وطن-تصاعد الخلاف بين الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وسلطنة عُمان على خلفية تصريحات مفتي السلطنة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي بشأن الحرب في اليمن وموقفه من جماعة الحوثيين، بعدما ردت وزارة الأوقاف والإرشاد اليمنية ببيان شديد اللهجة اعتبرت فيه أن تصريحات المفتي تقدم، من وجهة نظرها، غطاءً معنوياً للحوثيين وتتجاهل جذور الصراع اليمني.
وجاء الخلاف بعد تصريحات للخليلي دعا فيها إلى وقف الاقتتال بين اليمنيين وحقن الدماء وتوحيد الصف، كما انتقد مواقف لعلماء مسلمين تجاه جماعة قال إنها واجهت إسرائيل ودافعت عن المقدسات الإسلامية والقضية الفلسطينية.
الخليلي: لماذا يقتتل اليمنيون؟
في موقف ركز على الجانب الإنساني والديني للحرب، أعرب مفتي سلطنة عُمان عن أسفه لاستمرار القتال بين اليمنيين، متسائلاً عن أسباب عجز اليمنيين عن حقن الدماء والحفاظ على وحدة الصف.
كما انتقد ما اعتبره مواقف من بعض العلماء تجاه جماعة قال إنها «جاهدت» من أجل تحرير المقدسات وتخليص الشعب الفلسطيني، داعياً إلى عدم انشغال المسلمين عن القضية الفلسطينية بما وصفه بالقضايا الجانبية.
وتحول هذا الجزء من تصريحات الخليلي إلى محور أساسي في الجدل، بعدما فهمت وزارة الأوقاف اليمنية حديثه باعتباره توصيفاً للصراع لا يعكس، بحسبها، ما تعتبره جذور الأزمة اليمنية.
وزارة الأوقاف اليمنية: التصريحات تمنح الحوثيين غطاءً معنوياً
ردت وزارة الأوقاف والإرشاد اليمنية في 19 سبتمبر/أيلول ببيان انتقدت فيه تصريحات مكتب المفتي العام لسلطنة عُمان. وقالت الوزارة إن توصيف الصراع باعتباره اقتتالاً بين اليمنيين يتجاهل، بحسب روايتها، ما تعتبره «السبب الأساسي» للحرب، والمتمثل في سيطرة الحوثيين على مؤسسات الدولة والعاصمة صنعاء عام 2014.
واعتبرت الوزارة أن الإشادة بدور الحوثيين في مواجهة إسرائيل، في مقابل تجاهل الانتهاكات التي تنسبها إليهم داخل اليمن، تمنح الجماعة غطاءً معنوياً. ودعت المفتي العُماني إلى مراجعة موقفه والنظر إلى معاناة اليمنيين، مؤكدة في الوقت نفسه أن اليمنيين بمختلف مكوناتهم يقفون إلى جانب الشعب الفلسطيني وقضيته.
الخلاف ليس حول فلسطين.. بل حول توصيف الحوثيين
اللافت في بيان الوزارة أنها لم ترفض أولوية القضية الفلسطينية بحد ذاتها، بل اعترضت تحديداً على ربطها بتقييم دور الحوثيين في اليمن. فالخليلي ركز في تصريحاته على أن الجماعة التي تحدث عنها واجهت إسرائيل ودافعت عن المقدسات الفلسطينية، بينما ترى الحكومة اليمنية أن هذا الوصف لا يمكن فصله عن سجل الجماعة داخل اليمن وعن الحرب الطويلة التي اندلعت بعد سيطرتها على صنعاء.
وهنا ظهر خلاف جوهري في توصيف الصراع نفسه: هل يُنظر إلى الحرب أساساً باعتبارها اقتتالاً داخلياً ينبغي وقفه وحقن الدماء، أم باعتبارها صراعاً على الدولة والسلطة بدأ بانقلاب الحوثيين، وفق الرواية التي تتبناها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً؟
الأوقاف اليمنية تستحضر الانتهاكات الإنسانية
في بيانها، اتهمت وزارة الأوقاف الحوثيين بارتكاب انتهاكات داخل اليمن، بينها استهداف المساجد ودور القرآن وتشريد أعداد كبيرة من السكان ونهب مقدرات الدولة. كما ذكرت الوزارة أن الجماعة تسببت، وفق تقديرها، في مقتل وإصابة أكثر من نصف مليون يمني، وربطت سيطرتها بتفاقم الأزمة الإنسانية في البلاد.
