وطن-ظلّ البيض لعقود طويلة غذاءً مثيراً للجدل في الأوساط الصحية. ففي ثمانينيات القرن الماضي، ارتبط اسمه بمخاوف ارتفاع الكوليسترول وأمراض القلب، قبل أن يستعيد مكانته خلال السنوات الأخيرة كأحد أبرز مصادر البروتين والعناصر الغذائية، خصوصاً لدى الرياضيين ومتبعي الأنظمة الغذائية عالية البروتين.
لكن الدراسات الحديثة تقدم صورة أكثر تعقيداً؛ فالبيض ليس غذاءً ضاراً بالضرورة، كما أنه ليس «غذاءً سحرياً» يمكن تناوله بلا حدود. ويبدو أن تأثيره الصحي يعتمد بدرجة كبيرة على الكمية المستهلكة، وطريقة التحضير، والحالة الصحية للشخص، وحتى بعض العوامل الوراثية.
هل يرفع البيض مركب أكسيد ثلاثي ميثيل الأمين؟
ارتبط تناول البيض خلال السنوات الماضية بجدل علمي حول مادة الكولين الموجودة في صفاره. وتقوم إحدى الفرضيات على أن بكتيريا الأمعاء تحول الكولين إلى مركب يسمى أكسيد ثلاثي ميثيل الأمين، الذي ارتبط في بعض الدراسات بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
لكن الصورة ليست بهذه البساطة، فقد أظهر تحليل تلوي حديث شمل ست تجارب سريرية عشوائية أن تناول البيض لا يؤدي إلى ارتفاع مهم في مستويات أكسيد ثلاثي ميثيل الأمين في الدم، رغم أنه يزيد مستويات الكولين.
كما أشارت دراسة أجرتها عيادة كليفلاند إلى اختلاف واضح بين تناول البيض وتناول مكملات الكولين؛ إذ أدى الكولين النقي إلى زيادة مستويات أكسيد ثلاثي ميثيل الأمين، بينما لم يؤد تناول البيض الكامل إلى النتيجة نفسها.
وهذا يشير إلى أن وجود الكولين في البيض لا يعني بالضرورة أن استهلاكه سيؤدي تلقائياً إلى ارتفاع أكسيد ثلاثي ميثيل الأمين أو زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب.
بيضتان يومياً قد لا تضرّان القلب
وأظهرت دراسة أخرى أن تناول بيضتين يومياً لمدة أسبوعين ارتبط بتحسن في وظيفة الأوعية الدموية، من خلال زيادة قدرتها على التمدد، من دون ظهور تغيرات سلبية واضحة في مؤشرات الالتهاب أو الإجهاد التأكسدي.
لكن هذه النتائج لا تعني أن زيادة استهلاك البيض تؤدي بالضرورة إلى حماية القلب، وإنما تشير إلى أن العلاقة بين البيض وصحة القلب أكثر تعقيداً من الاعتقاد التقليدي بأن صفار البيض يمثل خطراً مباشراً.
ماذا يحدث للكوليسترول؟
يبقى الكوليسترول أحد أكثر الملفات إثارة للجدل عند الحديث عن البيض. وتشير الدراسات المضبوطة إلى أن تناول ما يصل إلى ثلاث بيضات يومياً قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات الكوليسترول الجيد، من دون تدهور واضح في نسبة الكوليسترول الجيد إلى الكوليسترول الضار.
ومع ذلك، لا يستجيب الجميع بالطريقة نفسها. فبعض الأشخاص لديهم استجابة أكبر للكوليسترول الغذائي، ويُعرفون باسم «فرط المستجيبين». وقد يؤدي استهلاك كميات كبيرة من البيض لدى هذه الفئة إلى ارتفاع أكبر في مستويات الكوليسترول الضار مقارنة ببقية الأشخاص.
وترتبط هذه الاختلافات جزئياً بعوامل وراثية، من بينها بعض المتغيرات المرتبطة بجين صميم البروتين الدهني هـ. لذلك، فإن تأثير تناول البيض على الكوليسترول قد يختلف بصورة ملحوظة من شخص إلى آخر.
الخطر الخفي في بياض البيض النيئ
من المخاطر الأقل شهرة المرتبطة بالإفراط في تناول البيض، خصوصاً البيض النيئ، احتمال حدوث نقص في البيوتين، المعروف أيضاً بفيتامين ب7. ويحتوي بياض البيض النيئ على بروتين يسمى الأفيدين، يمكنه الارتباط بالبيوتين ومنع امتصاصه في الجسم.
وعادة لا يمثل هذا الأمر مشكلة عند تناول البيض المطهو، لكن استهلاك كميات كبيرة من بياض البيض النيئ لفترات طويلة قد يؤدي في حالات نادرة إلى نقص البيوتين. وقد يظهر هذا النقص في صورة تساقط الشعر والتهابات أو مشكلات جلدية، وهي أعراض قد لا يربطها الشخص مباشرة بعاداته الغذائية.
أما الطهي، فيغير بنية بروتين الأفيدين ويحد من قدرته على الارتباط بالبيوتين، ما يجعل البيض المطهو أكثر أماناً من هذه الناحية.
