وطن-لا يقتصر نمو الطفل على اكتساب المهارات الجسدية واللغوية والمعرفية، فالتطور العاطفي يلعب أيضاً دوراً أساسياً في تشكيل شخصيته وقدرته على التعامل مع نفسه ومع الآخرين.
ومع مرور السنوات، يتعلم الطفل تدريجياً فهم ما يشعر به، والتعبير عن مشاعره، والتعامل مع الغضب والخوف والإحباط، إلى جانب اكتساب القدرة على التعاطف والاستقلالية وحل المشكلات.
وبحسب مجلة «سانتي إي ناتوريل» الفرنسية، فإن الطفل الناضج عاطفياً ليس بالضرورة طفلاً هادئاً طوال الوقت أو قادراً على السيطرة على مشاعره في جميع المواقف، بل هو طفل يتعلم شيئاً فشيئاً التعرف إلى عواطفه وفهمها والتعبير عنها بطريقة أكثر ملاءمة.
كما يمكن لهذه المهارات أن تساعده مع الوقت على مواجهة الصعوبات، وبناء علاقات متوازنة، واكتساب الثقة بالنفس، وتطوير قدر أكبر من المرونة النفسية. ومع ذلك، فإن تطور الأطفال يختلف من طفل إلى آخر، ولذلك لا ينبغي التعامل مع العلامات التالية باعتبارها معايير تشخيصية. وإذا كان لدى الوالدين قلق مستمر بشأن سلوك الطفل أو مشاعره أو تطوره، فمن الأفضل استشارة طبيب أطفال أو مختص نفسي مؤهل.
1. الحماس لما يحب والانخراط في التجربة
من العلامات التي قد تعكس تطوراً عاطفياً جيداً أن يظهر الطفل اهتماماً واضحاً بما يحيط به، وأن يندمج في الأنشطة التي يستمتع بها. قد يتحمس للعب، أو يبتكر القصص، أو يحاول بناء أشياء جديدة، أو يبحث بنفسه عن أنشطة تمنحه المتعة والاكتشاف.
وتوضح المجلة أن هذه الطاقة التي قد تبدو مرهقة للوالدين أحياناً يمكن أن تكون جزءاً مهماً من نمو الطفل، لأنها تمنحه فرصة للتعبير عن اهتماماته واكتشاف ما يحب.
ولهذا، من المفيد أن يشعر الطفل بأن أفكاره ورغباته مسموعة، حتى عندما لا يكون تنفيذها ممكناً دائماً. كما يمكن للعب الحر وترك مساحة للطفل كي يبحث بنفسه عن أنشطة مناسبة أن يعززا الاستقلالية والإبداع.
2. فهم مشاعره ومشاعر الآخرين
مع التقدم في العمر، يبدأ الطفل في التعرف إلى مشاعره واحتياجاته وردود فعله بصورة أفضل، كما يبدأ تدريجياً في إدراك أن الآخرين لديهم مشاعر ووجهات نظر مختلفة أيضاً.
وتشير المجلة إلى أن التعاطف لا يظهر فجأة، بل يتطور تدريجياً من خلال التفاعل اليومي مع الأسرة والمحيط. ويمكن للوالدين دعم هذه المهارة من خلال مساعدة الطفل على تسمية مشاعره وفهمها، بدلاً من تجاهلها أو التقليل منها.
فعندما يقول الطفل إنه غاضب أو خائف أو حزين، يمكن للوالدين مساعدته على تحديد الشعور والسبب وراءه، بدلاً من مطالبته بالتوقف عن التعبير عنه فوراً.
وأشارت المجلة إلى تحليل بحثي شمل أطفالاً في مرحلة ما قبل المدرسة، ووجد ارتباطات إيجابية، وإن كانت غالباً متواضعة، بين بعض ممارسات الوالدين المتعلقة بتعليم الأطفال التعامل مع العواطف وبين تحسن مهاراتهم العاطفية.
3. التعبير عن الرأي مع تعلم التفاوض
النضج العاطفي لا يعني أن يوافق الطفل على كل شيء، كما لا يعني أن يرفض جميع القواعد. فالطفل الذي يطور مهاراته العاطفية يستطيع التعبير عن رأيه، وشرح سبب اعتراضه، وطلب توضيح لما يحدث، مع تعلم الاستماع إلى الآخرين والتعاون معهم.
