وطن-في نيويورك، اختار الرئيس السوري أحمد الشرع أن يضع العلاقة مع إسرائيل أمام معادلة واضحة: لا يمكن الحديث عن سلام دائم قبل معالجة ما تعتبره دمشق اعتداءات واحتلالًا لأراضٍ سورية.
وخلال فعالية نظمها المجلس الأطلسي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، الثلاثاء 22 سبتمبر، قال الشرع إن إسرائيل واصلت، منذ سقوط النظام السابق، تنفيذ غارات وتوغلات واعتقالات داخل الأراضي السورية، كما اتهمها باحتلال أراضٍ جديدة.
وقال الشرع إن دمشق، رغم ذلك، اختارت المسار الدبلوماسي، وأجرت اتصالات ومفاوضات مباشرة مع إسرائيل بمشاركة أمريكية. لكن الرئيس السوري شدد على أن حماية أمن السوريين وحقوقهم يجب أن تسبق أي حديث عن السلام.
مفاوضات اقتربت من 90%.. وفق رواية الشرع
اللافت في تصريحات الرئيس السوري كان كشفه عن تفاصيل المفاوضات مع إسرائيل. وقال إن الجانبين عقدا عدة جولات من المحادثات، وإنهما اقتربا، بحسب تقديره، من إنجاز 90% من التفاهمات بشأن إطار أمني، قبل أن تتراجع إسرائيل عن الاتفاق أو تضيف شروطًا جديدة لأسباب مختلفة.
وهنا يجب التوقف عند نقطة مهمة: رقم 90% يعكس توصيف الشرع للمفاوضات، وليس نسبة رسمية معلنة لاتفاق أقره الطرفان. وبحسب ما عرضه الرئيس السوري، فإن الخطوة الأولى تتمثل في انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، والعودة إلى الخطوط المرتبطة باتفاق فض الاشتباك لعام 1974، قبل الانتقال إلى ترتيبات أمنية، ثم فتح الباب لاحقًا أمام نقاش حول سلام دائم.
الجولان.. خط أحمر في خطاب دمشق
أما الجولان، فكان أكثر الملفات وضوحًا في تصريحات الشرع. فالرئيس السوري أكد أن مرتفعات الجولان أرض سورية، وأن مسألة تبعيتها ليست، من وجهة نظر دمشق، موضوعًا قابلًا للتفاوض.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة اعترفت خلال إدارة دونالد ترامب الأولى بسيادة إسرائيل على الجولان عام 2019، في خطوة تخالف الموقف السوري وموقف الأمم المتحدة بشأن وضع المنطقة.
وقال الشرع إن لا رئيس سوريًا ولا أمريكيًا ولا أي مسؤول آخر يملك حق التنازل عن الجولان. كما طرح فكرة تشكيل لجنة دولية تبحث في المخاوف الأمنية المرتبطة بالجولان، بهدف التمييز بين المخاوف التي يعتبرها حقيقية وتلك التي يرى أنها مبالغ فيها.
«لماذا لا تمنحون إسرائيل نيوجيرسي؟».. مزحة الشرع مع ترامب
وفي واحدة من أكثر لحظات اللقاء إثارة، كشف الشرع عن حوار سابق جمعه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض. وقال إنه عندما تحدث ترامب عن السيادة الإسرائيلية على الجولان، رد عليه مازحًا: «لماذا لا تمنحون إسرائيل ولاية نيوجيرسي؟ أنتم لا تملكون الجولان كي تمنحوه، لكنكم تملكون نيوجيرسي».
ثم أضاف، بحسب روايته، أن نيوجيرسي مليئة بالديمقراطيين الذين لا يصوتون لترامب، ولذلك سيكون من الأفضل منحها لإسرائيل. وقال الشرع إن الحاضرين ضحكوا على التعليق، لكنه عاد للتأكيد أن القضية بالنسبة إلى سوريا ليست مزحة، وأن الجولان لا يمكن التنازل عنه.
