وطن-أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش خطة واسعة لتوسيع الوجود اليهودي في النقب والجليل، في خطوة يقول منتقدون إنها قد تؤدي إلى تغيير الخريطة الديموغرافية والعمرانية في منطقتين تضمان أعداداً كبيرة من المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل.
وكشفت صحيفة «ميدل إيست آي» أن سموتريتش، زعيم حزب «الصهيونية الدينية»، عرض الخطة عبر منصة «إكس»، وقدمها باعتبارها مشروعاً لنقل السياسات التي انتهجها في الضفة الغربية إلى النقب والجليل.
وقال سموتريتش: «أقدم لكم اليوم خطة الصهيونية الدينية لتهويد النقب والجليل»، مضيفاً أن ما وصفه بـ«الثورة» التي قادها في الضفة الغربية خلال السنوات الماضية يجب أن تُطبق «على نطاق واسع» في المنطقتين.
مليون يهودي و40 تجمعاً جديداً
وتتضمن الخطة، وفق الصحيفة، استقدام نحو مليون يهودي إلى النقب والجليل، وإنشاء 40 تجمعاً جديداً، إلى جانب عشرات المزارع وتوسيع بلدات قائمة وتوفير مئات الآلاف من الوحدات السكنية.
ويرى سموتريتش أن تعزيز الوجود اليهودي في المنطقتين يجب أن يستند إلى ثلاثة محاور هي الأرض والسكان والأمن. وتدعو الخطة إلى زيادة السيطرة على الأراضي، وزيادة عدد السكان، وتعزيز الإجراءات الأمنية بهدف بناء ما تصفه بـ«نقب وجليل قويين ومزدهرين».
لكن منتقدين يرون أن هذه الأهداف تحمل في جوهرها مشروعاً لإعادة تشكيل التوازن السكاني في مناطق يتمتع فيها المواطنون الفلسطينيون بحضور تاريخي كبير.
«بعد الضفة.. جاء دور النقب والجليل»
لم يخفِ سموتريتش البعد الأيديولوجي للخطة، إذ ربطها مباشرة بسياساته في الضفة الغربية المحتلة، مستخدماً الاسم الذي يطلقه اليمين الإسرائيلي عليها «يهودا والسامرة».
وقال إن «الثورة» التي شهدتها الضفة خلال السنوات الماضية يجب أن تمتد إلى النقب والجليل، مضيفاً: «نعم، نحن نهوّد». كما تنتقد الخطة ما تصفه بـ«الخطط المتهورة في البلدات العربية»، وتتهمها بالاستيلاء على احتياطات الأراضي وتهديد التوسع اليهودي في المنطقة.
وتقترح الخطة أيضاً تغييراً في تركيبة المؤسسات المسؤولة عن الأراضي والتخطيط، وإبعاد من تصفهم بـ«العناصر المعادية للصهيونية وما بعد الصهيونية»، إلى جانب تسريع إجراءات إقامة المزارع والتجمعات الجديدة.
النقب والجليل.. صراع قديم على الأرض
لا تمثل فكرة تعزيز الاستيطان اليهودي في النقب والجليل توجهاً جديداً في السياسة الإسرائيلية، إذ تعود جذورها إلى عقود مضت، ولا سيما في الجليل.
وفي عام 1976، أدت سياسات مصادرة الأراضي والتخطيط في البلدات الفلسطينية إلى احتجاجات واسعة، ردت عليها السلطات الإسرائيلية بالقوة، ما أسفر عن مقتل ستة فلسطينيين في 30 مارس/آذار من العام نفسه.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبح 30 مارس يوماً سنوياً لإحياء «يوم الأرض»، الذي يمثل بالنسبة إلى الفلسطينيين رمزاً لمقاومة مصادرة الأراضي وسياسات التمييز في التخطيط والبناء.
نحو نصف سكان الجليل فلسطينيون
وتكتسب الخطة أهمية خاصة بسبب التركيبة السكانية للمنطقتين. وبحسب البيانات المشار إليها في التقرير، بلغ عدد الفلسطينيين في الجليل نحو 740 ألف شخص عام 2023، بينما يقدر عددهم في النقب بنحو 200 ألف وفق البيانات الرسمية، مع تقديرات أخرى ترفع العدد في النقب إلى قرابة 300 ألف بسبب عدم إدراج سكان بعض القرى البدوية غير المعترف بها بصورة كاملة.
وتشير المعطيات إلى أن الفلسطينيين يشكلون نحو نصف سكان الجليل، فيما تبلغ نسبتهم قرابة 30% من سكان النقب. ولهذا ينظر اليمين الإسرائيلي إلى المنطقتين باعتبارهما ساحة للصراع الديموغرافي، بينما يرى الفلسطينيون أن السياسات الحكومية المتعاقبة تستهدف حقوقهم في الأرض والسكن والتخطيط.
