وطن-تستعد الحكومة البريطانية لاتخاذ خطوة قد تمثل تحولاً لافتاً في موقف لندن من إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، مع توقعات بإعلان وزير الخارجية إد ميليباند حظراً تجارياً على السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.
وبحسب موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، فإن الإجراء المرتقب يتجاوز كونه خطوة تجارية محدودة، إذ قد يعكس توجهاً بريطانياً نحو سياسة خارجية أكثر استقلالاً عن الولايات المتحدة، وأكثر ارتباطاً بالقانون الدولي، في ظل تصاعد عنف المستوطنين وتراجع فرص إقامة دولة فلسطينية ضمن حل الدولتين.
ميليباند يتجه إلى تشديد الموقف البريطاني
تولى ميليباند منصب وزير الخارجية قبل نحو شهرين، لكنه واجه منذ ذلك الحين ضغوطاً وانتقادات سياسية ودبلوماسية بسبب مواقفه المتشددة تجاه إسرائيل، وإعلانه عزمه اتخاذ إجراءات للضغط من أجل وقف عنف المستوطنين والحفاظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية.
ووفق مصادر في الحكومة البريطانية تحدثت إلى “ميدل إيست آي”، من المنتظر أن يعلن ميليباند الحظر التجاري الثلاثاء، في خطوة تهدف إلى مواءمة السياسة البريطانية مع الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في يوليو/تموز 2024، والذي خلص إلى عدم قانونية استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويرى مدافعون عن حقوق الفلسطينيين أن الخطوة، رغم أهميتها، جاءت متأخرة، وأن قيمتها ستعتمد بصورة أساسية على نطاق تطبيقها. كما ينتقد هؤلاء حكومة حزب العمال لعدم استخدام مصطلح «الإبادة الجماعية» رسمياً، ولعدم فرض حظر شامل على مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل أو عقوبات على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
غضب إسرائيلي وانتقادات أميركية
وأثارت الخطط البريطانية ردود فعل حادة في إسرائيل والولايات المتحدة.وونقل “ميدل إيست آي” عن السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، قوله في منشور على منصة «إكس» إن البريطانيين «فقدوا عقولهم»، متهماً الحكومة البريطانية بما وصفه بأنه كراهية لليهود.
وأثار التصريح انتقادات، خصوصاً أن ميليباند نفسه يهودي، ما سلط الضوء على طبيعة الاتهامات التي وُجهت إليه بسبب مواقفه من السياسات الإسرائيلية.
من جانبه، صعّد نتنياهو لهجته تجاه لندن، ووصف بريطانيا الشهر الماضي بعبارة ساخرة هي «جمهورية بريطانيا الإسلامية»، في حين قال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن إسرائيل ستتحرك ضد بريطانيا إذا اتخذت لندن إجراءات ضدها.
ضغوط من الحكومة الإسرائيلية والمعارضة البريطانية
لم تتوقف الضغوط عند المستوى الحكومي. فقد دخل يائير نتنياهو، نجل رئيس الوزراء الإسرائيلي، على خط المواجهة السياسية، بينما أشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى موقفه من قضية جزر فوكلاند المتنازع عليها بين بريطانيا والأرجنتين.
وفي الداخل البريطاني، واجه ميليباند انتقادات من المعارضة المحافظة ووسائل إعلام يمينية. كما انتقدت جماعة «أصدقاء إسرائيل المحافظون» الخطوة المرتقبة، واعتبرتها استهدافاً لإسرائيل وحليفاً لبريطانيا.
ويقول “ميدل إيست آي” إن حجم هذه الضغوط يعكس حساسية القرار، خصوصاً أن فرض إجراءات اقتصادية على المستوطنات قد يمثل خروجاً عن النهج التقليدي الذي اتبعته حكومات بريطانية متعاقبة تجاه إسرائيل.
«لن نقبل بتدمير حل الدولتين»
وخلال أول ظهور له في البرلمان البريطاني وزيراً للخارجية، أكد ميليباند أن بلاده «لن تقبل بتدمير حل الدولتين»، وذلك رداً على مطالب نواب من حزب العمال والخضر والحزب الوطني الاسكتلندي باتخاذ إجراءات ضد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية.
وبحسب الموقع البريطاني، كان ميليباند من أبرز الداعمين داخل حكومة رئيس الوزراء آندي برنهام للسياسات التي يُنتظر الإعلان عنها.
كما استخدم وزير الخارجية لهجة أكثر حدة عند حديثه عن الوضع الإنساني في غزة، بعد اجتماعه بأشخاص كانوا موجودين في القطاع، وقال إن ما يجري هناك «مروع»، مؤكداً أن على الحكومة البريطانية التحرك «بحسم أكبر» مما فعلت حتى الآن.
ويرى التقرير أن هذه اللهجة تختلف عن مواقف وزيري الخارجية العماليين السابقين، ديفيد لامي وإيفيت كوبر، اللذين تلقيا بدورهما إحاطات حول الوضع في غزة، لكنهما لم يظهرا المستوى نفسه من الحدة العلنية، وفقاً للموقع.
المستوطنات ومشروع «إي 1»
تأتي الخطوة البريطانية المرتقبة في وقت يتزايد فيه القلق الدولي بشأن المشروع الاستيطاني المعروف باسم «إي 1» شرقي القدس، والذي يرى منتقدوه أنه قد يؤدي إلى فصل أجزاء من الضفة الغربية عن بعضها، ويزيد صعوبة إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وقابلة للحياة.
