الثقة في مصر؟
«حراك أكتوبر البداية» في مصر.. إضرابات داخل السجون وتحركات احتجاجية في بدر

