وطن-أثار تحقيق إعلامي بريطاني جدلاً واسعاً بعد كشف مزاعم حول تمويل إماراتي لعملية سرية استهدفت مراقبة الناشط والأكاديمي البريطاني المسلم أنس التكريتي في لندن، وسط ادعاءات بأن العملية لم تقتصر على تتبع تحركاته، بل ناقشت أيضاً احتمال استهدافه جسدياً.
ودفع الكشف التكريتي إلى مطالبة الحكومة البريطانية بتوضيحات رسمية بشأن ما إذا كانت السلطات على علم بالعملية المزعومة، وما الإجراءات التي اتخذتها لحمايته وحماية أسرته.
رسالة إلى رئيس الوزراء البريطاني
وبحسب موقع «ميدل إيست آي»، وجّه التكريتي رسالة إلى رئيس الوزراء البريطاني آندي برنهام في 21 أغسطس، طالب فيها الحكومة بالكشف عما كانت تعرفه عن العملية التي يُقال إنها جرت عام 2016.
وقال التكريتي إن القضية تطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة حكومة أجنبية، وفق المزاعم، على تمويل عملية لمراقبة شخص وتهديد حياته داخل الأراضي البريطانية، من دون أن تترتب على ذلك عواقب واضحة.
كما تساءل عن مستوى الحماية التي يمكن أن يتوقعها المواطنون البريطانيون عندما يكونون هدفاً محتملاً لعمليات سرية مرتبطة بدولة أجنبية.
ملايين الدولارات وشركة أمنية خاصة
ووفق تحقيق بثته قناة «ITV News»، فقد دفعت الإمارات ملايين الدولارات إلى مرتزق لتنفيذ عملية استهدفت التكريتي، من خلال تعقب تحركاته وجمع معلومات عن حياته في لندن.
وارتبطت العملية، بحسب التحقيق، بشركة أمنية خاصة تُعرف باسم Spear Operations Group، كان يديرها أبراهام غولان، وهو رجل أعمال يحمل الجنسيتين المجرية والإسرائيلية وكان يقيم في الولايات المتحدة.
وتشير المعلومات التي أوردتها القناة إلى أن غولان وصل إلى بريطانيا في ديسمبر 2016، في إطار مهمة يُزعم أنها كانت تستهدف التكريتي.
تتبع المنزل والسيارة والتحركات اليومية
واستند تحقيق «ITV News» إلى شهادات ومراسلات إلكترونية ومحادثات عبر تطبيق واتساب وسجلات مالية، وقال إن غولان استعان بأشخاص ذوي خلفية عسكرية للمساعدة في تحديد موقع التكريتي ومراقبته.
وبحسب التحقيق، جرى تداول صور لمنزل التكريتي وسيارته، إلى جانب خرائط وصور أقمار صناعية ومعلومات عن تحركاته اليومية بين منزله ومكان عمله.
كما قيل إن غولان عرض في البداية مبلغ 50 ألف جنيه إسترليني على خبير استراتيجي بريطاني للمساعدة في الوصول إلى التكريتي، قبل رفع المبلغ لاحقاً إلى 100 ألف جنيه إسترليني.
حديث عن احتمال الاغتيال
الأكثر خطورة في التحقيق، هو ما يتعلق بالاشتباه في أن العملية ربما تجاوزت مجرد المراقبة. فبحسب «ITV News»، تحدث غولان خلال أحد الاجتماعات عن احتمال «التخلص الجسدي» من التكريتي. كما أشارت القناة إلى أن شريكاً له، وهو عنصر سابق في وحدة Navy SEAL الأمريكية، قام بإشارة بيده إلى العنق عندما طُرح عليه سؤال حول مصير الناشط البريطاني.
وقال الخبير البريطاني الذي عُرّف في التحقيق باسم مستعار هو «فيكتور» إنه بدأ يشعر بقلق متزايد بشأن طبيعة المهمة، قبل أن ينسحب منها بعد اعتقاده بأنها قد تتضمن عملية اغتيال.
الإمارات في قلب الاتهامات
وبحسب التحقيق البريطاني، أبلغ غولان «فيكتور» بأنه يعمل لصالح الإمارات، وأن أبوظبي تعتبر التكريتي ومؤسسة قرطبة التي يرأسها مرتبطين بجماعات تصنفها الإمارات إرهابية.
كما قالت «ITV News» إن سجلات مالية إماراتية أظهرت مدفوعات لغولان خلال الفترة المرتبطة بالعملية، من بينها أتعاب سنوية ومكافآت مالية كبيرة.
وتظل هذه المعلومات جزءاً من تحقيقات وتغطيات إعلامية، ولا تعني بحد ذاتها ثبوت المسؤولية الجنائية أو صدور حكم قضائي يثبت الاتهامات.
الشرطة البريطانية حذرت التكريتي
وفي تطور آخر، أفاد «ميدل إيست آي» بأن الشرطة البريطانية زارت التكريتي في منزله بلندن مرتين، وأبلغته بأن حياته قد تكون معرضة للخطر، غير أن الضباط، وفق ما ورد في التقرير، لم يكشفوا له طبيعة التهديد أو مصدره بالتفصيل.
وهذا الأمر دفع التكريتي إلى مطالبة الحكومة بتفسير سبب عدم إبلاغه بمعلومات أكثر وضوحاً في وقت كان يمكن أن تساعده على حماية نفسه وعائلته.
أسئلة حول العلاقة بين لندن وأبوظبي
ولا تتوقف القضية عند حدود الاتهامات المتعلقة بالمراقبة، إذ ربط التكريتي في رسالته بين هذه المزاعم وبين توجه الحكومة البريطانية لتعميق العلاقات مع الإمارات.
وطالب الحكومة بتوضيح الشروط المتعلقة بالثقة والشفافية والمساءلة التي ينبغي أن تحكم هذه العلاقة، إذا ثبتت صحة ما ورد في التحقيقات الإعلامية.
وتكتسب القضية حساسية إضافية بسبب طبيعة النشاط المنسوب إلى العملية المزعومة، إذ إن تنفيذ عمليات مراقبة أو تهديد تستهدف أشخاصاً داخل الأراضي البريطانية من جانب جهات مرتبطة بدولة أجنبية قد يفتح نقاشاً واسعاً حول الأمن القومي والسيادة البريطانية.
ملف مفتوح أمام السلطات البريطانية
وتبقى الأسئلة الأساسية في القضية مرتبطة بما إذا كانت الإمارات قد موّلت بالفعل العملية، وما الذي كانت تعرفه السلطات البريطانية عنها، وما إذا كان هناك مخطط فعلي لاستهداف التكريتي جسدياً، ومن يقف وراء تنفيذ المهمة وتمويلها.
وفي انتظار أي تحقيق رسمي أو ردود إضافية من الأطراف المعنية، تظل المزاعم الواردة في التحقيقات الإعلامية بحاجة إلى إثبات مستقل وقضائي.
لكن القضية، في جميع الأحوال، أعادت إلى الواجهة ملف العمليات السرية الأجنبية في بريطانيا، وحدود قدرة الأجهزة البريطانية على حماية الأشخاص الذين قد يصبحون أهدافاً لجهات خارجية على الأراضي البريطانية.
اقرأ المزيد
من اليمن إلى لندن.. تحقيق يكشف عملية سرية بتمويل إماراتي استهدفت أنس التكريتي
تحقيق بريطاني: الإمارات موّلت عملية مراقبة سرية لناشط مسلم في لندن وسط مخاوف من اغتياله

