وطن-في شمال إثيوبيا، تعود الحرب إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة وسط مشهد إقليمي أكثر تعقيداً تتداخل فيه جبهة تيغراي مع الحرب السودانية وشبكات الإمداد العسكري في منطقة القرن الأفريقي.
فبعد نحو أربع سنوات على اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب الكبرى في تيغراي، اندلعت مواجهات جديدة بين قوات تيغراي والقوات الفيدرالية الإثيوبية، بالتزامن مع تشكيل تحالف يضم سبع جماعات مسلحة تعلن هدفاً مشتركاً يتمثل في إزاحة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.
وفي خضم هذا التصعيد، ظهرت منشورات ومقاطع متداولة تتحدث عن سيطرة قوات تيغراي على مستودعات أسلحة، وتربط بعض هذه الأسلحة بإمدادات إماراتية. غير أن هذه الجزئية تحديداً تحتاج إلى حذر، إذ لم يتوافر حتى الآن تأكيد مستقل يثبت مصدر الأسلحة الموجودة في المستودعات التي تتحدث عنها تلك المنشورات.
لكن خلف هذه الرواية غير المحسومة توجد حقيقة موثقة: الإمارات كانت من أبرز الداعمين العسكريين للحكومة الإثيوبية خلال حرب تيغراي السابقة، ما يجعل أي حديث عن منشأ الأسلحة في ساحات القتال الحالية قضية شديدة الحساسية.
من حليف في حرب تيغراي إلى طرف يدعو إلى وقف القتال
خلال الحرب التي اندلعت بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي بين عامي 2020 و2022، قدمت الإمارات دعماً عسكرياً مهماً للحكومة الإثيوبية، وفق معهد الدراسات الأمنية والاستراتيجية الدولي، شمل طائرات مسيرة وأسلحة أخرى، كما دربت أبوظبي عناصر من الحرس الجمهوري الإثيوبي.
وتشير تقديرات المعهد إلى أن نحو 120 رحلة لطائرات شحن من طراز «إليوشن 76» وصلت إلى إثيوبيا عام 2021، فيما تضمنت الإمدادات صواريخ موجهة وأسلحة هجومية. كما أشار المعهد إلى أن طائرات مسيرة إماراتية استخدمت خلال الحرب لضرب مدفعية ومستودعات أسلحة تابعة لقوات تيغراي.
وتؤكد دراسات أخرى أن الدعم الإماراتي للقوات الحكومية الإثيوبية كان جزءاً من شبكة أوسع من التدخلات الخارجية التي أثرت في مسار الحرب.
لكن المشهد اليوم مختلف، فمع تجدد القتال، أعلنت الإمارات رسمياً إدانتها لهجمات جبهة تحرير شعب تيغراي والتحالف المسلح الذي انضمت إليه، كما دعت إلى وقف فوري للأعمال العدائية والعودة إلى تنفيذ اتفاق بريتوريا للسلام.
وهنا تظهر المفارقة: الدولة التي ارتبط اسمها خلال الحرب السابقة بدعم عسكري للحكومة الإثيوبية، تقف اليوم علناً إلى جانب دعوات وقف التصعيد، بينما تعود قوات تيغراي إلى ساحة القتال.
سبع جماعات مسلحة في جبهة واحدة
التصعيد الحالي لا يتعلق بتيغراي وحدها، ففي سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت سبع جماعات مسلحة إثيوبية تشكيل «تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء»، وهو تحالف يجمع أطرافاً كانت في السابق على جانبي الحرب.
ومن أبرز مكوناته جبهة تحرير شعب تيغراي، وحركة فانو الأمهرية، وجيش تحرير أورومو، إلى جانب مجموعات أخرى من مناطق مختلفة في إثيوبيا. ويقول التحالف إن هدفه هو إزاحة حكومة آبي أحمد والعمل على إقامة إدارة انتقالية.
وتكمن أهمية هذا التطور في أن بعض الأطراف التي كانت تقاتل بعضها بعضاً خلال حرب تيغراي أصبحت الآن جزءاً من تحالف واحد ضد الحكومة الفيدرالية. وقد وصف مراقبون هذا التحول بأنه تغيير كبير في خريطة التحالفات الإثيوبية، رغم بقاء خلافات سياسية وميدانية بين مكونات التحالف نفسه.