ويرى “ميدل إيست آي” أن حظر تجارة منتجات المستوطنات قد يحمل تداعيات سياسية وقانونية كبيرة، خصوصاً إذا جاء ضمن سياسة أوسع تشمل السلع والخدمات والاستثمارات المرتبطة بالمستوطنات.
ونقل الموقع عن بن جمال، المدير السابق لحملة التضامن مع فلسطين، أن حظر منتجات المستوطنات يمثل منذ سنوات مطلباً أساسياً لدى الحركة المؤيدة للفلسطينيين في بريطانيا.
هل يشمل الحظر الخدمات والاستثمارات؟
ويرتبط تأثير القرار المرتقب بدرجة كبيرة بنطاقه الفعلي. فبحسب التقرير، لن يكون حظر السلع وحده كافياً، إذ يمكن أن يتطلب الأمر أيضاً فرض قيود على الخدمات والاستثمارات المرتبطة بالشركات العاملة داخل المستوطنات، إلى جانب آليات تنفيذ واضحة تمنع تحول القرار إلى إجراء سياسي رمزي.
وأشار الموقع إلى أن دولاً أوروبية أخرى، بينها أيرلندا وإسبانيا وبلجيكا، اتخذت خطوات مرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية، فيما أكدت مصادر بريطانية أن الإجراءات المنتظرة من لندن قد تكون أكثر صرامة.
دعم شعبي داخل بريطانيا
على المستوى الداخلي، يرفض ميليباند اتهامات خصومه بأنه يتحرك استجابة لضغوط الناخبين المسلمين، إذ يشير “ميدل إيست آي” إلى أن استطلاعات الرأي التي يستند إليها التقرير تظهر دعماً ملحوظاً لفكرة حظر منتجات المستوطنات.
وبحسب الأرقام التي أوردها الموقع، يعارض الحظر 16% فقط من البريطانيين، بينما طالب أكثر من 140 نائباً من حزب العمال الحكومة باتخاذ إجراءات تجارية ضد المستوطنات.
كما أظهر استطلاع سابق بين أعضاء حزب العمال أن 87% منهم يؤيدون الحظر، وهو ما يمنح ميليباند هامشاً سياسياً واسعاً داخل حزبه.
موقف يعود إلى سنوات
لا تبدو مواقف ميليباند الحالية منفصلة عن مواقفه السابقة من القضية الفلسطينية. فخلال قيادته لحزب العمال في المعارضة عام 2014، انتقد بشدة موقف حكومة الائتلاف البريطانية خلال الحرب الإسرائيلية على غزة آنذاك، واتهم رئيس الوزراء ديفيد كاميرون بالصمت تجاه سقوط مدنيين فلسطينيين.
وفي العام نفسه، دعم ميليباند الاعتراف بالدولة الفلسطينية، في موقف عارضه المحافظون في ذلك الوقت.
وبحسب “ميدل إيست آي”، كان ميليباند خلال وجوده في الحكومة العام الماضي من الأصوات التي ضغطت على رئيس الوزراء كير ستارمر للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو ما أقدمت عليه الحكومة البريطانية في سبتمبر/أيلول الماضي.
تغيير مقارنة بالحكومات السابقة
يقدم التقرير التحول المرتقب باعتباره جزءاً من اختلاف أوسع بين حكومة حزب العمال الحالية والسياسة التي اتبعتها حكومة المحافظين في عهد ريشي سوناك.
فقد اتخذت حكومات العمال السابقة خطوات محدودة تجاه إسرائيل، من بينها فرض قيود على بعض الأسلحة، لكنها لم تصل إلى مستوى الحظر الشامل.
كما استمرت بعض أشكال التعاون وتبادل المعلومات الاستخباراتية المرتبطة بعمليات المراقبة فوق غزة، بينما بقيت الإجراءات المتعلقة بالاستثمارات في المستوطنات، بحسب التقرير، في إطار التوجيهات والنصائح غير الملزمة.
اختبار حقيقي لاستقلال السياسة البريطانية
في النهاية، يرى “ميدل إيست آي” أن حكومة آندي برنهام ووزير الخارجية إد ميليباند أمام اختبار سياسي ودبلوماسي حقيقي.
فإذا خففت لندن إجراءاتها خشية إغضاب إدارة ترامب أو مواجهة إسرائيل، فقد يبعث ذلك برسالة مفادها أن التغيير في السياسة البريطانية محدود ولن يخرج كثيراً عن النهج السابق.
أما إذا مضت الحكومة في فرض حظر واسع وتنفيذه بصورة فعالة، فقد يمثل ذلك تحولاً مهماً في السياسة الخارجية البريطانية، ويشير إلى استعداد لندن لاتخاذ مواقف أكثر استقلالاً عن الولايات المتحدة وإسرائيل عندما يتعلق الأمر بالقانون الدولي والاستيطان وحقوق الفلسطينيين.
اقرأ المزيد
بريطانيا تعلن إجراءات ضد إسرائيل بسبب التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية
نتنياهو يهاجم بريطانيا ويصفها بـ”الجمهورية الإسلامية” قبيل إعلان عقوبات مرتقبة على إسرائيل
الإسرائيليون من أقل الجنسيات ترحيبًا في بريطانيا.. لماذا يتغير المزاج البريطاني تجاه إسرائيل؟

