وطن-قدّم وزير الجيش الأمريكي دان دريسكول استقالته من منصبه، في خطوة تأتي وسط تقارير عن تصاعد التوترات داخل وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون»، وخلافات بشأن إدارة الحرب على إيران، في وقت تدخل فيه العمليات العسكرية شهرها السابع وسط ضغوط متزايدة على القوات والمخزونات الأمريكية.
وأكد البيت الأبيض، الاثنين، استقالة دريسكول، مشيداً بما وصفه بدوره الفعال في تنفيذ أجندة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب داخل وزارة الجيش.
وقالت آنا كيلي، نائبة المتحدثة باسم البيت الأبيض، إن دريسكول كان «فعالاً للغاية» في دفع أجندة ترامب داخل وزارة الجيش، مضيفة أن الجيش الأمريكي أصبح أقوى بفضل عمله إلى جانب الرئيس ووزير الحرب بيت هيغسيث.
لكن توقيت الاستقالة يفتح الباب أمام تساؤلات أكبر حول طبيعة الخلافات داخل البنتاغون، خصوصاً مع استمرار الحرب على إيران وتصاعد التحذيرات من تأثير العمليات العسكرية على جاهزية القوات الأمريكية في مناطق أخرى من العالم.
قادة عسكريون يحذرون من استنزاف الجيش
وبحسب تقارير أمريكية، حذر قادة الجيش والبحرية والقوات الجوية، إلى جانب قادة عسكريين برتبة أربع نجوم يشرفون على العمليات الأمريكية في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية، من أن استمرار العمليات العسكرية الكبرى لفترة طويلة قد يضعف قدرة الولايات المتحدة على مواجهة تهديدات أخرى.
وتعكس هذه التحذيرات واحدة من أبرز المعضلات التي تواجه إدارة ترامب: كيفية مواصلة الحرب على إيران دون استنزاف القدرات العسكرية الأمريكية التي تحتاجها واشنطن لمواجهة أزمات وخصوم محتملين في مناطق أخرى.
ولا يتعلق الضغط بالجنود والعمليات فقط، بل يمتد إلى مخزونات الأسلحة والذخائر، التي تعرضت لضغوط كبيرة منذ بدء الحرب.
مخزونات الأسلحة تحت الضغط
وأفادت تقارير أمريكية بأن الحرب على إيران أدت إلى نقص حاد في بعض صواريخ الاعتراض المتقدمة، وفي مقدمتها صواريخ «باتريوت»، التي تمثل أحد أهم عناصر الدفاع الجوي الأمريكي ضد الصواريخ الباليستية.
وتزداد أهمية هذه المشكلة لأن الولايات المتحدة تستخدم هذه المنظومات أيضاً لحماية قواتها وحلفائها في مناطق أخرى، بينها أوروبا والشرق الأوسط.
كما أشارت تقارير إلى استنزاف جزء كبير من مخزونات الصواريخ بعيدة المدى والأسلحة الدقيقة، بما في ذلك صواريخ «أتاكمز» وصواريخ الضربة الدقيقة «PrSM».
ويعني ذلك أن استمرار الحرب لا يفرض كلفة بشرية وسياسية فقط، بل يستهلك أيضاً جزءاً من القدرات التي بنتها الولايات المتحدة على مدى سنوات لمواجهة نزاعات محتملة ومتزامنة.
من هو دان دريسكول؟
يُعد دان دريسكول من قدامى المحاربين في الجيش الأمريكي، إذ خدم في العراق قبل دخوله المجال السياسي. وخاض دريسكول في عام 2020 سباقاً انتخابياً غير ناجح للكونغرس، قبل أن ينضم لاحقاً إلى الدائرة السياسية المحيطة بترامب خلال حملة إعادة انتخابه عام 2024.
كما ارتبط اسمه بنائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، الذي كان زميله في كلية الحقوق، ما جعله قريباً من الجناح السياسي داخل الإدارة الذي يدعو إلى تقليص الانخراط العسكري الأمريكي في الحروب الخارجية.
خلافات مع هيغسيث
تأتي استقالة دريسكول أيضاً في ظل تقارير تحدثت عن خلافات بينه وبين وزير الحرب بيت هيغسيث. وكان دريسكول يُنظر إليه باعتباره حليفاً للجنرال راندي جورج، رئيس أركان الجيش الأمريكي السابق، الذي أقاله هيغسيث في أبريل الماضي.
