وطن-لم يعد الحديث عن العلاقة بين النظام الغذائي وسرطان القولون والمستقيم مجرد موضوع صحي ثانوي، إذ تتزايد الأدلة التي تربط العادات الغذائية طويلة المدى بمستوى خطر الإصابة بهذا النوع من السرطان. وبينما لا يمكن تحميل الطعام وحده مسؤولية المرض، فإن الإكثار من اللحوم المصنعة، وانخفاض استهلاك الألياف، وانتشار الأطعمة فائقة التصنيع، إلى جانب زيادة الوزن وقلة النشاط البدني، كلها عوامل قد تتداخل في رفع الخطر.
ويؤكد أطباء وباحثون أن الوقاية لا تقوم على حذف طعام واحد من القائمة، وإنما على تبني نمط حياة متوازن يجمع بين التغذية الصحية والحركة والحفاظ على وزن مناسب وإجراء الفحوصات في الوقت المناسب.
هل يمكن أن يؤثر الطعام فعلاً في خطر سرطان القولون؟
يقول الجراح المتخصص في أمراض القولون والمستقيم في كليفلاند كلينك، سكوت ستيل، إن العوامل المرتبطة بنمط الحياة والغذاء قد تلعب دوراً كبيراً في عدد من حالات سرطان القولون والمستقيم.
وتشير مؤسسة دانا-فاربر بريغهام الطبية إلى أن نسبة كبيرة من حالات سرطان القولون والمستقيم قد تكون قابلة للوقاية من خلال الجمع بين النشاط البدني، والحفاظ على وزن صحي، وتقليل استهلاك الكحول، وتحسين النظام الغذائي.
وهذا لا يعني أن اتباع نظام غذائي معين يضمن عدم الإصابة بالسرطان، فالمرض معقد وتتداخل فيه عوامل عديدة، من بينها العمر، والتاريخ العائلي، والعوامل الوراثية، والأمراض الالتهابية في الأمعاء.
لكن الدراسات السكانية طويلة المدى تظهر نمطاً متكرراً لدى الأشخاص الأكثر عرضة للخطر: قلة الألياف مقابل ارتفاع استهلاك اللحوم الحمراء والمصنعة والأطعمة فائقة التصنيع.
اللحوم المصنعة في مقدمة قائمة المخاطر
تُعد اللحوم المصنعة من أكثر الأطعمة التي تمتلك أدلة قوية على ارتباطها بسرطان القولون والمستقيم. وقد صنفت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية اللحوم المصنعة، مثل النقانق واللحم المقدد والمرتديلا واللحوم المملحة والمدخنة، ضمن المواد المسرطنة للإنسان فيما يتعلق بسرطان القولون والمستقيم.
أما اللحوم الحمراء، مثل لحم البقر والخنزير والضأن، فقد صنفتها الوكالة باعتبارها محتملة التسبب بالسرطان. وبحسب الصندوق العالمي لأبحاث السرطان، يرتبط ارتفاع استهلاك اللحوم الحمراء والمصنعة بزيادة خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم، خصوصاً عندما يكون الاستهلاك مرتفعاً ومتكرراً على مدى سنوات طويلة.
وهذا لا يعني أن تناول شريحة لحم أو وجبة تحتوي على لحم مصنع سيؤدي مباشرة إلى الإصابة بالسرطان، وإنما يتعلق الأمر بتراكم عوامل الخطر مع مرور الوقت.
ماذا يحدث داخل القولون؟
يحاول العلماء تفسير العلاقة بين اللحوم الحمراء والمصنعة وسرطان القولون من خلال عدة آليات بيولوجية. فالحديد الهيمي الموجود في اللحوم الحمراء يمكن أن يشارك في تكوين مركبات قد تكون ضارة لخلايا القولون، بينما يمكن أن تسهم بعض المواد المستخدمة في تصنيع اللحوم، مثل النتريت، في تكوين مركبات إن-نيتروزو.
كما أن طرق الطهي على درجات حرارة مرتفعة، مثل الشواء والقلي المباشر، قد تؤدي إلى تكوين مركبات كيميائية ضارة، من بينها الأمينات الحلقية غير المتجانسة والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات.
وتصبح الصورة أكثر أهمية عندما يقترن ذلك بنظام غذائي منخفض الألياف، لأن الألياف تساعد على زيادة حجم البراز وتسريع مروره عبر الجهاز الهضمي، كما تؤثر في نشاط البكتيريا النافعة الموجودة في الأمعاء.
الألياف.. عنصر أساسي لصحة القولون
في الجانب الآخر، ترتبط الأنظمة الغذائية الغنية بالألياف بانخفاض خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم. وتوجد الألياف بكثرة في الخضراوات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة والمكسرات والبذور.
وبحسب الصندوق العالمي لأبحاث السرطان، ارتبطت زيادة تناول الألياف بانخفاض خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم، مع تقديرات تشير إلى انخفاض الخطر بنحو 10% مقابل كل زيادة قدرها 10 غرامات يومياً من الألياف.
ولا يقتصر دور الألياف على تحسين حركة الأمعاء، إذ تتغذى بعض البكتيريا النافعة في القولون على الألياف وتنتج مركبات، من بينها البيوتيرات، التي ترتبط بصحة خلايا القولون وتنظيم الالتهاب.
هل الأطعمة فائقة التصنيع تزيد الخطر؟
دخلت الأطعمة فائقة التصنيع بقوة إلى النقاش العلمي حول سرطان القولون. وتتميز هذه المنتجات عادة باحتوائها على كميات مرتفعة من الملح أو السكر أو الدهون، بينما تكون فقيرة نسبياً بالألياف مقارنة بالأطعمة النباتية الكاملة.
