وطن-دخلت العلاقات بين أوغندا وتركيا مرحلة جديدة من التوتر، بعدما أعلنت قوات الدفاع الشعبية الأوغندية تعليق جميع أشكال التعاون الدفاعي والعسكري مع أنقرة بأثر فوري، في خطوة تأتي وسط خلافات متصاعدة بين البلدين، من بينها مطالبة أوغندا بتسليم معارض سياسي يقيم في تركيا.
وأعلنت القوات الأوغندية، السبت 19 سبتمبر/أيلول، أن قرار التعليق سيبقى سارياً إلى حين حل ما وصفته بـ«القضايا العالقة» المتعلقة بالتعاون الدفاعي والعسكري المشترك، من دون أن تحدد طبيعة تلك القضايا أو البرامج العسكرية التي يشملها القرار.
قضية المعارض الأوغندي تشعل الخلاف
جاء القرار بعد يوم واحد من احتجاجات أمام السفارة التركية في العاصمة كمبالا، شارك فيها مؤيدون لـ«رابطة الوطنيين الأوغنديين»، للمطالبة بتسليم المعلق السياسي الأوغندي فريد لومبويا، المقيم في تركيا.
ويواجه لومبويا اتهامات من السلطات الأوغندية تتعلق بالتحريض على العنف ونشر معلومات كاذبة وإساءة استخدام أنظمة الحاسوب، فيما تؤكد التقارير أن أنقرة لم تستجب لمطالب كمبالا بتسليمه.
ويرتبط التنظيم الذي قاد الاحتجاجات بالجنرال موهوزي كاينروغابا، قائد قوات الدفاع الأوغندية ونجل الرئيس يوري موسيفيني، الذي كثف خلال الأشهر الماضية ضغوطه على تركيا بسبب قضية لومبويا.
ومع ذلك، فإن بيان الجيش الأوغندي الذي أعلن تعليق التعاون العسكري لم يذكر لومبويا بالاسم ولم يربط القرار رسمياً بقضيته، وهو ما يترك الباب مفتوحاً أمام تفسيرات أخرى لطبيعة الخلاف بين كمبالا وأنقرة.
الصومال.. البعد الآخر في الأزمة
إلى جانب قضية لومبويا، تشير تقارير وتحليلات إلى وجود بعد أوسع للخلاف يرتبط بالدور العسكري والأمني لكل من أوغندا وتركيا في الصومال.
وتنشر أوغندا قوات في الصومال منذ سنوات ضمن الجهود الأفريقية والدولية لدعم الحكومة الصومالية في مواجهة حركة الشباب، في حين وسعت تركيا حضورها الأمني والعسكري في مقديشو، وأصبحت شريكاً رئيسياً للصومال في مجالات التدريب والدفاع.
وبحسب تحليلات نقلتها وسائل إعلام، فإن تنامي القدرات الأمنية والعسكرية الصومالية، بالتوازي مع توسع الشراكة الأمنية مع تركيا، قد يؤثر في حجم الدور الذي ستواصل القوات الأوغندية القيام به داخل البلاد. وتشير التقارير الحالية إلى أن أوغندا تتوقع سحب قواتها الموجودة في الصومال بحلول أغسطس/آب 2027.
لكن من المهم الإشارة إلى أن الجيش الأوغندي لم يعلن أن مستقبل بعثته في الصومال هو السبب الرسمي لتعليق التعاون مع تركيا.
ملايين الدولارات وراء الوجود الأوغندي؟
يكتسب مستقبل القوات الأوغندية في الصومال أهمية إضافية بسبب الكلفة المالية المرتبطة بنشر القوات، بحسب ما أوردته تقارير إعلامية.
وتذهب تقديرات إلى أن تقليص الوجود العسكري الأوغندي أو إنهاءه يمكن أن يؤثر في الإيرادات التي تحصل عليها كمبالا من مشاركتها في العمليات الأمنية الدولية في الصومال.
