وطن-لا يعني التقدم في العمر أن الإنسان سيصاب حتمًا بمرض ألزهايمر، كما أن نسيان بعض التفاصيل اليومية لا يكفي وحده للقول إن الشخص يعاني من المرض. وبين النسيان الطبيعي الذي قد يحدث مع التقدم في السن، والتغيرات المتكررة التي تؤثر في الذاكرة والتفكير والسلوك، توجد علامات تستحق الانتباه والتقييم الطبي.
ويُعد ألزهايمر أحد أكثر أسباب الخرف شيوعًا، وهو اضطراب تدريجي يؤثر في وظائف الدماغ، وقد ينعكس مع مرور الوقت على قدرة الشخص على تذكر المعلومات، والتخطيط، واتخاذ القرارات، والتواصل، وإنجاز المهام اليومية. لكن كثيرًا من المعتقدات المرتبطة بالمرض لا تزال تدفع بعض الأشخاص إلى الخوف المفرط، بينما تجعل آخرين يتجاهلون أعراضًا تستحق الفحص.
ألزهايمر ليس جزءًا طبيعيًا من الشيخوخة
يُعد العمر من أبرز عوامل خطر الإصابة بألزهايمر والخرف، لكن الشيخوخة بحد ذاتها لا تعني الإصابة بالمرض، فقد ينسى الشخص مع التقدم في العمر اسمًا أو موعدًا أو مكانًا وضع فيه شيئًا، ثم يتذكره لاحقًا. وهذه التغيرات لا تعني بالضرورة وجود مرض عصبي.
المثير للقلق يكون عندما يصبح النسيان متكررًا ومتزايدًا، أو عندما يبدأ في التأثير على الحياة اليومية واستقلالية الشخص، مثل نسيان معلومات مهمة تم تعلمها حديثًا، أو تكرار الأسئلة نفسها، أو مواجهة صعوبة في القيام بمهام كان يؤديها بصورة طبيعية. ولهذا فإن الفرق لا يتعلق بوجود النسيان من عدمه، وإنما بطبيعته وتكراره وتأثيره في حياة الإنسان.
المرض لا يتعلق بالذاكرة وحدها
غالبًا ما يرتبط ألزهايمر في أذهان الناس بالنسيان، لكن المرض يمكن أن يؤثر في مجموعة واسعة من القدرات العقلية، فقد تظهر صعوبة في التخطيط أو حل المشكلات، أو في تنفيذ المهام المعتادة، أو فهم المعلومات البصرية، أو العثور على الكلمات المناسبة أثناء الحديث أو الكتابة.
وقد يواجه الشخص أيضًا ارتباكًا بشأن الوقت أو المكان، أو يضع الأشياء في أماكن غير معتادة ولا يستطيع العودة بخطواته لمعرفة أين تركها. ومع تطور المرض يمكن أن تظهر تغيرات في الشخصية والمزاج والسلوك، وقد ينسحب الشخص تدريجيًا من أنشطة اجتماعية أو مهنية كان يمارسها باستمرار. لذلك فإن اختزال ألزهايمر في «ضعف الذاكرة» وحده لا يعكس الصورة الكاملة للمرض.
علامات مبكرة لا ينبغي تجاهلها
توجد مجموعة من التغيرات التي تستحق الانتباه، خصوصًا عندما تكون جديدة ومتكررة وتزداد مع الوقت. ومن أبرزها فقدان الذاكرة الذي يؤثر في الحياة اليومية، وصعوبة التخطيط أو حل المشكلات، وعدم القدرة على إتمام المهام المألوفة، والارتباك بشأن الزمان أو المكان، ومشكلات جديدة في الكلام أو الكتابة.
