وطن-عاد ملف عقوبة الإعدام إلى الواجهة في ليبيا بعد تقارير حقوقية وإعلامية أفادت بتنفيذ أكثر من 30 حكماً بالإعدام في شرق البلاد خلال أسابيع، عقب محاكمات عسكرية وصفتها منظمات حقوقية دولية بأنها جائرة وسرية.
وبحسب صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية، نُفذت عمليات الإعدام في مناطق تخضع لسيطرة قوات المشير خليفة حفتر، المعروفة باسم «القوات المسلحة العربية الليبية»، في وقت لا يزال فيه نحو 50 شخصاً آخرين، وفق تقارير حقوقية، معرضين لخطر تنفيذ أحكام الإعدام بحقهم.
وتثير القضية مخاوف متزايدة بشأن سلامة الإجراءات القضائية، خصوصاً مع ورود مزاعم عن استخدام اعترافات قيل إنها انتُزعت تحت التعذيب أو الإكراه خلال التحقيقات.
عودة الإعدامات بعد توقف دام نحو 15 عاماً
وقالت منظمة العفو الدولية إن قوات حفتر استأنفت تنفيذ أحكام الإعدام في 23 أغسطس/آب الماضي، في خطوة أنهت، بحسب المنظمة، وقفاً فعلياً لتنفيذ عقوبة الإعدام في ليبيا استمر منذ عام 2010.
وأوضحت المنظمة أن الأشخاص الذين نُفذت بحقهم الأحكام أُدينوا في محاكمات قالت إنها افتقرت إلى ضمانات المحاكمة العادلة، وسط مزاعم بشأن التعذيب وسوء المعاملة وانتهاكات لحقوق المتهمين.
وبحسب العفو الدولية، شملت بعض القضايا اتهامات بالقتل وجرائم مرتبطة بالإرهاب، تعود إلى فترة المعارك التي دارت بين قوات حفتر وجماعات مسلحة معارضة بين عامي 2014 و2018.
اعترافات تحت التعذيب
وأفادت “ميدل إيست آي” بأن عدداً من المحتجزين تحدثوا عن تعرضهم للتعذيب بعد اعتقالهم من جانب جماعات مسلحة مرتبطة بقوات حفتر، بهدف انتزاع اعترافات منهم.
وتقول المنظمة الحقوقية إن مثل هذه الاعترافات استُخدمت لاحقاً كأدلة أمام المحاكم العسكرية، وهو ما يثير تساؤلات بشأن مدى احترام المعايير الدولية للمحاكمة العادلة.
كما أشارت العفو الدولية إلى أن المحاكم العسكرية في شرق ليبيا انتهكت، في عدد من القضايا، حقوق المتهمين، بما في ذلك الحق في الاستعانة بمحامٍ، والحصول على الوقت الكافي لإعداد الدفاع، والحق في التزام الصمت، فضلاً عن الحق في محاكمة علنية أمام هيئة قضائية مستقلة ومحايدة.
وتثير المنظمة كذلك مخاوف بشأن استقلال المدعين العامين والقضاة العسكريين في شرق ليبيا، على خلفية صلات يُقال إنها تربط بعضهم بقوات حفتر أو جماعات مسلحة متحالفة معها.
31 حكماً في سجني قرنادة والكويفية
وفي سياق متصل، قالت منظمة «رصد الجرائم» الليبية إنها وثقت تنفيذ 31 حكماً بالإعدام في سجني قرنادة والكويفية حتى 10 سبتمبر/أيلول.
وأضافت المنظمة أن الأحكام صدرت عن محاكم عسكرية، بينما لم تُنشر ملفات القضايا على نحو يتيح التحقق المستقل من مدى احترام حقوق المتهمين وضمانات المحاكمة العادلة.
كما أفادت قناة «ليبيا الأحرار»، وفق ما نقلته الصحيفة البريطانية، بأن عائلات بعض السجناء تلقت إخطارات بتنفيذ إعدامات إضافية داخل السجنين.
وفي 17 سبتمبر/أيلول، قالت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إن أكثر من 30 شخصاً أُعدموا في شرق البلاد خلال الأسابيع السابقة، ودعت إلى وقف فوري لأي عمليات إعدام جديدة.
وأكدت البعثة أن استئناف تنفيذ أحكام الإعدام يمثل نهاية لوقف فعلي للعقوبة استمر قرابة 15 عاماً.
عائلات الضحايا أمام قيود على مراسم الدفن
ولم تتوقف المخاوف الحقوقية عند تنفيذ الأحكام، إذ تحدث مدافعون عن حقوق الإنسان عن منع بعض عائلات المعدومين من دفن ذويهم بأنفسهم، واحتفاظ السلطات بالجثامين قبل توليها عملية الدفن.
وقالت منظمة العفو الدولية إن بعض الأقارب سُمح لهم بالتعرف على جثامين ذويهم قبل دفنها، لكنهم تلقوا تعليمات بعدم إقامة مراسم عزاء أو جنازات.
وترى المنظمة أن حرمان العائلات من إمكانية توديع ذويها وفق تقاليدها الدينية والاجتماعية قد يمثل، وفق معايير حقوق الإنسان الدولية، معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة، لما يسببه من معاناة إضافية لأقارب الضحايا.
