وطن-برحيل إدوار بالادور عن عمر ناهز 97 عاماً، تطوي فرنسا صفحة أحد أبرز رجالها السياسيين في العقود الأخيرة، ورئيس حكومتها بين عامي 1993 و1995، في لحظة تحمل دلالات سياسية ورمزية لافتة.
فالرجل الذي ارتبط اسمه بالاعتدال والرصانة والإيمان بدور الدولة والمؤسسات يغادر المشهد الفرنسي في وقت تتجه فيه الحياة السياسية نحو مزيد من الاستقطاب، وسط صعود تيارات اليمين واليسار الراديكاليين.
وقالت صحيفة “لا راثون“ الإسبانية إن وفاة بالادور لا تمثل فقط رحيل رئيس حكومة سابق، وإنما نهاية مرحلة سياسية كاملة كانت تقوم على التحفظ والجدية والرهان على المؤسسات، بعيداً عن الخطاب السياسي الصاخب الذي يطبع فرنسا اليوم.
سياسي اعترف بأخطائه
كان بالادور يقول إنه لطالما رأى نفسه مؤهلاً لتولي الحكم، لكنه أقر في المقابل بأنه «قلّل كثيراً من قوة المصالح وعنف الأهواء». وبحسب ما أوردته صحيفة لوموند الفرنسية في نعيها، فإن هذا الاعتراف لم يكن تعبيراً عن مرارة أو شعور بالمظلومية، إذ لم يكن بالادور من السياسيين الذين يقدمون أنفسهم ضحايا للظروف. بل كان يميل إلى النظر إلى إخفاقاته بعقلانية، ومحاولة تحليل أسبابها بعيداً عن الانفعال.
وقد تركت مسيرته السياسية الطويلة دروساً عديدة حول الصعود والسقوط في الحياة العامة، بعدما انتقل من دوائر الدولة العليا إلى رئاسة الحكومة، ثم خاض واحدة من أكثر المعارك السياسية أهمية في مسيرته عندما ترشح للرئاسة عام 1995.
حلم الإليزيه الذي لم يتحقق
دخل بالادور السباق الرئاسي عام 1995 في مرحلة بدا فيها لبعض الوقت المرشح الأوفر حظاً للوصول إلى قصر الإليزيه. لكن حملته فقدت زخمها تدريجياً، وانتهى السباق بحصوله على المركز الثالث، خلف الاشتراكي ليونيل جوسبان والمحافظ جاك شيراك، خصمه الرئيسي داخل تيار يمين الوسط، والذي نجح في النهاية في الوصول إلى الرئاسة. ولهذا بقي بالادور في الذاكرة السياسية الفرنسية بوصفه أحد أبرز السياسيين الذين اقتربوا من قصر الإليزيه دون أن يدخلوه.
وفي عام 2010، وبعد خمسة عشر عاماً على هزيمته الرئاسية، كتب بالادور أن السياسة كثيراً ما تجعل «النجاح يبرر كل شيء»، قبل أن يضيف: «لكنني لست من هؤلاء». وكان يدرك أن التاريخ السياسي غالباً ما يمنح المنتصرين المساحة الأكبر، رغم أن الظروف في مرحلة معينة جعلته أقرب من غيره إلى كرسي الرئاسة.
رجل دولة من مدرسة بومبيدو
ولد إدوار بالادور عام 1929 في تركيا لعائلة من أصول أرمنية، قبل أن ينتقل إلى فرنسا ويشق طريقه داخل النخبة الإدارية والسياسية. درس في المدرسة الوطنية للإدارة، التي عُرفت لعقود بأنها إحدى أهم المؤسسات التي خرجت كبار المسؤولين والسياسيين الفرنسيين.
وكان صعوده السياسي مرتبطاً بشكل وثيق بالرئيس الفرنسي الأسبق جورج بومبيدو، الذي أصبح بالادور أحد أبرز مساعديه ومستشاريه. ومن خلال هذه التجربة ترسخت صورته بوصفه رجل دولة يؤمن بقوة المؤسسات وبالدور المركزي للإدارة الفرنسية في إدارة شؤون البلاد.
وزيراً للاقتصاد
عاد اسم بالادور إلى الواجهة السياسية في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، عندما تولى وزارة الاقتصاد خلال فترة التعايش السياسي بين الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران ورئيس الوزراء المحافظ جاك شيراك.
ودفع خلال تلك المرحلة باتجاه الخصخصة والإصلاحات الاقتصادية ذات الطابع الليبرالي، في وقت كانت فرنسا تعيش تجربة سياسية غير معتادة تجمع رئيساً من اليسار بحكومة محافظة.
وكانت تلك المرحلة تعكس طبيعة مختلفة للسياسة الفرنسية، حيث كانت الخلافات الحزبية تُدار بدرجة أكبر داخل المؤسسات، مقارنة بمستويات الاستقطاب التي تشهدها البلاد في السنوات الأخيرة.
رئاسة الحكومة والإصلاحات
تولى بالادور رئاسة الحكومة بين عامي 1993 و1995، في عهد الرئيس فرانسوا ميتران. وخلال تلك الفترة، أطلق عدداً من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، من بينها إصلاحات في نظام التقاعد، لكنه واجه في المقابل احتجاجات اجتماعية واسعة، خصوصاً من جانب الطلاب.