وتكشف هذه التطورات عن اضطراب داخل القيادة المدنية والعسكرية لوزارة الجيش، خصوصاً أن استقالة دريسكول تأتي بعد إقالة رئيس أركان الجيش، بينما تستمر الحرب في إيران في فرض ضغوط متزايدة على المؤسسة العسكرية.
فانس وهيغسيث.. رؤيتان للحرب
وتبرز داخل إدارة ترامب رؤيتان مختلفتان بشأن الحرب على إيران. من جهة، يمثل جيه دي فانس تياراً أكثر تحفظاً تجاه التورط العسكري الأمريكي في الخارج، وقد عبّر في مناسبات عدة عن رفضه الانجرار إلى حروب طويلة ومكلفة.
ومن جهة أخرى، يُعد بيت هيغسيث من أبرز المدافعين عن استمرار العمليات العسكرية، وقد ظهر في مؤتمرات صحفية عديدة للدفاع عن أداء الإدارة والجيش في الحرب.
هذا التباين لا يبدو مجرد خلاف في وجهات النظر، بل أصبح جزءاً من نقاش أوسع داخل الإدارة حول مستقبل السياسة الخارجية الأمريكية وحدود استخدام القوة العسكرية.
إسرائيل في قلب الخلافات
وتتداخل هذه الانقسامات أيضاً مع علاقة واشنطن بإسرائيل، وكان فانس قد اتهم إسرائيل في يوليو بمحاولة التأثير في الرأي العام الأمريكي بهدف إبقاء الحرب مستمرة، في موقف يعكس وجود تيار داخل الإدارة الأمريكية يشعر بالقلق من تحول الحرب إلى مواجهة طويلة الأمد.
وفي المقابل، كشفت تقارير سابقة عن خلافات بين هيغسيث ووزير الخارجية ماركو روبيو بشأن مدى استعداد الولايات المتحدة للتدخل عسكرياً داخل إيران استجابة لمطالب إسرائيل.
وكان هيغسيث أكثر ميلاً إلى التدخل، بينما أبدى روبيو مخاوف من أن يؤدي ذلك إلى تورط أمريكي طويل الأمد في حرب يصعب الخروج منها.
صراع يتجاوز البنتاغون
ولا يمكن فصل هذه الخلافات عن الحسابات السياسية داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً مع اقتراب الاستعدادات المبكرة للانتخابات الرئاسية لعام 2028.
ويُنظر إلى فانس وروبيو باعتبارهما من أبرز الأسماء المحتملة لخلافة ترامب، ما يجعل مواقفهما من الحرب والسياسة الخارجية ذات أهمية سياسية تتجاوز حدود الإدارة الحالية.
فبينما يسعى تيار إلى إعادة تركيز السياسة الأمريكية على الداخل وتقليل الحروب الخارجية، يرى تيار آخر أن الانسحاب أو التردد قد يضعف قدرة واشنطن على الردع وحماية حلفائها.
استقالة في توقيت شديد الحساسية
تترك استقالة دان دريسكول المؤسسة العسكرية الأمريكية أمام مرحلة حساسة، خصوصاً أنها تأتي في وقت تشهد فيه وزارة الجيش تغييرات في قيادتها، بينما تستمر الحرب على إيران وتزداد الضغوط على الأسلحة والذخائر.
وفي حال استمرت العمليات العسكرية بالوتيرة نفسها، فإن السؤال لن يكون فقط حول قدرة الولايات المتحدة على تحقيق أهدافها في إيران، بل أيضاً حول الكلفة التي ستدفعها جاهزية الجيش الأمريكي في مناطق أخرى.
وهنا تكتسب استقالة دريسكول أهمية تتجاوز كونها تغييراً إدارياً؛ فهي تأتي في لحظة تتقاطع فيها الخلافات السياسية مع الضغوط العسكرية ونقص المخزونات، لتكشف حجم النقاش داخل واشنطن حول مستقبل الحرب وحدود قدرة الولايات المتحدة على مواصلتها دون استنزاف قوتها العسكرية العالمية.
اقرأ المزيد
الاعتداءات الجنسية تضرب الجيش الأمريكي.. أكثر من 20 ألف عسكري في دائرة الخطر

