وطن-أثار مسار الطائرة الحكومية الإسرائيلية التي تقل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى نيويورك جدلاً قانونياً جديداً، بعدما أظهرت بيانات تتبع الرحلات عبورها أجواء اليونان وإيطاليا وفرنسا، وهي دول أعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، رغم استمرار مذكرة التوقيف الصادرة بحقه.
وغادرت طائرة «جناح صهيون» إسرائيل صباح الخميس 24 سبتمبر/أيلول 2026، في طريقها إلى الولايات المتحدة للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وأظهرت بيانات الملاحة التي حللتها جهات إعلامية أن الطائرة اتجهت عبر البحر المتوسط، ثم عبرت الأجواء اليونانية والإيطالية والفرنسية قبل مواصلة رحلتها فوق المحيط الأطلسي.
ويعيد المسار إلى الواجهة سؤالاً قانونياً معقداً: هل تلتزم الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية بالتعامل مع شخص مطلوب للمحكمة بمجرد دخوله مجالها الجوي، أم أن واجب الاعتقال والتسليم لا ينشأ إلا إذا دخل الشخص أراضي الدولة فعلياً؟
مذكرة توقيف ما زالت قائمة
أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مذكرة توقيف بحق نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، بعدما خلص القضاة إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بمسؤوليتهما الجنائية عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مزعومة في قطاع غزة.
ومن بين الأفعال التي استند إليها قرار المحكمة الاتهام باستخدام التجويع كوسيلة من وسائل الحرب، إلى جانب اتهامات أخرى تتعلق بالسكان المدنيين في قطاع غزة.
وتظل مذكرة التوقيف سارية، فيما تؤكد إسرائيل رفضها لاختصاص المحكمة واتهاماتها.
وتختلف المواقف الدولية بشأن المحكمة الجنائية الدولية ومذكراتها، كما أن إسرائيل والولايات المتحدة ليستا دولتين طرفين في نظام روما الأساسي، بينما تنتمي اليونان وإيطاليا وفرنسا وكندا إلى الدول الأطراف.
لماذا أثار عبور الأجواء جدلاً؟
تنص المادة 86 من نظام روما الأساسي على التزام الدول الأطراف بالتعاون الكامل مع المحكمة في التحقيقات والملاحقات التي تجريها، كما ينص النظام على آليات للتعاون في تنفيذ طلبات المحكمة المتعلقة بالقبض والتسليم.
لكن المشكلة القانونية المطروحة في حالة نتنياهو أكثر تحديداً: نظام روما لا يتضمن نصاً صريحاً يقول إن الدولة العضو ملزمة باعتراض طائرة في مجالها الجوي لمجرد وجود شخص مطلوب للمحكمة على متنها.
وهنا يظهر الفرق بين «دخول أراضي الدولة» و«المرور في مجالها الجوي».
ففي الحالات السابقة التي تعاملت معها المحكمة، كان الشخص المطلوب موجوداً فعلياً داخل إقليم دولة عضو، كما حدث عندما زار نتنياهو المجر في أبريل/نيسان 2025.
أما في حالة التحليق فوق دولة ما من دون الهبوط فيها، فإن المسألة أكثر تعقيداً، وتدخل فيها قواعد القانون الدولي المتعلقة بسيادة الدول على مجالها الجوي وقواعد الطيران المدني الدولي.
فرنسا سبقت إلى تبرير موقفها
ليست هذه المرة الأولى التي يثير فيها مسار طائرة نتنياهو هذه الإشكالية، ففي سبتمبر/أيلول 2025، اتخذت الطائرة مساراً بدا أنه يتجنب المجال الجوي الفرنسي في طريقها إلى نيويورك، رغم أن باريس كانت قد سمحت لها بالعبور.
وفي رحلات لاحقة، عادت طائرة نتنياهو إلى استخدام المجال الجوي الفرنسي. وقالت فرنسا في مناسبات سابقة إن نظام روما الأساسي لا يلزمها بمنع طائرة حكومية تقل شخصاً مطلوباً للمحكمة من عبور مجالها الجوي، وهو تفسير أثار نقاشاً بين خبراء القانون الدولي.
وتستند هذه القراءة إلى أن التزامات التعاون مع المحكمة لا تعني بالضرورة وجود واجب مستقل باعتراض الطائرات العابرة، خصوصاً عندما لا يدخل الشخص المطلوب إلى أراضي الدولة.
في المقابل، يرى قانونيون أن امتلاك الدولة السيادة على مجالها الجوي يمنحها، على الأقل، القدرة القانونية على رفض السماح لطائرة حكومية معينة بالعبور إذا رأت أن ذلك يتعارض مع التزاماتها الدولية.
سابقة المجر تزيد تعقيد القضية
وتقدم زيارة نتنياهو إلى المجر في أبريل/نيسان 2025 سابقة مختلفة وأكثر وضوحاً، فقد دخل رئيس الوزراء الإسرائيلي أراضي المجر، وهي دولة طرف في نظام روما، خلال زيارة استمرت من 3 إلى 6 أبريل/نيسان.
وبعد الزيارة، خلصت الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية الدولية إلى أن المجر لم تفِ بالتزامها بالتعاون مع المحكمة بشأن طلب اعتقال نتنياهو وتسليمه، وأحالت المسألة إلى جمعية الدول الأطراف.