كما يمكن أن تظهر صعوبة في تقدير المسافات والعلاقات المكانية، أو وضع الأشياء في أماكن غريبة، أو ضعف القدرة على اتخاذ القرارات والحكم على الأمور. وقد يلاحظ المحيطون بالشخص أيضًا تغيرًا واضحًا في شخصيته أو مزاجه، أو ابتعاده عن الأنشطة التي كان يستمتع بها.
لكن ظهور واحدة من هذه العلامات لا يعني تلقائيًا الإصابة بألزهايمر، إذ يمكن أن تكون بعض الأعراض مرتبطة بأسباب صحية أخرى، وهو ما يجعل التقييم الطبي ضروريًا بدل الاعتماد على التخمين.
هل يمكن تقليل خطر الإصابة؟
من أكثر الأفكار التي تحتاج إلى تصحيح الاعتقاد بأن الإنسان لا يستطيع فعل أي شيء لتقليل خطر الإصابة بالخرف، صحيح أنه لا توجد حتى الآن وسيلة تضمن منع ألزهايمر بشكل كامل، لكن الأبحاث تشير إلى وجود عوامل خطر يمكن التأثير فيها، وقد يساعد التعامل معها على تقليل خطر الخرف أو تأخير ظهوره.
وتشير الأدلة الحديثة إلى أهمية السيطرة على ارتفاع ضغط الدم والسكري وارتفاع الكوليسترول، إلى جانب ممارسة النشاط البدني، والامتناع عن التدخين، والحفاظ على وزن صحي، وتجنب الإفراط في تناول الكحول. كما يرتبط الاهتمام بالسمع والبصر، والحفاظ على النشاط الاجتماعي، وتجنب إصابات الرأس، بصحة الدماغ على المدى الطويل.
وأشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن التعامل مع مجموعة من عوامل الخطر القابلة للتعديل يمكن أن يساهم في منع أو تأخير نسبة كبيرة من حالات الخرف على مستوى السكان، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني إمكانية منع جميع الحالات.
الرياضة والغذاء وصحة الدماغ
لا توجد وصفة واحدة تمنع ألزهايمر، لكن الحفاظ على نمط حياة صحي يظل جزءًا مهمًا من العناية بصحة الدماغ. كما يساعد النشاط البدني المنتظم في الحفاظ على الصحة العامة وصحة القلب والأوعية الدموية، وهما عاملان يرتبطان بدورهما بصحة الدماغ.
كما أن التحكم في ضغط الدم وسكر الدم والكوليسترول، وتجنب التدخين، واتباع نظام غذائي متوازن، كلها إجراءات يمكن أن تكون مفيدة للصحة بشكل عام وقد تساهم في تقليل بعض عوامل خطر الخرف. ولا يتعلق الأمر بانتظار سن متقدمة للبدء في هذه العادات، إذ إن العناية بصحة الدماغ عملية تمتد طوال الحياة.
هل يعني التاريخ العائلي أن الإصابة حتمية؟
وجود أحد الوالدين أو الأقارب المصابين بألزهايمر قد يزيد المخاوف، لكنه لا يعني أن الشخص سيصاب بالمرض حتمًا. فالوراثة أحد العوامل التي يمكن أن تؤثر في مستوى الخطر، لكنها ليست العامل الوحيد. وتتداخل معها عوامل صحية وبيئية ونمط الحياة.
ولهذا فإن وجود تاريخ عائلي للمرض يجب أن يكون معلومة مهمة بالنسبة إلى الطبيب، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى حكم مسبق على مستقبل الشخص. وبالمقابل، فإن عدم وجود حالات في العائلة لا يعني انعدام خطر الإصابة.
ألزهايمر يمكن أن يظهر قبل الخامسة والستين
رغم أن المرض أكثر شيوعًا لدى كبار السن، فإن ألزهايمر لا يقتصر عليهم، فهناك حالات يبدأ فيها المرض قبل سن الخامسة والستين، ويُطلق عليها ألزهايمر المبكر.
