وطن-غادر جندي إسرائيلي متهم بارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة الأراضي الهندية، بعد أسابيع من تقديم مؤسسة هند رجب شكوى جنائية ضده لدى السلطات الهندية، في تطور يعيد إلى الواجهة الجدل حول تعامل نيودلهي مع جنود إسرائيليين يزورون البلاد بينما تواجههم اتهامات مرتبطة بالحرب في غزة.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن محامياً مطلعاً على القضية أكد أن الجندي، الذي لم تُكشف هويته علناً، غادر الهند في منتصف سبتمبر، بعد أن تقدمت مؤسسة هند رجب بشكوى ضده في أغسطس. ولم يتضح ما إذا كانت مغادرته مرتبطة مباشرة بالشكوى أم جاءت ببساطة مع انتهاء زيارته للهند.
وتأتي القضية بعد واقعة مماثلة في يونيو، عندما غادر جندي احتياط إسرائيلي يدعى إيتان غلبوع الهند بعد أيام من تقديم شكوى ضده، بحسب محامٍ مرتبط بالقضية وتقارير صحفية.
شكوى ثانية ضد جندي إسرائيلي في الهند
قدمت مؤسسة هند رجب في 18 أغسطس 2026 شكوى جنائية إلى السلطات الهندية ضد جندي إسرائيلي كان موجوداً في البلاد، واتهمته بالمشاركة في عمليات تدمير لممتلكات مدنية في منطقة خان يونس خلال مارس وأبريل 2024.
وقالت المؤسسة إن الجندي وثّق مشاركته في عمليات التدمير، وإن الأدلة التي قدمتها إلى السلطات تتضمن مواد مرتبطة بالعمليات العسكرية التي شهدتها محافظة خان يونس. وطالبت المؤسسة بفتح تحقيق جنائي في الاتهامات المتعلقة بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وأعمال إبادة جماعية. وهذه تبقى اتهامات مقدمة من المؤسسة ولم تثبت بحكم قضائي ضد الجندي.
كما قالت المؤسسة إنها اعتمدت في ملفها على مواد مصورة وأدلة جغرافية وصور للأقمار الصناعية، بهدف توثيق عمليات تدمير للممتلكات المدنية.
وقال دياب أبو جهجه، المدير العام لمؤسسة هند رجب، إن المنظمة تعتبر أن تدمير المنازل والأراضي الزراعية في تلك المناطق كان ممنهجاً، وطالب السلطات الهندية بالتحقيق في الملف.
تجربة إيتان غلبوع سبقت القضية الجديدة
لم تكن هذه المرة الأولى التي تتقدم فيها المؤسسة بشكوى في الهند، ففي مايو ويونيو 2026، تقدمت المؤسسة بشكوى ضد إيتان غلبوع، وهو جندي احتياط في كتيبة الهندسة القتالية 271 في الجيش الإسرائيلي، بعدما حددت مكان وجوده في ولاية هيماشال براديش.
واتهمته المؤسسة بالمشاركة في عمليات هدم لمبانٍ سكنية ومنشآت مدنية في غزة، وبأنه وثق بعض هذه العمليات ونشر مواد عنها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كما طلبت من الشرطة الهندية ووزارة الداخلية ومكتب الهجرة توقيفه.
وبحسب محامٍ شارك في القضية، غادر غلبوع الهند بعد أيام من تقديم الشكوى. ولم تتمكن تقارير صحفية من تأكيد أن مغادرته كانت نتيجة مباشرة لإجراء قانوني هندي، فيما لم يصدر عن السلطات الهندية إعلان يؤكد فتح ملاحقة جنائية بحقه.
وأعادت القضية الثانية بذلك طرح السؤال نفسه: هل تتعامل السلطات الهندية مع هذه الشكاوى باعتبارها ملفات جنائية تستوجب التحقيق، أم أن وجود جنود إسرائيليين متهمين بهذه الأفعال على الأراضي الهندية لا يؤدي إلى إجراءات معلنة؟
الهند والقانون الدولي
يتزامن الجدل مع حضور وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي تصريحات له خلال اجتماعات نيويورك، شدد جايشانكار على أهمية القواعد الدولية والتعددية، داعياً إلى إصلاح النظام متعدد الأطراف وتعزيز التعاون الدولي في مواجهة الأزمات العالمية. وتأتي هذه التصريحات في وقت تناقش فيه الأمم المتحدة قضايا الحرب والقانون الدولي ومستقبل المؤسسات الدولية.
لكن ملف الجنود الإسرائيليين في الهند يضع هذه المبادئ أمام اختبار عملي، خصوصاً مع مطالبة مؤسسة هند رجب السلطات الهندية بالتحقيق في اتهامات خطيرة بموجب القوانين الوطنية والالتزامات الدولية.
لماذا تتحول الهند إلى ساحة قانونية؟
تعتمد مؤسسة هند رجب في تحركاتها على مبدأ الولاية القضائية الوطنية في الدول التي يدخل إليها جنود إسرائيليون متهمون بارتكاب انتهاكات خطيرة.
وفي حالة الهند، تشير المؤسسة إلى القانون الهندي الخاص بتطبيق اتفاقيات جنيف باعتباره أحد الأسس القانونية التي تستند إليها مطالبها.
لكن المسألة أكثر تعقيداً من مجرد تقديم شكوى، إذ يتطلب فتح قضية جنائية اتخاذ السلطات المختصة قراراً بالتحقيق، ثم تحديد الاختصاص وجمع الأدلة وتقييم المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنيين.
