وطن-بدت قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك شبه خالية من الوفود خلال خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعدما غادرت عشرات الوفود القاعة احتجاجاً على مواقفه بشأن الحرب في غزة والسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. وفي المقابل، برزت اللقاءات التي عقدها نتنياهو مع عدد من قادة أمريكا اللاتينية، وفي مقدمتهم الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، باعتبارها جانباً لافتاً من زيارته القصيرة إلى نيويورك.
قاعة الأمم المتحدة تفرغ خلال خطاب نتنياهو
وقف نتنياهو أمام الجمعية العامة في 24 سبتمبر/أيلول 2026، بينما غادرت أعداد كبيرة من الوفود مقاعدها مع بدء خطابه، في مشهد لفت الأنظار داخل مقر الأمم المتحدة. وكان الوفد الإسباني من بين الوفود التي غادرت القاعة، وفق ما أوردته صحيفة «إل دياريو» الإسبانية.
وردّ نتنياهو على المغادرين بعبارة حادة، قائلاً: «إذا كان هناك جبناء أخلاقيون آخرون لم يغادروا القاعة بعد، فليغادروا الآن». وأفادت وكالة أسوشيتد برس بأن عشرات المندوبين خرجوا من القاعة، بينما أصبحت غالبية المقاعد الظاهرة خالية بعد بدء الخطاب.
وجاءت هذه المواجهة في خطاب اتسم بالدفاع عن العمليات العسكرية الإسرائيلية وانتقاد منتقدي إسرائيل، إذ رفض نتنياهو الاتهامات الموجهة إلى بلاده بشأن غزة، ووصفها بأنها «أكبر كذبة في القرن»، بحسب ما نقلته وكالة أسوشيتد برس.
زيارة قصيرة ولقاءات مع قادة أمريكا اللاتينية
لم تستمر إقامة نتنياهو في نيويورك طويلاً، إذ اقتصر وجوده هناك على نحو ست ساعات تقريباً، وفق تقرير «جيروزاليم بوست». وفي ظل ضيق الوقت، ركز جانب من تحركاته الدبلوماسية على لقاء قادة من أمريكا اللاتينية، بينهم ميلي ورئيس باراغواي سانتياغو بينيا ورئيس بنما خوسيه راوول مولينو والرئيس البوليفي رودريغو باث بيريرا.
وكان اللقاء مع ميلي من أبرز هذه الاجتماعات. وأعلنت الرئاسة الأرجنتينية أن الرئيس الأرجنتيني التقى نتنياهو في مقر الأمم المتحدة في نيويورك يوم 24 سبتمبر/أيلول، في ختام زيارته الرسمية للولايات المتحدة.
وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بحث الطرفان استمرار التعاون بين إسرائيل والأرجنتين، إلى جانب إمكانية توسيع ما يعرف بـ«اتفاقيات إسحاق»، وهي مبادرة تهدف، وفق الجانب الإسرائيلي، إلى تعميق التعاون الأمني والاقتصادي بين إسرائيل ودول أمريكا اللاتينية.
ميلي.. حليف معلن لإسرائيل
يأتي التقارب بين نتنياهو وميلي في سياق علاقة سياسية وثيقة بين الرجلين. وخلال اللقاء في نيويورك، أشاد نتنياهو بمواقف الرئيس الأرجنتيني تجاه إسرائيل، فيما جدد ميلي تأكيد دعمه لها.
كما تناول الاجتماع قضايا ثنائية، فيما أكدت الرئاسة الأرجنتينية أن ميلي جدد خلال زيارته إلى الأمم المتحدة موقف بلاده بشأن جزر فوكلاند، ودعا إلى استئناف المفاوضات مع بريطانيا بشأنها.
ولا يقتصر التواصل الإسرائيلي مع الأرجنتين على اللقاءات السياسية، إذ تشير تقارير حديثة إلى اتساع التعاون بين إسرائيل وعدد من دول أمريكا اللاتينية في مجالات الأمن والتجارة والتكنولوجيا، في ظل تغيرات سياسية تشهدها المنطقة.