وتوضح المجلة أن السماح للطفل بالتعبير عن وجهة نظره، حتى عندما يكون القرار النهائي غير قابل للتغيير، يساعده على إدراك أن الاختلاف في الرأي لا يعني بالضرورة الدخول في صراع.
والهدف هنا هو إيجاد توازن بين منح الطفل مساحة للتعبير ووضع حدود واضحة ومناسبة لعمره، بما يمنحه الشعور بالأمان ويساعده على فهم معنى المسؤولية.
4. الشعور بالأمان عند إظهار الضعف
الطفل الناضج عاطفياً ليس الطفل الذي يخفي حزنه أو خوفه، بل الطفل الذي يشعر بالأمان الكافي للتحدث عن مشاعره أمام الأشخاص الذين يثق بهم. فالتعبير عن الخوف أو الحزن أو خيبة الأمل لا يعني ضعف الشخصية، بل قد يكون مؤشراً على وجود علاقة آمنة تسمح للطفل بطلب الدعم عندما يحتاج إليه.
ومع تقدمه في العمر، قد يصبح الطفل أكثر رغبة في الاستقلال والخصوصية، لكنه يظل بحاجة إلى وجود أشخاص يمكنه العودة إليهم عند الشعور بالقلق أو الضيق.
ومن المهم ألا يقلل الوالدان من مشاعر الطفل، حتى عندما تبدو المشكلة بسيطة من وجهة نظر الكبار. فعبارات مثل «الأمر لا يستحق» أو «لا تبكِ على شيء تافه» قد تجعله يشعر بأن مشاعره غير مقبولة. وفي المقابل، يمكن استخدام عبارات داعمة مثل: «أفهم أنك حزين» أو «يبدو أن هذا الموقف أزعجك كثيراً».
وتشير المجلة إلى مراجعة منهجية شملت 50 دراسة، أكدت أهمية عوامل أسرية متعددة في تنظيم الطفل لمشاعره، من بينها طريقة استجابة الوالدين لعواطفه وقدرة الوالدين على تنظيم انفعالاتهم والمناخ العاطفي داخل الأسرة.
5. القدرة المتزايدة على إدارة المشاعر
لا يعني النضج العاطفي أن الطفل لن يغضب أو يحزن، وإنما أن يبدأ تدريجياً في التعامل مع هذه المشاعر بصورة أفضل. ومع نموه، قد يصبح أكثر قدرة على تحديد سبب انزعاجه، وتحمل الإحباط، وفهم أن تصرفاته وكلماته يمكن أن تؤثر في الآخرين.
وهنا من المهم أن يفرق الوالدان بين الاعتراف بالمشاعر والسماح بالسلوك المؤذي. فيمكن للأب أو الأم أن يقول للطفل: «أفهم أنك غاضب»، من دون السماح له بضرب الآخرين أو إهانتهم أو إيذائهم.
وبحسب المجلة ، خلص تحليل بحثي شمل 15 تجربة عشوائية محكمة إلى أن البرامج التي تساعد الوالدين على مرافقة مشاعر أطفالهم الصغار يمكن أن تحسن ممارسات التربية العاطفية لدى الأهل، وتعزز مهارات الأطفال في التعامل مع عواطفهم.
كما رصدت مراجعة منهجية وتحليل تلوي ارتباطات بين أساليب التربية وصعوبات تنظيم المشاعر خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة.
6. تطوير الاهتمامات الشخصية
مع اكتساب الطفل مزيداً من الثقة، يبدأ في اكتشاف الأشياء التي تثير فضوله واهتمامه، وقد ينجذب إلى الرسم، أو البناء، أو جمع الأشياء، أو القراءة، أو تعلم مهارة جديدة، أو ابتكار مشروع صغير من خياله.
وتوضح المجلة أن اهتمام الوالدين بأفكار الطفل، حتى عندما تبدو طموحة أو غير واقعية، يمكن أن يمنحه شعوراً بأنه مسموع ومرئي.
ولا يعني دعم هذه الاهتمامات أن يملأ الأهل يوم الطفل بالدروس والأنشطة المنظمة، بل أن يتركوا له مساحة لاكتشاف ما يحفزه من الداخل. فالفضول الذي يخرج من الطفل نفسه قد يكون فرصة مهمة لتطوير الإبداع والثقة بالنفس.