لكن هذه الأرقام والاتهامات وردت ضمن بيان وزارة الأوقاف اليمنية، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها حصيلة مستقلة أو حكماً قضائياً نهائياً من دون الرجوع إلى مصادر محايدة لكل ملف على حدة.
عُمان.. لماذا يثير موقف المفتي حساسية في اليمن؟
تكتسب تصريحات الخليلي حساسية خاصة بسبب موقع عُمان في الملف اليمني. فعُمان حافظت خلال سنوات الحرب على قنوات اتصال مع أطراف الصراع اليمني، ولعبت مسقط أدواراً في جهود الوساطة والاتصالات المرتبطة بالملف اليمني.
ولهذا، فإن أي موقف يصدر عن شخصية دينية بارزة في السلطنة بشأن الحوثيين يمكن أن يُقرأ داخل اليمن في سياق سياسي أوسع، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بجماعة ما تزال تسيطر على صنعاء ومناطق واسعة من البلاد.
وفي المقابل، لا يعني تصريح المفتي العُماني بالضرورة أنه يمثل موقفاً رسمياً للحكومة العُمانية من الحرب أو من الحوثيين؛ فالخلاف الحالي يدور أساساً حول تصريحات المفتي العام والرد الذي أصدرته وزارة الأوقاف اليمنية عليها.
من الدعوة إلى السلام إلى سجال سياسي وديني
كان محور خطاب الخليلي هو الدعوة إلى وقف إراقة الدماء اليمنية وتوحيد الصف، لكن رد الحكومة اليمنية نقل النقاش إلى مستوى آخر: مسؤولية الحوثيين عن اندلاع الحرب، وطبيعة الجماعة ودورها داخل اليمن، ثم علاقتها بإيران وتأثيرها على أمن المنطقة. وهكذا، تحولت الدعوة إلى وقف القتال إلى سجال حول من يتحمل مسؤولية الحرب وكيف ينبغي توصيف الحوثيين.
وفي الوقت نفسه، يبقى الملف اليمني أكثر تعقيداً من اختزاله في موقف طرف واحد، إذ شهدت البلاد سنوات من الصراع المسلح والتدخلات الإقليمية والأزمة الإنسانية، بينما تتداخل فيه الحسابات المحلية مع ملفات أمن البحر الأحمر والعلاقات السعودية الإيرانية والقضية الفلسطينية.
بين فلسطين واليمن.. صراع على الأولويات
يعكس الخلاف أيضاً اختلافاً في ترتيب الأولويات. فالخليلي شدد على القضية الفلسطينية وضرورة عدم انشغال المسلمين عنها بالخلافات الأخرى، بينما قالت وزارة الأوقاف اليمنية إن دعم فلسطين لا يتعارض مع إدانة ما تنسبه إلى الحوثيين من انتهاكات داخل اليمن.
وبذلك، لم يعد الجدل متعلقاً فقط بتصريحات مفتي عُمان، بل أصبح جزءاً من نقاش أوسع حول كيفية الجمع بين الموقف من إسرائيل والقضية الفلسطينية من جهة، والموقف من أطراف الصراع اليمني من جهة أخرى.
هل يتسع الخلاف؟
حتى الآن، لا تشير البيانات المنشورة إلى تحول الخلاف إلى أزمة رسمية بين مسقط والحكومة اليمنية، وإنما يدور أساساً حول تصريحات المفتي والرد الصادر عن وزارة الأوقاف والإرشاد اليمنية. لكن حدة اللغة المستخدمة في البيان اليمني تكشف حجم الحساسية التي أثارتها تصريحات الخليلي، خصوصاً وصف الوزارة للموقف بأنه يمنح الحوثيين غطاءً معنوياً، ودعوتها المفتي إلى مراجعة موقفه.
وفي النهاية، يبقى جوهر الخلاف في سؤالين متداخلين: كيف ينبغي توصيف الحرب اليمنية؟ وهل يمكن الفصل بين موقف الحوثيين من إسرائيل والقضية الفلسطينية وبين دورهم في الصراع الداخلي اليمني؟ وهما سؤالان لا تزال الإجابات بشأنهما مختلفة جذرياً بين أطراف الصراع والقوى الإقليمية والدينية التي تتعامل مع الملف اليمني.
اقرأ المزيد
الحوثيون يقتربون من باب المندب ويهددون صادرات النفط السعودية وسط تصعيد إقليمي واسع
الحوثيون يصعدون ضد السعودية.. هجمات على مأرب ونجران والبحر الأحمر وتحالف دفاعي جديد يغيّر المعادلة