وماذا عن العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل؟
وعلى الرغم من لهجة الشرع الحادة، فإن تصريحاته لا تعني أن دمشق أغلقت الباب أمام المسار الدبلوماسي. على العكس، قال إن سوريا اختارت التفاوض والحوار، وإن الاتصالات المباشرة مع إسرائيل استمرت لنحو عام، بوساطة ومشاركة أمريكية.
لكن ترتيب الأولويات لدى دمشق، وفق ما عرضه الشرع، يبدأ بالانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي دخلتها بعد سقوط النظام السابق، ثم ترتيبات أمنية، وبعد نجاح هذه الخطوات يمكن الانتقال إلى الحديث عن سلام طويل الأمد. بمعنى آخر، لا يطرح الشرع السلام باعتباره نقطة البداية، بل باعتباره نتيجة محتملة لمسار يبدأ بالانسحاب والترتيبات الأمنية.
لبنان.. هل يمكن أن تساعد سوريا في ملف حزب الله؟
وانتقل الحوار أيضًا إلى لبنان، حيث سُئل الشرع عن الدور الذي يمكن أن تؤديه دمشق في دعم استقرار البلد المجاور. وقال إن سوريا تستطيع المساهمة في تمكين الحكومة اللبنانية ومؤسسات الدولة، بحيث تكون الأسلحة خاضعة لسلطة الدولة والقانون.
أما الحديث عن أن القوات السورية قد تساعد في نزع سلاح حزب الله، فهو ملف أكثر تعقيدًا، خصوصًا في ظل العلاقة التاريخية بين الحزب ونظام الأسد، والتغيرات الكبيرة التي شهدتها سوريا بعد سقوطه.
لذلك ركز الشرع على دعم مؤسسات الدولة اللبنانية وتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية، بدل تقديم إعلان مباشر بشأن عملية عسكرية لنزع السلاح.
الوجود الأجنبي.. «إخلاء سوريا من القواعد الأجنبية نهج جيد»
وفي الملف العسكري، تحدث الشرع عن مستقبل القوات الأجنبية الموجودة في سوريا. وقال إن الوجود الروسي تقلص بصورة كبيرة، مشيرًا إلى أن عدد القواعد الروسية الذي كان يبلغ، بحسب تقديره، نحو 170 قاعدة، أصبح محصورًا في قاعدتين، قال إنهما ستستخدمان لتدريب الجيش السوري.
كما تحدث عن الوجود العسكري التركي، مشيرًا إلى توجه نحو تنظيمه ضمن أطر قانونية. أما القوات الأمريكية، فأبدى الشرع تأييدًا لمبدأ تقليص القواعد الأجنبية، معتبرًا أن خروج القوات الأجنبية من سوريا يمثل نهجًا جيدًا. وفي الوقت نفسه، شدد على أن الدولة السورية تعمل على بناء جيش جديد ومؤسسات أمنية قادرة على تولي مسؤولياتها.
جيش جديد.. وسلاح تحت سلطة الدولة
وقال الشرع إن سوريا تمر بمرحلة إعادة بناء واسعة للمؤسسات الأمنية والعسكرية. وتشمل العملية، بحسب حديثه، تفكيك المجموعات المسلحة، وجمع السلاح تحت سلطة الدولة، ومراجعة ملفات العناصر المسلحة، وتشكيل الجيش الوطني الجديد.
وأوضح أن هذه العملية قد تترافق مع حوادث أمنية، لأن إعادة تنظيم عشرات التشكيلات المسلحة داخل مؤسسة عسكرية واحدة ليست عملية بسيطة. وأكد أن بناء مؤسسات الدولة هو أحد المحاور الرئيسية للمرحلة الانتقالية السورية.
ماذا قال عن 11 سبتمبر والقاعدة؟
اللقاء لم يقتصر على إسرائيل وسوريا، فقد واجه الشرع أسئلة مباشرة من بريت ماكغورك حول هجمات 11 سبتمبر 2001، وعلاقته السابقة بتنظيم القاعدة، خصوصًا أن الشرع كان في الثالثة عشرة من عمره عند وقوع الهجمات.