القتال يتجاوز حدود تيغراي
لم تبقِ المواجهات الجديدة داخل حدود إقليم تيغراي، فقد سيطرت قوات تيغراي على مطارات في الإقليم، بينها مطارات ميكيلي وأكسوم وشيري، ما أدى إلى تعليق الرحلات الجوية إلى المنطقة.
كما امتدت أعمال القتال إلى مناطق مجاورة، بينها عفر وأمهرة، في تطور دفع الاتحاد الأفريقي إلى التحذير من تصعيد قد يقوض المكاسب التي تحققت بعد اتفاق بريتوريا.
وفي 25 سبتمبر/أيلول، أدانت الإمارات تحديداً سيطرة قوات تيغراي على المطارات والتصعيد في عفر وأمهرة، ودعت جميع الأطراف إلى وقف القتال والالتزام باتفاق السلام.
أين تدخل الأسلحة الإماراتية في القصة؟
هنا تبدأ الحلقة الأكثر حساسية في الرواية المتداولة، فالمادة المصورة والمنشورات التي أشرت إليها تتحدث عن استيلاء قوات تيغراي على مستودعات أسلحة وتربط محتوياتها بإمدادات إماراتية، بل وتذهب إلى أن جزءاً من هذه الأسلحة كان موجهاً إلى الجيش الإثيوبي أو إلى قوات الدعم السريع في السودان.
لكن هذه النقطة تحتاج إلى فصلها عن الوقائع التي ثبتت في مصادر مستقلة، فالدعم العسكري الإماراتي للحكومة الإثيوبية خلال حرب تيغراي السابقة موثق، كما أن تقارير وتحليلات حديثة تشير إلى أن إثيوبيا أصبحت خلال عام 2026 جزءاً من شبكة إمداد مرتبطة بقوات الدعم السريع في السودان.
وتشير دراسة لمجموعة «كرايسس غروب» إلى أن خطوط إمداد مرتبطة بالإمارات نقلت معدات وأسلحة إلى قوات الدعم السريع عبر دول مجاورة، من بينها إثيوبيا. كما تحدثت تقارير عن منشآت وقواعد مرتبطة بالدعم السريع قرب الحدود السودانية الإثيوبية.
لكن ذلك لا يثبت تلقائياً أن الأسلحة التي قيل إن قوات تيغراي استولت عليها في سبتمبر/أيلول 2026 هي نفسها أسلحة إماراتية أو أنها كانت مخصصة لقوات الدعم السريع، وهذه نقطة مهمة في أي قراءة صحفية للمشهد.
إثيوبيا.. حلقة وصل بين حربين
في الوقت نفسه، تتزايد المؤشرات على تداخل الحرب الإثيوبية مع الحرب السودانية، فقد تحدثت تقارير خلال عام 2026 عن وجود منشآت مرتبطة بتدريب أو دعم قوات الدعم السريع داخل الأراضي الإثيوبية، خصوصاً في منطقة أسوسا القريبة من الحدود السودانية.
وأظهرت صور أقمار صناعية، وفق تقرير نشر في أبريل/نيسان، وصول مركبات ومعدات إلى منشأة عسكرية إثيوبية في أسوسا، وقال التقرير إن بعض المعدات يتطابق مع معدات تستخدمها قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات، مع بقاء بعض جوانب هذه التقييمات محل عدم يقين.
كما اتهم مسؤولون سودانيون محليون في سبتمبر/أيلول إثيوبيا باستضافة معسكرات لتدريب قوات الدعم السريع، وربطوا هذه المنشآت بدعم إماراتي، لكن هذه الاتهامات لم يكن بالإمكان التحقق منها بصورة مستقلة.
وفي المقابل، نفت الإمارات بشكل قاطع تقديم أسلحة أو تمويل أو تدريب أو دعم لوجستي لقوات الدعم السريع، بحسب تصريحات لمسؤول إماراتي نقلتها صحيفة «ذا ناشيونال».