البدو في النقب تحت ضغط الهدم
ويأتي الإعلان عن الخطة في وقت تواجه فيه التجمعات البدوية في النقب ضغوطاً متزايدة بسبب قضايا الاعتراف بالقرى والهدم والتخطيط. وفي يونيو/حزيران 2026، شهدت قرية السر البدوية عمليات هدم لمنازل اضطر أصحابها إلى تنفيذها بأنفسهم بعد تلقي أوامر من السلطات الإسرائيلية، وفق ما أوردته وكالة «فرانس برس».
وتواجه عشرات القرى البدوية غير المعترف بها مشكلات مزمنة تتعلق بالبنية التحتية والخدمات الأساسية، فيما تستمر الخلافات بين السكان والسلطات حول ملكية الأراضي وعمليات التخطيط والبناء.
«وقف الفتح الإسلامي للجليل»
وتتزامن خطة سموتريتش مع تصريحات مثيرة للجدل من وزيرة الاستيطان أوريت ستروك، العضو في حزب «الصهيونية الدينية». وقالت ستروك في وقت سابق إن أحد أبرز إنجازاتها يتمثل في «وقف الفتح الإسلامي للجليل»، في تصريح أثار انتقادات بسبب استخدامه لغة دينية وتاريخية في توصيف الوجود الفلسطيني في المنطقة.
وتقول «ميدل إيست آي» إن وزارة الاستيطان خصصت مبالغ لدعم مشاريع تهدف إلى تعزيز الوجود اليهودي في النقب والجليل، في وقت تواجه فيه البلدات العربية والقرى البدوية تحديات متعلقة بالأراضي والتخطيط.
صراع سياسي يتجاوز التخطيط والبناء
وتتضمن الخطة كذلك دعوات إلى تشديد مكافحة الجريمة المنظمة داخل المجتمع الفلسطيني، وتقديم ذلك باعتباره جزءاً من تعزيز الأمن وإضعاف ما تسميه الوثيقة «الحكم الذاتي العربي المسلح».
ويأتي ذلك بينما تشهد البلدات الفلسطينية داخل إسرائيل ارتفاعاً حاداً في جرائم القتل المرتبطة بالجريمة المنظمة. وبحسب الأرقام التي أوردها التقرير، قُتل 161 فلسطينياً داخل إسرائيل منذ بداية عام 2026 في حوادث مرتبطة بالجريمة، من بينهم شاب قُتل بالرصاص في يافا في أحدث الوقائع المذكورة.
ويرى منتقدون أن معالجة الجريمة داخل المجتمع الفلسطيني لا يمكن فصلها عن مسؤولية أجهزة الدولة في فرض القانون وتوفير الأمن، ويحذرون من استخدام الملف الأمني كغطاء لسياسات تستهدف التركيبة السكانية.
«خطة فصل عنصري»
وأثارت خطة سموتريتش ردود فعل سياسية فلسطينية داخل إسرائيل. ووصف يوسف جبارين، القيادي في حزب «حداش» ورئيس القائمة المشتركة الفلسطينية التي تشكلت حديثاً، الخطة بأنها «خطة فصل عنصري».
وقال إن المواطنين الفلسطينيين «لن يقبلوا بأن يكونوا مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة»، متعهداً بمواجهة الخطة سياسياً خلال الانتخابات المقبلة.
معركة على الأرض والهوية
تضع خطة سموتريتش النقب والجليل أمام مرحلة جديدة من الصراع السياسي حول الأرض والسكان والهوية. فبالنسبة إلى الحكومة الإسرائيلية واليمين الديني القومي، يقدم المشروع باعتباره وسيلة لتعزيز الاستيطان اليهودي وتطوير مناطق استراتيجية داخل إسرائيل.
أما بالنسبة إلى الفلسطينيين ومناهضي المشروع، فإن استقدام مليون يهودي وإنشاء عشرات التجمعات الجديدة في مناطق ذات حضور فلسطيني واسع يثير مخاوف من تغيير ديموغرافي منظم وتقليص مساحة البلدات العربية.
وبذلك، لا تبدو المعركة المقبلة مرتبطة فقط ببناء مساكن أو إنشاء تجمعات جديدة، بل تتعلق بالسؤال الأوسع حول من يملك الأرض، ومن يحدد شكل الخريطة السكانية، وما حدود المساواة بين المواطنين داخل إسرائيل.
اقرأ المزيد
سموتريتش يدعو لإقامة 3 مستوطنات جديدة شمال غزة وسط استمرار الحرب وتصاعد الدعم الأميركي لإسرائيل
سموتريتش: استمرار الحرب الأمريكية على إيران هو “أفضل وضع” لإسرائيل دون مشاركة مباشرة..
الاستيطان الإسرائيلي يطوّق جنين.. وفلسطينيون: “أرضنا باتت محرّمة علينا”