هل يزيد البيض خطر سرطان البروستاتا؟
يُعد هذا الجانب من أكثر الملفات إثارة للجدل علمياً. ففي عام 2011، نشرت جامعة هارفارد دراسة في مجلة أبحاث الوقاية من السرطان تابعت أكثر من 27 ألف رجل، ووجدت أن الرجال الذين تناولوا بيضتين ونصف البيضة أو أكثر أسبوعياً كانوا أكثر عرضة للإصابة بسرطان البروستاتا القاتل مقارنة بمن تناولوا أقل من نصف بيضة أسبوعياً.
كما أشارت دراسة أخرى إلى أن تناول أقل من بيضة يومياً لدى رجال شُخّصوا بالفعل بسرطان البروستاتا في مرحلة مبكرة ارتبط بزيادة خطر تقدم المرض.
وطرح الباحثون آنذاك فرضية تتعلق بالكولين، الذي يمكن أن يتحول في الجسم إلى مركبات قد تساهم في الالتهاب وربما تدعم تطور بعض أنواع السرطان.
لكن هذه النتائج لم تحسم المسألة. فقد خلص تحليل تلوي لاحق شمل دراسات إضافية إلى عدم وجود ارتباط واضح ومهم بين تناول البيض وخطر الإصابة بسرطان البروستاتا بشكل عام. وبالتالي، فإن العلاقة لا تزال غير محسومة علمياً، ولا يمكن اعتبار تناول البيض سبباً مثبتاً للإصابة بسرطان البروستاتا.
البيض وميكروبات الأمعاء
يمتد تأثير البيض المحتمل إلى مجموعة الكائنات الدقيقة الموجودة في الأمعاء، لكن الأدلة العلمية في هذا المجال لا تزال محدودة ومتباينة. فبعض الدراسات تشير إلى أن تناول البيض قد يؤدي إلى تغيرات إيجابية في نشاط بعض أنواع البكتيريا المعوية، بينما وجدت أبحاث أخرى تأثيرات مختلطة.
ويحظى هذا الموضوع باهتمام خاص بسبب البكتيريا التي تنتج البيوتيرات، أو حمض الزبد، وهو حمض دهني قصير السلسلة يرتبط بصحة القولون ووظائف الجهاز المناعي. لكن الباحثين لم يصلوا حتى الآن إلى نتيجة نهائية تسمح بالقول إن البيض يحسن مجموعة الكائنات الدقيقة في الأمعاء أو يضر بها بصورة ثابتة.
السالمونيلا.. الخطر الأكثر وضوحاً
وسط الجدل حول الكوليسترول وأكسيد ثلاثي ميثيل الأمين والكولين ومجموعة الكائنات الدقيقة في الأمعاء، يبقى هناك خطر معروف وواضح: البيض النيئ أو غير المطهو جيداً قد يزيد خطر الإصابة بعدوى السالمونيلا.
ويصبح هذا الخطر أكثر أهمية عندما يتم تناول البيض النيئ بشكل متكرر أو استخدامه في المشروبات والوصفات التي لا تخضع للطهي. لذلك، يعد طهي البيض جيداً من أكثر الإجراءات فاعلية لتقليل خطر العدوى، خصوصاً لدى الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات، مثل الأطفال وكبار السن والحوامل والأشخاص الذين يعانون ضعف المناعة.
هل تناول عدة بيضات يومياً مضر؟
لا توجد إجابة واحدة تناسب الجميع، فتناول البيض المطهو ضمن نظام غذائي متوازن يختلف تماماً عن الاعتماد على عدة بيضات يومياً لفترات طويلة، كما يختلف عن تناول كميات كبيرة من بياض البيض النيئ.
ويجب أيضاً أخذ مستوى الكوليسترول لدى الشخص، وعوامل خطر الإصابة بأمراض القلب، والنظام الغذائي بالكامل في الاعتبار، بدلاً من التركيز على البيض وحده.
كما أن طريقة إعداد البيض مهمة؛ فالبيض المسلوق أو المطهو دون كميات كبيرة من الدهون يختلف غذائياً عن البيض المقلي مع كميات كبيرة من الزبدة أو اللحوم المصنعة.
تكشف الأبحاث الحديثة أن البيض لا يمكن وضعه ببساطة في خانة «الغذاء الضار» أو «الغذاء المثالي». فبعض المخاوف القديمة، مثل العلاقة المباشرة بين تناول البيض وارتفاع أكسيد ثلاثي ميثيل الأمين، لم تؤكدها التجارب السريرية الحديثة بالشكل المتوقع. وفي المقابل، توجد مخاطر حقيقية يجب الانتباه إليها، خصوصاً عند تناول البيض النيئ بكميات كبيرة، إضافة إلى استمرار الجدل العلمي حول بعض الروابط المحتملة مع سرطان البروستاتا.
وتبقى الكمية وطريقة التحضير والحالة الصحية الفردية عوامل أساسية في تحديد تأثير البيض. فالبيض غذاء غني بالبروتين والعناصر الغذائية، ويمكن أن يكون جزءاً من نظام غذائي صحي ومتوازن، لكن الإفراط في تناوله أو الاعتماد عليه بطريقة غير آمنة، خصوصاً في صورته النيئة، قد يحول فوائده المحتملة إلى مخاطر صحية.
اقرأ المزيد
دراسة تكشف الحقيقة.. أيهما أفضل على الإفطار: الشوفان أم البيض؟
بدائل البيض الغنية بالبروتين.. 10 أطعمة تساعد على تثبيت سكر الدم في وجبة الإفطار