وتشير الدراسات الحديثة إلى وجود ارتباط بين ارتفاع استهلاك الأطعمة فائقة التصنيع وبعض النتائج الصحية السلبية، بما فيها زيادة خطر الإصابة بعدد من الأمراض المزمنة.
لكن من المهم عدم وضعها في المستوى نفسه من قوة الأدلة المتعلقة باللحوم المصنعة؛ إذ لا تزال الأبحاث تبحث في الآليات الدقيقة التي قد تفسر العلاقة بين الأطعمة فائقة التصنيع وسرطان القولون.
النظام المتوسطي في الجانب الأكثر أماناً
تتجه الأدلة بشكل عام إلى دعم الأنماط الغذائية التي تعتمد على الأطعمة النباتية الكاملة. ويتميز النظام الغذائي المتوسطي بكثرة الخضراوات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة والمكسرات وزيت الزيتون، مع استهلاك معتدل للأسماك والدواجن ومنتجات الألبان وكميات محدودة من اللحوم الحمراء والمصنعة.
كما تشير الأدلة إلى أن بعض منتجات الألبان قد تكون مرتبطة بانخفاض خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم. وبالتالي، لا يتعلق الأمر باتباع حمية صارمة، وإنما بإعادة ترتيب الأولويات داخل الطبق: المزيد من النباتات والألياف، والأقل من اللحوم المصنعة والأطعمة فائقة التصنيع.
الغذاء وحده لا يمنع سرطان القولون
على الرغم من أهمية النظام الغذائي، فإنه ليس العامل الوحيد الذي يحدد خطر الإصابة. فالعمر، والتاريخ العائلي، والطفرات الوراثية، ووجود زوائد لحمية سابقة، والإصابة بأمراض التهابية مزمنة في الأمعاء، وزيادة الوزن، وقلة النشاط البدني، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في الاحتمال.
كما أن الفحص المبكر يمثل خط دفاع أساسياً، لأنه يمكن أن يكشف بعض الزوائد اللحمية قبل أن تتحول إلى سرطان. ويُستخدم لذلك عدد من الاختبارات، من بينها فحوص البراز وتنظير القولون، ويُحدد الاختبار والسن المناسب لبدء الفحص وفق العمر وعوامل الخطر والتوصيات الطبية المحلية.
ماذا عن الطعام بعد تشخيص سرطان القولون؟
تختلف الاحتياجات الغذائية بعد تشخيص المرض من شخص إلى آخر. فبعض المرضى قد يحتاجون مؤقتاً إلى تقليل الألياف، خصوصاً في حالات معينة مثل وجود تضيق في الأمعاء أو بعد بعض الإجراءات الجراحية. وفي المقابل، قد يحتاج مرضى آخرون إلى زيادة البروتين والسعرات للمساعدة على الحفاظ على الكتلة العضلية خلال العلاج.
كما أظهرت دراسات رصدية أن الأنماط الغذائية المرتبطة بالالتهاب قد تترافق مع نتائج صحية أقل إيجابية لدى بعض مرضى سرطان القولون.
لكن هذه النتائج لا تعني أن النظام الغذائي يمكن أن يحل محل العلاج الطبي، سواء كان جراحة أو علاجاً كيميائياً أو علاجاً موجهاً أو غير ذلك من العلاجات التي يحددها الفريق الطبي.
كم نحتاج من اللحوم؟
يوصي الصندوق العالمي لأبحاث السرطان بتقليل استهلاك اللحوم الحمراء إلى نحو 350–500 غرام من الوزن المطهو أسبوعياً، مع تجنب اللحوم المصنعة قدر الإمكان.
وفي المقابل، ينصح بزيادة الأطعمة النباتية الغنية بالألياف، مثل البقوليات والحبوب الكاملة والخضراوات والفواكه، إلى جانب الحفاظ على وزن صحي وممارسة النشاط البدني بانتظام وتقليل الكحول.
ولا ينبغي النظر إلى هذه التوصيات باعتبارها ضماناً للوقاية، وإنما باعتبارها خطوات يمكن أن تساعد في خفض مستوى الخطر ضمن نمط حياة صحي شامل.
الوقاية تبدأ من الطبق.. لكنها لا تنتهي عنده
لا يوجد طعام واحد يمكن اعتباره «سبب سرطان القولون»، كما لا توجد وجبة سحرية قادرة على منع المرض، لكن الصورة التي ترسمها الأدلة العلمية واضحة نسبياً: الإفراط المستمر في اللحوم المصنعة واللحوم الحمراء، مع قلة الألياف وزيادة الأطعمة فائقة التصنيع وقلة الحركة، يمثل نمطاً غذائياً وصحياً غير مواتٍ لصحة القولون.
وفي المقابل، فإن الإكثار من الخضراوات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة، والحفاظ على وزن صحي، وممارسة النشاط البدني، وتقليل الكحول، والالتزام بالفحوصات المناسبة، يمكن أن يشكل استراتيجية أكثر فاعلية للوقاية.
فالوقاية من سرطان القولون لا تبدأ فقط من السؤال: ماذا يجب أن أتوقف عن أكله؟ بل من سؤال أوسع: كيف يمكن أن أجعل نظام حياتي كله أكثر صحة؟
قد يعجبك
دراسة تحذر: تناول الأطعمة فائقة المعالجة أكثر من 3 مرات أسبوعياً يزيد خطر سرطان القولون والمستقيم
اكتشاف علمي يغيّر كل ما عرفناه عن الميتفورمين.. الدماغ هو المفتاح الحقيقي لخفض السكر
الإفراط في تناول البيض.. فوائد غير متوقعة ومخاطر صحية يجب معرفتها