لماذا تتجه إسرائيل نحو أمريكا اللاتينية؟
ترى «إل دياريو» أن التحولات السياسية في أمريكا اللاتينية تفتح أمام إسرائيل مجالاً لتعزيز علاقاتها مع حكومات وقوى سياسية أكثر قرباً من مواقفها، في وقت تواجه فيه الحكومة الإسرائيلية انتقادات متزايدة في عدد من الدول الغربية بسبب الحرب في غزة وسياساتها في الضفة الغربية.
ويبرز في هذا السياق صعود قوى يمينية وشخصيات سياسية تربطها علاقات وثيقة بإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ومن بين أبرز الأمثلة ميلي، الذي أظهر خلال السنوات الأخيرة تقارباً واضحاً مع إسرائيل والولايات المتحدة.
لكن المشهد السياسي في أمريكا اللاتينية ليس موحداً تجاه إسرائيل. ففي المقابل، تبنت حكومات أخرى في المنطقة مواقف أكثر انتقاداً للحرب في غزة، فيما أصبحت القضية الفلسطينية حاضرة أيضاً في النقاشات السياسية الداخلية في عدد من دول القارة.
وفي البرازيل، على سبيل المثال، جدد الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة انتقاده للتدخلات الخارجية، وتحدث عن الحرب في غزة وعن القضية الفلسطينية ضمن مجموعة من الملفات الدولية.
محاولة لتعويض تراجع بعض العلاقات التقليدية؟
في ضوء هذه التطورات، يمكن قراءة اللقاءات الإسرائيلية مع قادة أمريكا اللاتينية باعتبارها جزءاً من مسعى دبلوماسي لتوسيع شبكة العلاقات الدولية، لا سيما في ظل الخلافات المتزايدة مع بعض الحكومات الأوروبية حول الحرب في غزة والضفة الغربية.
وتشير «إل دياريو» إلى أن إسرائيل تنظر إلى التحول السياسي في أجزاء من أمريكا اللاتينية باعتباره فرصة لتعزيز حضورها في المنطقة وبناء علاقات مع حكومات تتقاطع معها في عدد من الملفات السياسية والأمنية.
لكن وصف ذلك بأنه «تعويض» كامل عن الحلفاء التقليديين يبقى توصيفاً تحليلياً، وليس نتيجة محسومة؛ فالعلاقات الدولية لإسرائيل لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على شبكة واسعة من الشركاء، كما أن مواقف دول أمريكا اللاتينية نفسها تختلف بصورة واضحة من دولة إلى أخرى.
من مشهد القاعة الفارغة إلى البحث عن شركاء جدد
هكذا حملت زيارة نتنياهو إلى نيويورك صورتين متناقضتين: الأولى داخل قاعة الأمم المتحدة، حيث غادرت عشرات الوفود خلال خطابه، والثانية في اللقاءات الثنائية التي جمعته بقادة من أمريكا اللاتينية، وفي مقدمتهم ميلي.
وبينما عكست الصورة الأولى حجم الاعتراض الدولي على مواقف الحكومة الإسرائيلية، أظهرت الصورة الثانية أن تل أبيب تواصل البحث عن مساحات جديدة للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني، خصوصاً مع حكومات وقادة يتبنون مواقف أكثر تقارباً معها.
وفي هذا السياق، تبدو أمريكا اللاتينية إحدى الساحات التي تسعى إسرائيل إلى تعزيز حضورها فيها، في وقت تستمر فيه تداعيات الحرب في غزة في إعادة تشكيل خريطة علاقاتها الدبلوماسية.
اقرأ المزيد
إسرائيل تلغي اعتماد دبلوماسيين هولنديين في رام الله رداً على حظر التجارة مع مستوطنات الضفة الغربية
نائب كندي يفقد منصبه بعد تصويته لتقييد وصول السلاح إلى إسرائيل
نتنياهو يواجه عزلة دولية على منصة الأمم المتحدة ويستثمر خطابه في معركة الانتخابات بإسرائيل