وتختلف هذه الحالة عن عبور الطائرة في الأجواء، لأن نتنياهو كان موجوداً فعلياً داخل الأراضي المجرية. وقد بدأت المجر لاحقاً إجراءات الانسحاب من المحكمة، لكن الحكومة الجديدة تراجعت عن المسار قبل دخوله حيز التنفيذ.
كندا تتحقق من مسار الطائرة
أما كندا، فقد دخلت بدورها في النقاش قبل الرحلة. وقالت وزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند، الأربعاء، إنها طلبت من وزارتها تزويدها بالمعلومات المتعلقة بمسار رحلة نتنياهو وما إذا كانت الطائرة ستدخل المجال الجوي الكندي.
وكان رئيس الوزراء الكندي مارك كارني قد قال في وقت سابق إن نتنياهو سيُعتقل إذا دخل الأراضي الكندية تنفيذاً لالتزامات كندا تجاه المحكمة الجنائية الدولية.
لكن هذا الموقف يتعلق بدخول نتنياهو الأراضي الكندية، ولا يحسم تلقائياً المسألة القانونية المتعلقة بمجرد عبور طائرته المجال الجوي للبلاد.
وهذا التفريق مهم، لأن المجال الجوي الإقليمي يخضع لسيادة الدولة، لكن طبيعة الالتزامات الناتجة عن وجود شخص مطلوب للمحكمة على متن طائرة تعبر ذلك المجال لا تزال موضع نقاش قانوني.
ماذا قال رئيس بلدية نيويورك؟
وفي الولايات المتحدة، اتخذ الجدل مساراً مختلفاً تماماً، وكان رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني قد أعلن في يوليو/تموز أنه طلب من فريقه القانوني دراسة ما إذا كانت سلطات المدينة تستطيع تنفيذ مذكرة التوقيف بحق نتنياهو في حال وصوله إلى نيويورك.
لكن المراجعة القانونية خلصت إلى أن المدينة لا تملك سلطة قانونية مستقلة لتنفيذ مذكرة المحكمة الجنائية الدولية. وقال ممداني لاحقاً إن الحكومة الفيدرالية الأمريكية هي الجهة التي يمكنها تنفيذ مثل هذا الإجراء، ودعا واشنطن إلى الانضمام إلى المحكمة وتنفيذ المذكرة.
غير أن الولايات المتحدة ليست دولة طرفاً في نظام روما، كما أعلن الرئيس دونالد ترامب أن نتنياهو لن يُعتقل في الولايات المتحدة. وبالتالي، فإن وصول نتنياهو إلى نيويورك لا يضع السلطات المحلية في الوضع القانوني نفسه الذي كانت ستواجهه دولة عضو في المحكمة.
نتنياهو في نيويورك.. وعباس عبر الفيديو
وتأتي زيارة نتنياهو في ظل جدل دبلوماسي موازٍ بشأن مشاركة القيادة الفلسطينية في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، فقد رفضت الولايات المتحدة، للعام الثاني على التوالي، منح الرئيس الفلسطيني محمود عباس وعدد من المسؤولين الفلسطينيين تأشيرات دخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك.
وصوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول لصالح السماح لعباس بإلقاء كلمته عبر تسجيل مصور، وهو ما حدث الخميس من مكتبه في رام الله. وصوتت 152 دولة لصالح القرار، مقابل ثلاث دول ضده وأربع امتنعت عن التصويت.
وبررت واشنطن قرارها بمواقف وإجراءات تتهم بها السلطة الفلسطينية، من بينها السعي إلى تدويل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني عبر المؤسسات القضائية الدولية. وهكذا وصل نتنياهو إلى نيويورك لإلقاء كلمته شخصياً، بينما شارك عباس عن بعد.
اختبار جديد لالتزامات الدول الأعضاء
يعيد مسار طائرة نتنياهو فوق الدول الأوروبية الثلاث طرح سؤال أوسع بشأن حدود تنفيذ أوامر المحكمة الجنائية الدولية، فالدول الأعضاء في نظام روما ملزمة بالتعاون مع المحكمة، لكن كيفية تطبيق هذه الالتزامات عندما يكون الشخص المطلوب على متن طائرة تحلق فوق أراضيها تختلف عن حالة وجوده داخل أراضيها. وهذه المنطقة القانونية الرمادية هي التي تجعل كل رحلة خارجية لنتنياهو موضع اهتمام قانوني وسياسي، خصوصاً مع استمرار مذكرة التوقيف بحقه.
وبينما يرى منتقدون أن السماح للطائرة بالمرور يثير أسئلة حول مدى استعداد الدول الأطراف للوفاء بالتزاماتها تجاه المحكمة، ترى قراءات قانونية أخرى أن نظام روما لا ينص صراحة على اعتراض طائرة عابرة، وأن واجب الاعتقال والتسليم يرتبط بوجود الشخص المطلوب على إقليم الدولة.
وبذلك، لا تكمن القضية فقط في المسار الذي اختارته طائرة نتنياهو، بل في سؤال قانوني أوسع لم يحسمه نظام روما بشكل صريح: أين تبدأ حدود واجب الدولة العضو في تنفيذ مذكرة المحكمة عندما يكون المطلوب على متن طائرة تعبر مجالها الجوي دون أن تهبط؟
قد يعجبك
الجنائية الدولية تتمسك بمذكرات اعتقال نتنياهو وغالانت رغم الضغوط والعقوبات الأمريكية
ترامب وبزشكيان ونتنياهو في نيويورك.. حروب الشرق الأوسط تهيمن على قمة الأمم المتحدة