من السودان إلى تيغراي.. شبكة واحدة أم تقاطع ساحات؟
المشهد الإقليمي يجعل من الصعب التعامل مع حرب تيغراي والحرب السودانية كملفين منفصلين تماماً، فالسودان يمتلك حدوداً مباشرة مع إثيوبيا، بينما تقع مناطق مثل بني شنقول-قمز وأسوسا بالقرب من مسارات العبور بين البلدين.
وفي الوقت نفسه، أصبحت الحرب السودانية تعتمد بدرجة متزايدة على خطوط إمداد عابرة للحدود، بينما عادت تيغراي إلى المواجهة المسلحة بعد سنوات قليلة فقط من توقيع اتفاق السلام. وهذا التقاطع الجغرافي والعسكري يفسر لماذا تحظى أي تقارير عن مستودعات أسلحة أو طرق إمداد في شمال وغرب إثيوبيا باهتمام إقليمي واسع.
حرب 2020-2022 تعود إلى الذاكرة
الحرب السابقة في تيغراي كانت واحدة من أكثر الصراعات دموية في القارة الأفريقية خلال السنوات الأخيرة. وتشير تقديرات واسعة التداول إلى أن الحرب التي استمرت من 2020 إلى 2022 أودت بحياة مئات الآلاف، بينما أدت إلى نزوح واسع وتدمير كبير للبنية التحتية.
وكان اتفاق بريتوريا في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 قد وضع حداً للحرب بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي. لكن تنفيذ الاتفاق واجه لاحقاً عقبات سياسية وأمنية، من بينها قضايا الأراضي ونزع السلاح وترتيبات الحكم في الإقليم. واليوم، تعود المواجهات في وقت تشهد فيه البلاد اصطفافات جديدة تختلف جذرياً عن تلك التي كانت قائمة أثناء الحرب السابقة.
الإمارات تدعو إلى بريتوريا.. والتحالف الجديد يفتح جبهة جديدة
الموقف الإماراتي الرسمي من التصعيد الحالي واضح: أبوظبي أعلنت دعمها لوحدة إثيوبيا وسيادتها، وأدانت هجمات جبهة تحرير شعب تيغراي، ودعت إلى وقف القتال والعودة إلى اتفاق بريتوريا. لكن في المقابل، يبقى تاريخ الدعم العسكري الإماراتي للحكومة الإثيوبية خلال حرب تيغراي السابقة جزءاً من خلفية المشهد الحالي.
وهذا هو ما يجعل الادعاءات المتداولة بشأن الأسلحة التي استولت عليها قوات تيغراي محط اهتمام، حتى وإن كانت الأدلة المتاحة حتى الآن لا تكفي للجزم بمصدر تلك الأسلحة أو بإمكانية ربطها مباشرة بالإمارات.
القرن الأفريقي أمام مشهد أكثر تعقيداً
ما يجري في إثيوبيا لم يعد مجرد عودة لمواجهة قديمة بين الحكومة الفيدرالية وقوات تيغراي. ففي الشمال، تتصاعد المواجهات، وفي الوسط والغرب تنشط جماعات مسلحة، وعلى الحدود مع السودان تظهر اتهامات متبادلة بشأن معسكرات وخطوط إمداد، بينما تتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية داخل منطقة القرن الأفريقي.
أما الحديث عن «أسلحة إماراتية في يد تيغراي»، فيبقى حتى الآن رواية تحتاج إلى أدلة مستقلة تحدد نوع الأسلحة ومصدرها ومسار وصولها. لكن المؤكد أن إعادة فتح جبهة تيغراي، إلى جانب استمرار الحرب السودانية، تعيد رسم خريطة المخاطر في منطقة أصبحت فيها الحدود وخطوط الإمداد والتحالفات العسكرية جزءاً من صراع إقليمي متشابك.
اقرأ المزيد
حاكم دبي يواجه احتجاجات في لندن بسبب اتهامات بتورط الإمارات في حرب السودان
«داون» تطالب بحظر فوري للسلاح على الإمارات بسبب حرب السودان واتهامات دعم قوات الدعم السريع
كواليس الدعم الخفي.. كيف وصلت قوافل سيارات الدفع الرباعي الإماراتية إلى حدود بني شنقول؟