ولهذا لا ينبغي تجاهل التغيرات الواضحة في الذاكرة أو التفكير لمجرد أن الشخص ما زال في سن أصغر، خصوصًا إذا أصبحت الأعراض تؤثر في العمل أو الدراسة أو إدارة الحياة اليومية.
متى يجب زيارة الطبيب؟
ليس المطلوب أن يذهب الشخص إلى الطبيب بسبب كل نسيان عابر، لكن ظهور تغيرات متكررة ومؤثرة في الحياة اليومية يستحق التقييم.
فإذا بدأ الشخص ينسى معلومات مهمة باستمرار، أو يواجه صعوبة في إدارة أمور كان يتعامل معها بسهولة، أو يضيع في أماكن مألوفة، أو يكرر الأسئلة نفسها، أو يلاحظ أفراد الأسرة تغيرًا واضحًا في الشخصية والسلوك، فمن الأفضل طلب المشورة الطبية.
وقد يكشف التقييم عن ألزهايمر أو نوع آخر من الخرف، لكنه قد يكشف أيضًا عن أسباب أخرى يمكن علاجها أو التعامل معها.
والتشخيص المبكر لا يعني فقط معرفة اسم المرض، بل يمكن أن يساعد المريض وأسرته على فهم الحالة والتخطيط للمستقبل والاستفادة من الخيارات العلاجية والداعمة المتاحة.
لا تخف من كل نسيان.. ولا تتجاهل التغير المستمر
بين الخوف المبالغ فيه والتجاهل الكامل، توجد مساحة مهمة تقوم على الملاحظة الواعية، إن نسيان اسم شخص ثم تذكره بعد دقائق، أو نسيان مكان وضع المفاتيح ثم العثور عليها، لا يعني بالضرورة الإصابة بألزهايمر.
لكن فقدان الذاكرة بصورة متكررة، أو عدم القدرة على أداء مهام مألوفة، أو تغير السلوك والشخصية، أو ظهور صعوبات متزايدة في التفكير واتخاذ القرارات، أمور تستحق الانتباه. والقاعدة الأهم هي أن التغير المستمر والمؤثر في الحياة اليومية هو ما يستدعي التقييم، وليس مجرد النسيان العرضي.
صحة الدماغ تبدأ قبل ظهور الأعراض
لا يزال ألزهايمر من الأمراض التي تواصل الأبحاث العلمية البحث عن أسبابها وطرق علاجها والوقاية منها، لكن المعرفة المتاحة اليوم تكسر عددًا من الأفكار القديمة حول المرض.
فالتقدم في العمر لا يعني الإصابة الحتمية، والتاريخ العائلي ليس حكمًا بالمستقبل، والنسيان ليس العرض الوحيد، كما أن الوقاية لا تعني وجود ضمان كامل لعدم الإصابة.
وفي المقابل، فإن الاهتمام بالصحة العامة، وممارسة النشاط البدني، والسيطرة على ضغط الدم والسكري والكوليسترول، وعدم التدخين، والعناية بالسمع والبصر، والحفاظ على النشاط الاجتماعي والعقلي، كلها خطوات يمكن أن تدعم صحة الدماغ وتساعد على تقليل بعض عوامل الخطر.
أما عند ظهور تغيرات واضحة ومستمرة في الذاكرة أو التفكير أو السلوك، فإن أفضل خطوة ليست الخوف ولا التجاهل، وإنما طلب تقييم طبي لمعرفة السبب الحقيقي في وقت مبكر.
اقرأ المزيد
دراسة سويدية: أدوية شائعة للرجفان الأذيني قد ترتبط بتباطؤ تراجع الذاكرة لدى مرضى ألزهايمر
علاقة مقلقة بين اضطرابات النوم وشيخوخة الدماغ.. ماذا كشفت الدراسات؟
اكتشاف علمي يغيّر كل ما عرفناه عن الميتفورمين.. الدماغ هو المفتاح الحقيقي لخفض السكر