وأعادت تلك الاحتجاجات إلى الواجهة أحد أكثر الملفات حساسية في فرنسا، وهو العلاقة بين الإصلاحات الحكومية والشارع، وهي معادلة ظلت حاضرة في أزمات اجتماعية لاحقة.
قضية كراتشي
لم تكن السنوات الأخيرة من مسيرة بالادور السياسية خالية من الجدل. فقد ارتبط اسمه بقضية «كراتشي»، وهي قضية معقدة تناولت شبهات تتعلق بتمويل سياسي غير قانوني وعمولات مرتبطة بصفقات تسليح. وبعد سنوات طويلة من التحقيقات والإجراءات القضائية، مثل بالادور أمام القضاء وهو في سن متقدمة، قبل أن تتم تبرئته نهائياً عام 2021.
ورغم أن القضية تركت أثراً على صورته السياسية خلال سنوات، فإن تبرئته شكلت محطة مهمة في مسارها، ولم تمنع كثيراً من ردود الفعل بعد وفاته من التركيز على إرثه السياسي ودوره في الدولة الفرنسية.
اعتراف متأخر بشأن مايو 1968
في شهادة سياسية أخيرة نشرتها صحيفة لو فيغارو الفرنسية في أبريل 2026، اعترف بالادور بأنه «لم يفهم جيداً أحداث مايو 1968». وقال إنه لم يدرك آنذاك أن ما حدث كان «أزمة حضارية» وليس مجرد اضطرابات اجتماعية وطلابية.
ويعكس هذا الاعتراف جانباً مهماً من شخصيته السياسية، فقد ظل بالادور وفياً لمدرسة الاعتدال، ومتمسكاً بمفهوم الدولة والاستقرار والمؤسسات، حتى في المراحل التي تغيرت فيها طبيعة المجتمع والسياسة الفرنسية.
وداع بعيد عن التكريم الرسمي
كشفت لا راثون أن بالادور أوصى قبل وفاته بألا تقام له جنازة رسمية أو مراسم تكريم عامة، طالباً أن يكون وداعه «بسيطاً، هادئاً، وعائلياً تماماً». ورغم أن قصر الإليزيه كان يفكر في منحه تكريماً مماثلاً لما حظي به سياسيون فرنسيون بارزون، فإن عائلته التزمت بوصيته ورفضت المقترح الرئاسي.
أما صحيفة ليبراسيون الفرنسية، فوصفته عند رحيله بأنه يمثل «نهاية عالم»، في إشارة إلى انتهاء مرحلة سياسية كان ينتمي إليها بالادور.
ماكرون يشيد بإرثه
نعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالادور عبر منصة «إكس»، مشيداً بمسيرته السياسية وبعلاقته بالرئيس جورج بومبيدو. ووصفه ماكرون بأنه رجل كان «يحمل فرنسا في قلبه»، مضيفاً أنه كان «خادماً متطلباً، متزناً ومخلصاً لفرنسا».
من جانبه، قال رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو إن بالادور كان «رجل دولة ذا روح إصلاحية»، مشيراً إلى أنه سيبقى مرجعاً بالنسبة إلى عدد من السياسيين المنتمين إلى عائلته السياسية.
أما برونو روتايو، أحد أبرز وجوه التيار المحافظ الفرنسي، فاعتبر أن بالادور كان يسعى إلى «الإقناع لا الإغواء»، مشيداً باحترامه للناخبين وإيمانه بفكرة نبيلة عن فرنسا.
نهاية مرحلة سياسية
يأتي رحيل إدوار بالادور في لحظة تبدو مختلفة تماماً عن فرنسا التي عرفها خلال مسيرته السياسية. فالحياة السياسية الفرنسية باتت أكثر استقطاباً، بينما تتنافس قوى سياسية تمثل أطرافاً متباعدة من الخريطة السياسية، في ظل حضور قوي لتيارات اليمين المتشدد واليسار الراديكالي.
ومن هذه الزاوية، تبدو وفاة بالادور أكثر من مجرد رحيل رئيس حكومة سابق؛ فهي تفتح الباب أمام استعادة مرحلة كان فيها رجل الدولة يُقاس بقدرته على ضبط النفس وإدارة المؤسسات، وليس فقط بقدرته على جذب الأنظار أو حشد الجماهير.
رحل إدوار بالادور، أحد أبرز رجال الدولة في فرنسا خلال العقود الأخيرة، بعدما عرف طعم السلطة والهزيمة والجدل القضائي، لكنه ظل حتى النهاية مرتبطاً بصورة السياسي الهادئ الذي لم ينجح في الوصول إلى الإليزيه، ونجح في أن يترك بصمة واضحة في تاريخ الجمهورية الفرنسية.
قد يعجبك
رحيل سليمان منصور.. فنان الهوية الفلسطينية الذي حوّل الذاكرة إلى لوحات
وفاة أصغر ملك في العالم عن 34 عاماً.. قصة أويو ملك تورو الذي اعتلى العرش في الثالثة من عمره
وفاة “جزار البوسنة” راتكو ملاديتش.. مجرم سربرنيتسا يرحل والسؤال يبقى: من ينسى الإبادة؟

