وطن-تبدو الكويت اليوم أكثر هدوءًا من سنوات سابقة، لكن هذا الهدوء يفتح بابًا واسعًا من الأسئلة حول طبيعة المشهد السياسي في البلاد، خصوصًا مع تراجع حضور الأصوات المعارضة في الحياة العامة، وصدور أحكام قضائية بحق نواب سابقين وناشطين على خلفية تصريحات ومنشورات سياسية.
فالكويت التي اشتهرت طويلًا ببرلمانها الصاخب، وبنواب لم يترددوا في توجيه انتقادات حادة إلى الحكومة ومساءلة الوزراء، تشهد مرحلة مختلفة تحت حكم أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح.
ويبقى السؤال الأكثر حساسية: هل يعكس هذا الهدوء استقرارًا سياسيًا، أم أن المشهد أصبح أكثر صمتًا لأن مساحة المعارضة تضيق؟
برلمان كان صاخبًا
لسنوات طويلة، شكّل مجلس الأمة الكويتي واحدًا من أكثر البرلمانات حيوية في منطقة الخليج. كان النواب يرفعون أصواتهم داخل قاعة المجلس، ويطرحون ملفات حساسة، ويوجهون استجوابات إلى الوزراء، ويدخلون في مواجهات سياسية متكررة مع الحكومة.
ولم يكن المشهد السياسي الكويتي خاليًا من الأزمات أو التوترات، بل على العكس، كانت العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية تمر بشكل متكرر بمراحل من التصعيد والاستجوابات وحل البرلمان. لكن ذلك الصخب كان، في الوقت نفسه، جزءًا من الحياة السياسية التي عُرفت بها الكويت.
عندما يتحول الصخب إلى صمت
خلال السنوات الأخيرة، بدأ المشهد يتغير بصورة واضحة. فالأصوات التي كانت تملأ قاعة البرلمان والمنصات السياسية أصبحت أقل حضورًا، فيما انتقلت بعض المواجهات السياسية إلى ساحات القضاء.
ومع صدور أحكام بحق عدد من النواب السابقين والناشطين، عاد النقاش حول الحدود الفاصلة بين حرية التعبير والنقد السياسي من جهة، والمسؤولية القانونية عن التصريحات والمنشورات من جهة أخرى.
ومن بين الأسماء التي وردت في الأحكام الأخيرة مسلم البراك، ومهند الساير، وسالم النملان، إلى جانب شخصيات سياسية أخرى. وتتعلق بعض القضايا بتصريحات أو منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي اعتبرتها المحاكم متجاوزة للحدود القانونية للنقد.
التغريدة قد تصبح قضية
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد المواجهة السياسية محصورة داخل البرلمان. كلمة يكتبها نائب أو ناشط على هاتفه يمكن أن تنتشر خلال دقائق، لكنها قد تعود بعد سنوات باعتبارها جزءًا من ملف قضائي. وهنا تظهر واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في المشهد الكويتي: أين تنتهي حرية التعبير، وأين تبدأ المسؤولية الجنائية؟
فالسلطات ترى أن حرية التعبير لا تعني السماح بنشر الأخبار الكاذبة أو الإشاعات أو العبارات التي تتجاوز الحدود التي يحددها القانون. في المقابل، يرى منتقدون أن توسيع القيود على الخطاب السياسي قد يؤدي إلى إضعاف المجال العام وتقليص مساحة النقد والمساءلة.
القضاء في قلب المشهد السياسي
أصبح القضاء خلال الفترة الأخيرة حاضرًا بصورة أكبر في ملفات مرتبطة بشخصيات سياسية معروفة. وفي القضايا التي صدرت فيها أحكام، استندت المحاكم إلى ما اعتبرته منشورات أو تصريحات تجاوزت حدود النقد المسموح به قانونًا.
لكن تحويل النقاش السياسي إلى مسار قضائي يطرح سؤالًا أوسع حول العلاقة بين القانون والعمل السياسي، خصوصًا في بلد اعتاد أن تكون فيه المواجهة بين النواب والحكومة جزءًا أساسيًا من الحياة العامة.
هل الصمت يعني الاستقرار؟
الهدوء السياسي قد يكون مؤشرًا على الاستقرار عندما يكون نتيجة توافق اجتماعي وسياسي واسع. لكن الهدوء يمكن أن تكون له قراءة مختلفة إذا كان سببه تراجع مساحة الاختلاف أو ارتفاع تكلفة التعبير عن الرأي. ولهذا، فإن انخفاض حدة المواجهات السياسية لا يعني بالضرورة أن الخلافات اختفت. قد يعني ببساطة أن الخلافات لم تعد تُعبّر عن نفسها بالطريقة نفسها التي اعتادها الكويتيون في السابق.
الكويت أمام مرحلة مختلفة
المشهد الحالي يأتي في سياق تحولات سياسية أوسع شهدتها الكويت خلال السنوات الماضية، من بينها أزمات متكررة بين الحكومات ومجلس الأمة، وحل المجالس النيابية، وإعادة ترتيب العلاقة بين السلطتين.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح مفهوم الاستقرار نفسه موضع نقاش. فبالنسبة إلى مؤيدي التشدد في مواجهة الخطاب السياسي، قد يعني الاستقرار تقليل الصدامات وتعزيز قدرة الدولة على اتخاذ القرارات.
أما بالنسبة إلى المدافعين عن المشاركة السياسية، فإن الاستقرار الحقيقي لا يتعارض مع وجود معارضة قوية، بل يحتاج إلى مساحة تسمح بالنقد والمساءلة والاختلاف.
دولة قوية أم دولة أكثر صمتًا؟
السؤال لا يتعلق فقط بأسماء النواب الذين غابوا عن المشهد، ولا بالأحكام التي صدرت بحق بعض الشخصيات السياسية. السؤال الأوسع هو: ما الشكل الذي تريد الكويت أن تكون عليه حياتها السياسية في السنوات المقبلة؟
فالدولة القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض القانون، وإنما أيضًا بقدرتها على استيعاب الاختلاف واحتواء النقد السياسي ضمن مؤسساتها. ووجود أصوات معارضة لا يعني بالضرورة وجود دولة ضعيفة، كما أن غياب الصخب السياسي لا يعني بالضرورة وجود إجماع.
وفي النهاية، قد تكون الكويت أمام مفترق طرق بين نموذج سياسي أكثر هدوءًا وانضباطًا، ونموذج آخر يعيد إلى الحياة العامة جزءًا من الصخب السياسي الذي لطالما ميّز تجربتها البرلمانية.
اقرأ أيضاً
رحيل عبدالعزيز السريع يكشف أزمة الهوية وسحب الجنسية في الكويت

