وطن-من دعم «رؤية 2030» والتعبير عن تأييده للقيادة السعودية، إلى الظهور من خارج المملكة والحديث عن مخاوف على حياته وحياة أسرته.. هكذا تحولت قصة المهندس السعودي حسام العسيري خلال أسابيع إلى واحدة من أكثر الروايات إثارة للجدل على منصات التواصل.
العسيري، الذي كان يقدم نفسه في حسابه على منصة «إكس» باعتباره مهندسًا صناعيًا ومؤيدًا لولي العهد السعودي محمد بن سلمان و«رؤية 2030»، ظهر خلال أغسطس وسبتمبر 2026 في سلسلة من التسجيلات والمنشورات التي وجّه فيها اتهامات خطيرة إلى شخصيات سعودية، من بينها محمد بن سلمان والمستشار السابق في الديوان الملكي سعود القحطاني.
لكن ما يطرحه العسيري يظل، حتى الآن، رواية منسوبة إليه، ولم يظهر تحقيق مستقل منشور يثبت الاتهامات التي أوردها أو يتحقق من الوثائق والتسجيلات التي يقول إنه يمتلكها. كما لم يظهر في المصادر التي تمت مراجعتها رد سعودي رسمي تفصيلي على مجمل ما طرحه.
من مؤيد للقيادة إلى رواية عن الخوف والمغادرة
لم يبدأ العسيري قصته من موقع معارض تقليدي. فالأرشيف المتاح لحسابه يظهر لسنوات خطابًا مؤيدًا للقيادة السعودية، مع تركيز على «رؤية 2030» وولي العهد محمد بن سلمان، قبل أن يتغير مضمون منشوراته خلال الأشهر الأخيرة.
وفي أغسطس، ظهر من خارج السعودية معلنًا مغادرته المملكة، ومتحدثًا عن مخاوف تتعلق بسلامته وسلامة أفراد أسرته.وبحسب روايته، فإن خروجه لم يكن نهاية القصة، بل بداية مرحلة جديدة قرر خلالها نشر ما يقول إنه يعرفه عن ملفات وشخصيات داخل دوائر السلطة.
العسيري: لا أريد أن يكتب الآخرون قصة اختفائي
اللافت في تسجيلات العسيري أنه لم يكتفِ بإطلاق اتهامات عامة، بل حاول، بحسب ما يظهر في منشوراته، بناء رواية مسبقة لما قد يحدث إذا تعرض للاختفاء أو القتل أو الاختطاف. ويقول إنه نشر معلوماته وتسجيلاته حتى لا تُترك مهمة تفسير ما حدث له، في حال وقوع مكروه، لجهة أخرى.
هذه النقطة أصبحت محورًا أساسيًا في ظهوره الإعلامي؛ فهو لا يقدم ما ينشره باعتباره مجرد خلاف شخصي، بل يقول إنه يريد أن يترك أمام الرأي العام رواية موثقة مسبقًا، إلى جانب ما يصفه بأنه معلومات ووثائق وتسجيلات يمكن فحصها.
اتهامات تطال القحطاني وابن سلمان
في تسجيلاته ومنشوراته، ذكر العسيري أسماء من بينها محمد بن سلمان وسعود القحطاني، وربطهما بما يقول إنها وقائع وملفات حساسة. كما تحدث عن قضايا وصفها بالخطيرة، بينها القتل والاختطاف والمخدرات، وقال إنه يمتلك معلومات أو أدلة مرتبطة بما يطرحه.
غير أن هذه الاتهامات لم تُثبت من خلال تحقيق مستقل منشور، ولذلك فإنها تبقى في إطار ادعاءات العسيري وروايته الشخصية، ولا يمكن تحويلها صحفيًا إلى حقائق ثابتة لمجرد انتشارها على منصات التواصل.
«ربط الحلقات».. لماذا يواصل النشر؟
في 25 سبتمبر، واصل العسيري نشر مواد قال إنها جزء مما سماه «ربط الحلقات» المتعلقة بالديوان، بما يشير إلى أنه ينظر إلى ما ينشره باعتباره سلسلة مترابطة وليست واقعة منفردة.
وخلال الأسابيع الماضية، تكررت منشوراته وتسجيلاته التي تتناول تجربته السابقة، وعلاقاته التي يقول إنها كانت موجودة داخل دوائر حكومية، إضافة إلى تحذيراته بشأن سلامته.
وتشير تقارير صحفية تناولت قصته إلى أن ظهوره المتواصل أثار نقاشًا واسعًا، خصوصًا بسبب انتقال خطابه من التأييد العلني للقيادة إلى توجيه اتهامات مباشرة إلى شخصيات مرتبطة بها.
أين تنتهي الرواية وتبدأ الأدلة؟
هنا تكمن النقطة الأكثر حساسية في قصة العسيري، فالادعاءات التي يطرحها تتعلق بشخصيات ومؤسسات شديدة الحساسية، وبعضها يرتبط باتهامات جنائية بالغة الخطورة. وفي المقابل، فإن نشر تسجيل أو وثيقة عبر منصة اجتماعية لا يكفي وحده لإثبات مضمونها أو سياقها أو صحة ما يُقال عنها.
لذلك فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بما يقوله العسيري، وإنما بما إذا كانت الوثائق والتسجيلات التي يقول إنه يحتفظ بها قابلة للتحقق المستقل، وما إذا كانت هناك جهة مستقلة قادرة على فحصها وإعلان نتائجها. وفي الوقت نفسه، فإن غياب رد رسمي تفصيلي على كل اتهام لا يمكن اعتباره دليلًا على صحتها، كما لا يشكل بحد ذاته دليلًا على عدم صحتها.
قصة لم تنتهِ بعد
حتى الآن، يبدو أن العسيري اختار تحويل خوفه المعلن على حياته إلى رواية مفتوحة أمام الجمهور، عبر سلسلة من التسجيلات والمنشورات التي يقول إنها ستكشف، تدريجيًا، مزيدًا من التفاصيل. وبينما تتداول حسابات ومواقع سياسية روايته باعتبارها شهادة من شخص كان قريبًا من دوائر السلطة، تظل الوقائع التي يمكن إثباتها بصورة مستقلة أقل بكثير من حجم الاتهامات المتداولة.
ولهذا، فإن التطور الأهم في هذه القضية لن يكون بالضرورة تسجيلًا جديدًا أو اتهامًا إضافيًا، وإنما ظهور أدلة قابلة للفحص أو تحقيق مستقل يحدد ما الذي يمكن إثباته مما يقوله حسام العسيري، وما الذي يبقى مجرد ادعاءات لم تُحسم بعد.
اقرأ المزيد
مهندس سعودي يعلن خروجه من المملكة: “حياتي في خطر”.. ماذا يعرف عن ملفات بن سلمان والقحطاني؟