7. اكتساب الاستقلالية تدريجياً
من العلامات الأخرى للنمو العاطفي أن يبدأ الطفل في الرغبة في القيام ببعض الأمور بنفسه. وقد يظهر ذلك في محاولته حل مشكلة صغيرة، أو ترتيب أغراضه، أو إنجاز مهمة بسيطة، أو تجربة طريقة جديدة من دون انتظار تدخل الكبار فوراً.
لكن الاستقلالية لا تعني ترك الطفل من دون توجيه أو حدود. بل تعني منحه فرصاً تتناسب مع عمره وقدراته حتى يجرب ويتعلم. والأخطاء التي يرتكبها أثناء هذه المحاولات ليست بالضرورة أمراً سلبياً، بل يمكن أن تكون جزءاً من عملية التعلم.
ولهذا، من المفيد أن يركز الوالدان على الجهد وليس النتيجة وحدها. فعبارة مثل «رأيت أنك حاولت أكثر من مرة» تساعد الطفل على إدراك قيمة المثابرة، بغض النظر عن نجاح المحاولة من عدمه. كما يمكن للمسؤوليات المنزلية البسيطة والمناسبة لعمره أن تعزز شعوره بالكفاءة والاستقلال.
8. التفكير بمرونة أكبر
مع نمو الطفل، يبدأ تدريجياً في فهم أن المواقف ليست دائماً بسيطة أو قابلة للتقسيم إلى «صحيح» و«خطأ» فقط. وقد يصبح أكثر قدرة على رؤية أكثر من احتمال، وربط الأحداث بأسبابها، وتعديل رأيه عندما يحصل على معلومات جديدة.
وتشير المجلة إلى أن هذا النوع من التفكير المرن يساعد الطفل على التعامل مع المشكلات والعلاقات الاجتماعية بطريقة أكثر نضجاً. ويمكن للوالدين تعزيز هذه المهارة من خلال طرح أسئلة مفتوحة تساعد الطفل على التفكير في أكثر من زاوية، مثل: «ما الحل الآخر؟»، أو «كيف يمكن أن يشعر الشخص الآخر؟»، أو «ماذا قد يحدث إذا جربنا طريقة مختلفة؟». ومع تحويل هذه الأسئلة إلى حوار أو لعبة، يمكن أن تصبح عملية التفكير نفسها تجربة ممتعة بالنسبة إلى الطفل.
كيف يساعد الوالدان طفلهما على بناء المرونة النفسية؟
لا تعني تربية طفل يتمتع بنضج عاطفي السعي إلى جعله هادئاً ومطيعاً طوال الوقت، أو منعه من الحزن والغضب والخوف. فالمرونة النفسية لا تتشكل من خلال تجنب المشاعر الصعبة، وإنما من خلال تعلم التعامل معها والحصول على الدعم المناسب أثناء المرور بها.
ولهذا، يحتاج الطفل إلى بيئة أسرية يشعر فيها بالأمان، ويستطيع فيها الحديث عن مشاعره من دون خوف من السخرية أو الرفض، مع وجود حدود واضحة تحميه وتعلمه احترام الآخرين. كما أن الإنصات، والحنان، والصبر، وتشجيع الاستقلالية، والسماح بالخطأ والتعلم منه، كلها ممارسات يمكن أن تساعد الطفل على بناء علاقة أكثر توازناً مع مشاعره.
وفي النهاية، لا يوجد جدول زمني واحد للنضج العاطفي ينطبق على جميع الأطفال. فقد تظهر بعض المهارات مبكراً لدى طفل، بينما تحتاج مهارات أخرى إلى وقت أطول لدى طفل آخر. و الأهم هو توفير بيئة آمنة وداعمة تسمح للطفل بالنمو وفق إيقاعه الخاص، وتساعده تدريجياً على فهم نفسه، والتعبير عن مشاعره، والتعامل مع الإحباط، وفهم الآخرين، وبناء قدر أكبر من الاستقلالية والمرونة النفسية مع مرور الوقت.
اقرأ المزيد
عادات منزلية بسيطة قد تعرقل نجاح الطفل في المدرسة.. معلم يكشف 5 مهارات يغفلها عن الآباء
هل أنت سبب سعادة طفلك أم تعاسته؟ 6 تصرفات يوصي علم النفس بالتخلي عنها فوراً..
6 أخطاء تربوية قد تضعف شخصية طفلك.. كيف تربي أبناء مستقلين وواثقين بأنفسهم؟