الإعدامات جاءت بعد مقتل مسؤول استخباراتي
وتزامنت بداية موجة الإعدامات، وفق “ميدل إيست آي”، مع الفترة التي أعقبت مقتل اللواء فوزي المنصوري، رئيس الاستخبارات العسكرية التابعة لقوات حفتر، في انفجار سيارة مفخخة بمدينة بنغازي خلال أغسطس/آب.
وتأتي هذه التطورات في سياق أمني وسياسي شديد الحساسية في شرق ليبيا، حيث تحتفظ قوات حفتر بنفوذ عسكري واسع، بينما لا تزال البلاد منقسمة بين سلطات ومؤسسات متنافسة.
دعوات إلى وقف الإعدامات والتحقيق في التعذيب
وطالبت منظمة العفو الدولية سلطات شرق ليبيا بوقف جميع عمليات الإعدام فوراً، وإقرار وقف اختياري لتنفيذ عقوبة الإعدام.
كما دعت إلى إلغاء أحكام الإعدام والإدانات الصادرة في أعقاب محاكمات لم تستوفِ معايير العدالة، وإعادة محاكمة المدنيين المتهمين بجرائم معترف بها دولياً أمام محاكم مدنية مستقلة.
وشددت المنظمة على ضرورة استبعاد أي أدلة يثبت أنها انتُزعت تحت التعذيب أو الإكراه، والسماح لمراقبين دوليين بالوصول إلى سجن قرنادة وغيره من مراكز الاحتجاز في شرق ليبيا للتحقق من أوضاع السجناء والتحقيق في مزاعم سوء المعاملة.
جدل حول محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري
وتعود جذور جانب من الجدل القانوني إلى عام 2017، عندما أقر مجلس النواب الليبي المتمركز في الشرق قانوناً يمنح المحاكم العسكرية صلاحية محاكمة مدنيين متهمين بالإرهاب أو بارتكاب جرائم في مناطق تصنف على أنها عسكرية.
وبحسب “ميدل إيست آي”، أعلنت الدائرة الدستورية في ليبيا لاحقاً عدم دستورية هذا القانون، ما أضاف بعداً قانونياً إلى الجدل المتعلق بإحالة المدنيين إلى القضاء العسكري.
وتقول المنظمات الحقوقية إن استخدام المحاكم العسكرية لمحاكمة المدنيين، خصوصاً في القضايا التي يمكن أن تنتهي بعقوبة الإعدام، يثير مخاوف إضافية بشأن استقلال القضاء وحقوق الدفاع.
انقسام سياسي يعقّد الملف الحقوقي
وتأتي عودة تنفيذ أحكام الإعدام في وقت لا تزال فيه ليبيا تعاني انقساماً سياسياً وأمنياً عميقاً، رغم الجهود التي تقودها الأمم المتحدة لتوحيد مؤسسات الدولة وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية.
وتنقسم البلاد بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، التي تسيطر على أجزاء من غرب ليبيا، وسلطات موازية متحالفة مع قوات حفتر في الشرق وأجزاء واسعة من الجنوب.
ويعود نفوذ قوات حفتر في شرق البلاد إلى عملية «الكرامة» التي أطلقها عام 2014 من بنغازي ضد جماعات مسلحة، قبل أن تتحول العملية إلى مسار عزز النفوذ العسكري والسياسي لقواته في مناطق واسعة من شرق ليبيا.
وفي ظل هذا الانقسام، يثير استئناف الإعدامات مخاوف بشأن قدرة المؤسسات الليبية على ضمان حقوق المتهمين وتطبيق معايير موحدة للعدالة في مختلف أنحاء البلاد.
ضغوط دولية متزايدة
وتضع عمليات الإعدام الجديدة السلطات المسيطرة في شرق ليبيا أمام ضغوط حقوقية ودولية متزايدة، خصوصاً مع دعوات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان إلى وقف تنفيذ الأحكام وفتح تحقيقات مستقلة في مزاعم التعذيب وسوء المعاملة.
ويبقى ملف عقوبة الإعدام في ليبيا مرتبطاً أيضاً بمسألة استقلال القضاء وضمان حقوق المتهمين، في بلد لا تزال مؤسساته منقسمة بين سلطات متنافسة.
وفي ظل استمرار الانقسام السياسي والأمني، تتركز المطالب الحقوقية على منع تنفيذ أحكام جديدة، والتحقيق في الانتهاكات المزعومة، وضمان ألا يؤدي القضاء العسكري إلى إصدار أحكام بالإعدام بحق مدنيين من خلال إجراءات لا تستوفي المعايير الدولية للمحاكمة العادلة.
اقرأ المزيد
كواليس “صفقة واشنطن”.. ماركو روبيو يستقبل صدام حفتر لبحث توحيد ليبيا وتثبيت قطار انتخابات 2027
اغتيال اللواء فوزي المنصوري يهز بنغازي.. اختراق أمني خطير في معقل حفتر
القاهرة تلوّح بكسر تحالفها مع حفتر: دعمه لحميدتي تجاوز للأمن القومي

