وطن-في خضم التصعيد العسكري الذي يضرب المنطقة، طرحت قطر تصورًا جديدًا لأمن الخليج يقوم على إشراك إيران في أي ترتيبات أمنية إقليمية مقبلة، فيما أكدت الدوحة في الوقت نفسه أنها لا تعتزم إنشاء خطوط أنابيب لتجاوز مضيق هرمز، معتبرة أن الرهان على جعل الممر المائي الاستراتيجي بلا أهمية خلال سنوات قليلة هو تقدير غير صحيح.
وجاءت المواقف القطرية على لسان رئيس الوزراء ووزير الخارجية الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني ووزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ«قطر للطاقة» سعد الكعبي، خلال منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك.
قطر: إيران جزء من أي منظومة أمنية جديدة
قال الشيخ محمد بن عبدالرحمن إن منطقة الشرق الأوسط تحتاج إلى «إطار أمني إقليمي جديد» يجمع دول الخليج وإيران، مؤكدًا أن طهران دولة مجاورة لدول المنطقة، وأن التعامل معها يجب أن يقوم على علاقات جيدة وتفاهمات أمنية متبادلة.
وأضاف أن المنطقة بحاجة إلى التحرك بصورة مسؤولة والعمل على إقامة علاقات جيدة مع إيران، وأن تكون العلاقات بين إيران ودول الخليج قائمة أيضًا على التفاهم.
وبحسب رئيس الوزراء القطري، فإن الحرب الحالية يجب أن تكون بمثابة «جرس إنذار» يدفع دول المنطقة إلى إعادة التفكير في ترتيبات الأمن والاستقرار. كما قال إن قطر وشركاءها الإقليميين يعملون باتجاه صيغة من هذا النوع.
ويأتي هذا الطرح في وقت تتزايد فيه المخاوف الخليجية من تداعيات المواجهة العسكرية مع إيران، بعدما امتدت آثارها إلى أمن الملاحة والطاقة والاقتصاد الإقليمي.
الدوحة تريد علاقات مستقرة مع طهران
الموقف القطري لا يقتصر على الدعوة إلى حوار سياسي، بل يربط أمن الخليج بوجود ترتيبات تضمن ألا تشكل أي دولة في المنطقة تهديدًا للأخرى.
وقال الشيخ محمد إن غياب إطار أمني يجمع دول الخليج وإيران يعني استمرار المنطقة في الدوران ضمن الدائرة نفسها من الأزمات والتوترات.
كما أكد أن قطر ستواصل جهود الوساطة والحفاظ على قنوات الاتصال والعمل مع الأطراف الإقليمية والدولية بهدف خفض التوتر ودعم التفاهمات الدبلوماسية.
وتأتي هذه السياسة بالتزامن مع جهود قطرية للوساطة بين واشنطن وطهران، إذ قال المتحدث باسم الخارجية القطرية إن الدوحة تعمل مع الطرفين على مقترحات تهدف إلى إعادة إطلاق المحادثات.
الإمارات تدعو أيضًا إلى مسار تفاوضي
ولم يكن الموقف القطري معزولًا تمامًا داخل الخليج. ففي اليوم نفسه تقريبًا، دعا أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، إلى تغيير طريقة التفكير في التعامل مع الأزمة، وقال إن أي مفاوضات لإنهاء الحرب يجب أن تتضمن مسارًا «إيرانيًا عربيًا».
ويعكس ذلك وجود نقاش متزايد داخل دول الخليج بشأن الحاجة إلى ترتيبات أمنية إقليمية تقلل من احتمالات اندلاع مواجهات جديدة، في ظل اعتماد هذه الدول اقتصاديًا وأمنيًا على استقرار المنطقة.
هرمز.. العقدة التي لا يمكن تجاوزها بسهولة
على الجانب الاقتصادي، كان مضيق هرمز حاضرًا بقوة في تصريحات وزير الطاقة القطري سعد الكعبي. فالمضيق يمثل ممرًا رئيسيًا لصادرات الطاقة الخليجية، كما تعتمد قطر عليه بصورة كبيرة لتصدير الغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق العالمية.
وكان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قد قال في وقت سابق إن أهمية المضيق يمكن أن تتراجع بصورة كبيرة خلال عامين مع تطوير دول المنطقة مسارات بديلة لتصدير الطاقة.
لكن الكعبي رفض هذا التقدير، وقال إن اعتبار مضيق هرمز بلا أهمية خلال عامين «خطأ»، مؤكدًا أن الممر المائي لا يقتصر دوره على النفط والغاز وإنما يشكل طريقًا مهمًا لأنواع مختلفة من التجارة.
قطر لا تخطط لبناء خطوط أنابيب لتجاوز المضيق
وكان الموقف القطري أكثر وضوحًا بشأن البدائل. وقال الكعبي إن قطر قررت عدم بناء خطوط أنابيب جديدة لتجاوز مضيق هرمز، موضحًا أن القرار يستند إلى اعتبارات تجارية وفنية، وأن بلاده ستواصل الاعتماد على المضيق في صادراتها.