ولذلك فإن تقديم الشكوى، بحد ذاته، لا يعني إثبات ارتكاب جريمة، كما أن مغادرة الشخص المعني للبلاد لا تثبت أن السلطات تدخلت لإخراجه أو أنها قررت عدم ملاحقته.
الهند ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية
وتختلف هذه الملفات أيضاً عن القضايا المرتبطة بالمحكمة الجنائية الدولية، فالهند ليست دولة طرفاً في نظام روما الأساسي، ولذلك لا تنطبق عليها التزامات الدول الأطراف في النظام بالطريقة نفسها. ومع ذلك، فإن عدم عضوية الهند في المحكمة لا يمنع مناقشة المسؤولية بموجب القانون الهندي أو التزاماتها الأخرى بموجب القانون الدولي.
وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت في نوفمبر 2024 مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وهذه المذكرات تتعلق بأشخاص محددين واتهامات محددة، ولا تعني أن كل جندي إسرائيلي متهم في قضية منفصلة مشمول بها.
كما أن المحكمة نفسها تواجه حالياً ضغوطاً أمريكية متزايدة، بعدما أصدرت إدارة الرئيس دونالد ترامب عقوبات ضد مسؤولين فيها، فيما تدرس واشنطن إجراءات أوسع ضد المؤسسة القضائية الدولية.
صادرات عسكرية هندية إلى إسرائيل
ولا يقتصر الجدل حول علاقة الهند بإسرائيل على ملفات الجنود، ففي يوليو 2026، نشرت منظمة العفو الدولية تحقيقاً قالت فيه إنها حددت 2596 شحنة من الأسلحة والذخائر والمكونات العسكرية أُرسلت من الهند إلى إسرائيل بين 7 أكتوبر 2023 و30 نوفمبر 2025.
وقالت المنظمة إن بيانات الشحن التي حللتها تضمنت مكونات لأسلحة خفيفة، وأجزاء من الذخائر، ومكونات لمركبات عسكرية، إضافة إلى قذائف مدفعية شديدة الانفجار عيار 155 مليمتراً ومكونات مرتبطة بطائرات مسيرة هجومية. كما حدد التحقيق شركات هندية مملوكة للدولة أو مرتبطة بها ضمن سلسلة التوريد.
وتقول منظمة العفو الدولية إن استمرار هذه الصادرات يثير مخاطر قانونية على الشركات والجهات المتورطة إذا استُخدمت المواد في ارتكاب انتهاكات للقانون الدولي.
وهذه خلاصة وموقف منظمة العفو الدولية، وليست حكماً قضائياً يثبت مسؤولية الهند أو الشركات الهندية عن جرائم ارتكبت في غزة.
حصيلة الحرب في غزة
أما الرقم الوارد في بعض التقارير السابقة عن سقوط أكثر من 248 ألف قتيل وجريح فلسطيني، فلا يتوافق مع أحدث الأرقام المنشورة في المصادر الدولية التي أمكن التحقق منها.
فبحسب أحدث التقارير المتاحة في سبتمبر 2026، تجاوز عدد الفلسطينيين الذين قتلوا في الحرب 73 ألفاً، بينما تجاوز عدد المصابين 174 ألفاً وفق الأرقام المنسوبة إلى السلطات الصحية في غزة. كما استمرت أعمال القتل والضربات رغم وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، وفق تقارير حديثة.
ملف قانوني يتجاوز حدود الهند
تأتي الشكاوى المقدمة في الهند ضمن تحرك أوسع لمؤسسة هند رجب ومنظمات أخرى لمحاولة ملاحقة جنود إسرائيليين في دول مختلفة، اعتماداً على القوانين الوطنية ومبدأ الولاية القضائية العالمية.
وقد سبق للمؤسسة أن قدمت ملفات في عدد من الدول الأوروبية وغيرها، مستندة إلى مواد مصورة وبيانات عن الوحدات العسكرية ومواقع العمليات التي تقول إنها تثبت مشاركة أفراد محددين في أفعال ترقى، بحسب تقييمها، إلى جرائم حرب أو جرائم أخرى بموجب القانون الدولي.
وفي الحالة الهندية، يظل السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الشكاوى ستتحول إلى تحقيقات رسمية، وما إذا كانت السلطات ستعلن نتائج واضحة بشأن الأدلة والاختصاص والمسؤولية الجنائية.
وبينما غادر جندي إسرائيلي ثانٍ الهند بعد تقديم شكوى ضده، لا توجد حتى الآن معلومات علنية تثبت أن مغادرته كانت نتيجة مباشرة لإجراء قضائي هندي. لكن تكرار الحالات يعيد وضع سياسة نيودلهي تجاه زيارة الجنود الإسرائيليين المتهمين في قضايا مرتبطة بغزة تحت تدقيق حقوقي وقانوني متزايد.
قد يعجبك
فيلم عن حرب غزة يثير عاصفة في إسرائيل.. ونتنياهو يتجه إلى سحب الجنسية
أنقاض غزة تخفي أسرار الحرب.. ألبانيزي تحذر من تدمير الأدلة ورفات الضحايا
بن غفير يطرح خطة لتهجير جميع الفلسطينيين من غزة: إخراج 250 ألفاً في العام الأول والبقية خلال 6 سنوات
في الذكرى الأولى لاستشهاد أنس الشريف: منصة رقمية تروي حكايات صحفيي غزة عبر الرسائل الصوتية