ورد قائلًا إنه لم تكن له أي علاقة بأحداث 11 سبتمبر، وإن كثيرًا من الأسئلة المتعلقة بالماضي أصبحت، من وجهة نظره، جزءًا من مرحلة مختلفة. كما قال إن المنطقة كانت تعيش ظروفًا مختلفة، وإن الظروف التي عاشها الشباب آنذاك دفعت بعضهم إلى خيارات مختلفة.
ويأتي هذا السؤال في ظل ماضي الشرع المعروف باسم أبو محمد الجولاني، وقيادته سابقًا هيئة تحرير الشام، التي كانت لها جذور في تنظيم القاعدة قبل أن تتغير توجهاتها وبنيتها السياسية والعسكرية.
من مطلوب بمكافأة أمريكية إلى رئيس سوريا
وتكشف هذه الإجابات حجم التحول الذي شهده المسار السياسي للشرع، فالرجل الذي ارتبط اسمه سابقًا بالعمل المسلح ضد القوات الأمريكية في العراق، وأصبح لاحقًا قائدًا لهيئة تحرير الشام، يقف اليوم في نيويورك رئيسًا لسوريا ويتحدث عن إعادة بناء مؤسسات الدولة والدستور والجيش والعلاقات الدولية.
وفي حديثه عن هذه المرحلة، قدم الشرع دوره الحالي باعتباره جزءًا من مسار قال إنه يهدف إلى رفع الظلم عن السوريين وإنهاء حكم عائلة الأسد.
دستور جديد وانتخابات رئاسية بعد المرحلة الانتقالية
وفي الشأن الداخلي، تحدث الشرع عن بناء نظام سياسي جديد خلال المرحلة الانتقالية. وقال إن مجلس الشعب سيشكل لجنة لمراجعة القوانين السورية، فيما ستبدأ لجنة أخرى العمل على صياغة دستور جديد.
كما تحدث عن توسيع صلاحيات المحافظات والمجالس المحلية، في إطار توجه نحو اللامركزية، مع مسار سياسي يفترض أن يقود إلى انتخابات رئاسية بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.
وعندما سُئل عما إذا كان سيترشح للرئاسة مستقبلًا، لم يستبعد الشرع الاحتمال. وهذا يترك الباب مفتوحًا أمام سيناريو سياسي لم يُحسم بعد، في وقت ما تزال فيه مؤسسات الدولة السورية الجديدة قيد التشكيل.
الشرع في نيويورك.. سوريا تدخل مرحلة جديدة
لم يكن ظهور أحمد الشرع في المجلس الأطلسي مجرد لقاء إعلامي على هامش الجمعية العامة، فالأسئلة التي واجهها عكست الملفات الأكثر حساسية في المرحلة السورية الجديدة: إسرائيل والجولان، القوات الأجنبية، لبنان، الجيش، الدستور، الماضي المرتبط بالقاعدة، ومستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة.
والرسالة الأوضح التي خرجت من حديث الشرع بشأن إسرائيل كانت أن دمشق، وفق موقفه المعلن، لا تغلق باب التفاوض، لكنها ترفض الانتقال إلى الحديث عن السلام قبل معالجة ملف الأراضي التي تقول إن إسرائيل احتلتها بعد سقوط النظام السابق، والوصول إلى ترتيبات أمنية مقبولة. أما الجولان، فيبقى بالنسبة إلى الرئيس السوري ملفًا خارج التفاوض.
وبينما تستعد دمشق لمرحلة جديدة من بناء الدولة، تبدو معركة الشرع المقبلة أكبر من مجرد التفاوض مع إسرائيل: إنها محاولة لإثبات أن سوريا الجديدة تستطيع الانتقال من مرحلة الحرب والفصائل والقواعد الأجنبية إلى دولة ذات مؤسسات وجيش ودستور وعلاقات إقليمية ودولية مستقرة.
اقرأ أيضاً
سوريا وروسيا تعيدان ترتيب وجود موسكو العسكري على الساحل السوري.. ما مصير حميميم وطرطوس؟
لقاء ترامب والشرع في أنقرة.. مكسب سياسي للرئيس السوري ورسائل أمريكية تتجاوز قمة الناتو