لكن الأرقام المتداولة بشأن حجم العوائد السنوية، وكذلك عدد الجنود المنتشرين وآلية تمويلهم، تختلف بحسب المهمة والجهة الممولة والفترة الزمنية؛ لذلك لا يمكن اعتبار تقدير خسارة عشرات الملايين من الدولارات سنوياً رقماً رسمياً مؤكداً من الحكومة الأوغندية.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن هذا الجانب المالي قد يكون جزءاً من الحسابات الأوغندية، لكنه يبقى منفصلاً عن السبب الرسمي الذي أعلنته قوات الدفاع الشعبية لتعليق التعاون مع تركيا، والمتمثل في وجود قضايا عالقة في التعاون الدفاعي والعسكري.
تركيا تعزز حضورها في الصومال
في المقابل، عززت أنقرة خلال السنوات الماضية شراكتها مع مقديشو في المجال الأمني، وأصبحت تركيا من أبرز الشركاء الدوليين للصومال.
ويرى محللون أن هذا الحضور المتزايد يضيف بعداً جديداً إلى المنافسة على النفوذ الأمني في الصومال، حيث تعمل تركيا على تدريب القوات الصومالية وتطوير قدراتها، بينما تمتلك أوغندا تاريخاً طويلاً من المشاركة العسكرية في العمليات الأفريقية والدولية داخل البلاد.
ونقلت تقارير عن محللين أن تنامي قدرات القوات الصومالية قد يسمح للحكومة في مقديشو بتحمل مسؤوليات أمنية أكبر، وهو ما يمكن أن يقلل تدريجياً من اعتمادها على القوات الأجنبية.
مشروع السكك الحديدية يزيد الضغط
ولا تقتصر تداعيات الخلاف التركي الأوغندي على المجال العسكري.
فقد تصاعد التوتر أيضاً حول مشروع خط السكك الحديدية القياسي بين مالابا وكمبالا، الذي وقعته أوغندا عام 2024 مع شركة البناء التركية «يابى مركزي»، وتبلغ قيمته نحو 3 مليارات دولار.
وتؤكد الشركة التركية رسمياً توقيع العقد في أكتوبر/تشرين الأول 2024 لإنشاء خط بطول نحو 273 كيلومتراً، فيما أعلن الجنرال موهوزي كاينروغابا في يونيو/حزيران 2026 إلغاء العقد والبحث عن شركة أخرى لتنفيذ المشروع.
ويعني ذلك أن الخلاف بين كمبالا وأنقرة كان قد امتد بالفعل إلى المصالح الاقتصادية قبل إعلان تعليق التعاون العسكري، ما يرفع مستوى المخاطر بالنسبة للعلاقات الثنائية.
هل تتجه الأزمة إلى مزيد من التصعيد؟
رغم التصعيد، لا يعني قرار تعليق التعاون العسكري قطع العلاقات الدبلوماسية بين أوغندا وتركيا.
فالبيان العسكري الأوغندي أبقى الباب مفتوحاً أمام استئناف التعاون، إذ ربط رفع التعليق بحل «القضايا العالقة» بين البلدين، من دون تحديد جدول زمني لذلك.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الأزمة باتت تتجاوز قضية فريد لومبويا وحدها، لتشمل ملفات الدفاع والبنية التحتية والمصالح الاقتصادية، إضافة إلى تباين المصالح حول الدور الأمني في الصومال.
وبينما تبقى قضية لومبويا السبب الأكثر وضوحاً في التصعيد العلني، فإن السبب الرسمي لتعليق التعاون العسكري لا يزال غير مفصل من الجانب الأوغندي. أما الربط بين القرار ومستقبل القوات الأوغندية في الصومال والعوائد المالية المرتبطة بها، فيبقى تفسيراً ورد في تقارير وتحليلات، وليس موقفاً رسمياً معلناً من كمبالا.
وهكذا تدخل العلاقات الأوغندية التركية مرحلة اختبار، سيكون مسارها مرتبطاً بقدرة الطرفين على معالجة القضايا العالقة، ومنع الخلاف العسكري والسياسي من التحول إلى أزمة أوسع تمس المشاريع الاقتصادية والتعاون الأمني في شرق أفريقيا.
اقرا المزيد
البحر الأحمر يربك حسابات تركيا.. مصالح في الصومال وتحالف دفاعي مع السعودية
“لا تستفزوا تركيا”.. جنرال أميركي يحذّر إسرائيل من حرب قد تكون مدمّرة