ويكتسب القرار أهمية خاصة بالنسبة إلى قطر، باعتبارها واحدة من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم، وأن جزءًا كبيرًا من صادراتها يعتمد على النقل البحري عبر الخليج ومضيق هرمز.
أزمة هرمز تضغط على صادرات الغاز القطري
وتأتي هذه التصريحات بينما تضررت صناعة الغاز القطرية من اضطرابات الملاحة. فقد قالت «قطر للطاقة» إن الأزمة في مضيق هرمز قد تؤخر بعض مراحل توسعة حقل الشمال، رغم بقاء الإنتاج الأول من مشروع توسعة حقل الشمال الشرقي على المسار المستهدف لبدء التشغيل في عام 2027.
وأوضح الكعبي أن استمرار اضطراب الملاحة قد يؤثر في وصول المعدات اللازمة للمشروعات الجديدة، ما قد يدفع إلى تأجيل بعض مراحل التوسعة اللاحقة. كما تضررت منشآت رأس لفان خلال الحرب، وأشارت تقارير إلى أن نحو 17 بالمئة من قدرة قطر على إنتاج الغاز الطبيعي المسال تعرضت لأضرار، فيما تستمر أعمال الإصلاح.
لماذا يصعب على الخليج تجاهل هرمز؟
أهمية المضيق لا ترتبط بقطر وحدها. فعدد من دول الخليج تعتمد عليه بصورة كبيرة لتصدير النفط والغاز واستيراد السلع، ولذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة ينعكس سريعًا على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية.
وفي الوقت نفسه، بدأت دول خليجية البحث عن طرق بديلة أو زيادة الاستثمارات في الموانئ وخطوط الأنابيب والمسارات البحرية الأخرى. لكن تصريحات قطر تشير إلى أن هذه البدائل لا تعني بالضرورة إمكانية الاستغناء عن مضيق هرمز بالكامل، خصوصًا بالنسبة إلى الدول التي ترتبط بنيتها التحتية للطاقة ارتباطًا مباشرًا بالممر المائي.
أمن الخليج بعد الحرب
وتضع المواقف القطرية ملفين في إطار واحد: الأمن والطاقة. فمن وجهة نظر الدوحة، لا يمكن بناء منظومة أمنية خليجية مستقرة من دون التعامل مع إيران باعتبارها جزءًا من البيئة الإقليمية، وفي الوقت نفسه لا يمكن تجاهل الدور الذي يؤديه مضيق هرمز في الاقتصاد العالمي.
ولهذا تدفع قطر باتجاه الحوار والترتيبات الأمنية الإقليمية، بالتوازي مع مواصلة جهود الوساطة بين الأطراف المتصارعة. لكن نجاح أي إطار أمني جديد سيعتمد على طبيعة الضمانات التي يمكن أن تقبل بها دول الخليج وإيران، وعلى قدرة الأطراف على معالجة الملفات التي تتسبب في التوتر، وفي مقدمتها أمن الملاحة والهجمات المتبادلة والوجود العسكري الأجنبي في المنطقة.
قطر أمام معادلة دقيقة
في الوقت الذي تدعو فيه الدوحة إلى إقامة إطار أمني يجمع دول الخليج وإيران، تواجه اقتصاديا تحديًا مباشرًا بسبب اعتماد صادراتها من الغاز على الطريق البحري نفسه الذي تريد المنطقة حمايته. فالخروج من أزمة هرمز لا يبدو بالنسبة إلى قطر مجرد مسألة عسكرية أو دبلوماسية، بل قضية اقتصادية تمس صادرات الطاقة ومشروعات التوسعة وموقع البلاد في سوق الغاز العالمي.
ومن هنا تأتي الرسالة المزدوجة من الدوحة: الحل الأمني يجب أن يكون إقليميًا ويشمل إيران، بينما الحل الاقتصادي لا يمكن أن يقوم، في الوقت الحالي، على افتراض أن مضيق هرمز يمكن الاستغناء عنه.
وبين الدعوة إلى علاقات مستقرة مع طهران ورفض فكرة تجاوز المضيق بخطوط أنابيب، تبدو قطر وكأنها تدفع باتجاه إعادة صياغة أمن الخليج على أساس التفاهم الإقليمي، مع الإبقاء على هرمز في قلب معادلة الطاقة والتجارة العالمية.
اقرأ أيضاً
تلميح قطري بتنويع التحالفات: الاعتماد الحصري على واشنطن لم يعد ضامناً لأمن المنطقة
نفتالي بينيت يهدد بإعلان قطر “دولة معادية”.. هل يتحول الخلاف إلى ورقة انتخابية في إسرائيل؟

