وطن-تتحول قصة بدأت، بحسب رواية مستشار للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بحديث عن الاهتمام المشترك بالمانغا إلى مشروع ترفيهي سعودي ضخم في فرنسا، باستثمارات تقترب من 6 مليارات يورو، وفق ما أُعلن عن المشروع.
ويلتقي في هذا المشروع الطموح عاملان: رغبة السعودية في توسيع استثماراتها الدولية وتعزيز حضورها في قطاع الترفيه، ورغبة فرنسا في جذب استثمارات ضخمة وخلق آلاف فرص العمل. لكن المشروع يأتي أيضاً في ظل استمرار الجدل حول سجل السعودية في مجال حقوق الإنسان وقضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي.
البداية من شغف مشترك بالمانغا
بحسب ما ورد في تصريحات مرتبطة بالمشروع، تعود الفكرة إلى لقاء جمع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الرياض أواخر عام 2024.
وخلال اللقاء، اكتشف الطرفان اهتماماً مشتركاً بالمانغا اليابانية، وخصوصاً سلسلة دراغون بول زد. وتحولت هذه النقاشات، وفق الرواية الفرنسية، إلى فكرة لإنشاء مشروع ترفيهي كبير يستند إلى شخصيات وعوالم الثقافة الشعبية اليابانية. لكن المشروع لا يقتصر على المانغا، إذ يتضمن مجموعة واسعة من المرافق الترفيهية والسياحية والثقافية.
ثلاث مدن ملاهٍ قرب باريس
يقام المشروع في منطقة سيرجي-بونتواز، على بعد نحو 30 كيلومتراً شمال غرب باريس، وتديره شركة القدية للاستثمار التابعة للمشروع السعودي العملاق.
ويشمل المشروع ما يصل إلى ثلاثة متنزهات ترفيهية ضخمة، إلى جانب فنادق ومرافق للترفيه والثقافة والرياضة. وتُقدر الاستثمارات الإجمالية للمشروع بنحو 6 مليارات يورو على مدى مراحل تطويره، ما يجعله أحد أكبر الاستثمارات السعودية الجديدة في قطاع الترفيه خارج المملكة.
22 ألف وظيفة جديدة
وتراهن فرنسا على المشروع باعتباره استثماراً قادراً على إحداث تأثير اقتصادي كبير. وقال ماكرون إن المشروع يمكن أن يوفر نحو 22 ألف وظيفة مباشرة، واصفاً الإعلان عنه بأنه حدث استثنائي ووجهة عالمية جديدة.
كما شبّه الرئيس الفرنسي حجم المشروع بالتأثير الذي أحدثته ديزني لاند باريس في قطاع السياحة والترفيه الفرنسي، في إشارة إلى الرهان على جذب ملايين الزوار وتعزيز النشاط الاقتصادي في المنطقة.
الاستثمار في مواجهة انتقادات حقوق الإنسان
لكن خلف الأرقام والاستثمارات والمرافق الترفيهية، يبرز سؤال سياسي أكثر حساسية: هل يمكن للمليارات السعودية أن تطغى على الانتقادات المتعلقة بحقوق الإنسان؟
وتزامن الإعلان عن المشروع مع زيارة محمد بن سلمان إلى باريس، التي أثارت احتجاجات من نقابات صحفية فرنسية اعتبرت استقباله استفزازاً للمدافعين عن حرية الصحافة. كما أعادت جهات فرنسية إلى الواجهة قضية جمال خاشقجي، إلى جانب التحقيقات والشكاوى التي تناولت مزاعم تتعلق بالتعذيب والاختفاء القسري.
الإليزيه: الاستثمارات لا تعني تقديم دروس سياسية
في المقابل، دافعت الرئاسة الفرنسية عن سياسة جذب الاستثمارات السعودية، مؤكدة أن باريس عندما تسعى إلى استقطاب مشروع اقتصادي كبير لا تفعل ذلك بهدف إعطاء دروس سياسية للدول الأخرى.
وتعكس هذه المواقف طبيعة العلاقة المتنامية بين الرياض وباريس، حيث تحاول فرنسا الاستفادة من التدفقات الاستثمارية الخليجية، بينما تسعى السعودية إلى توسيع نفوذها الاقتصادي والثقافي وتعزيز صورتها الدولية ضمن التحولات المرتبطة برؤية السعودية 2030.
بين الترفيه والنفوذ
ولا ينفصل المشروع عن التحول الكبير الذي تشهده السعودية في قطاع الترفيه. فقد أصبحت المملكة تستثمر بكثافة في الرياضة والسياحة والألعاب الإلكترونية والفعاليات الثقافية والترفيهية، في محاولة لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.
وفي المقابل، يمثل الاستثمار في فرنسا وسيلة لتعزيز الحضور السعودي في أوروبا، وفتح المجال أمام مشاريع تجارية وسياحية وثقافية جديدة.
وهكذا، فإن ما بدأ ـ وفق الرواية الفرنسية ـ من حديث عن دراغون بول والمانغا تحول إلى مشروع بمليارات اليوروهات، يجمع بين الترفيه والاستثمار والسياسة. ويبقى السؤال: هل تستطيع الاستثمارات الضخمة أن تعيد تشكيل صورة السعودية في أوروبا، أم أن ملفات حقوق الإنسان ستظل حاضرة مهما بلغ حجم المشاريع الاقتصادية؟
اقرأ المزيد
رؤية 2030 تحت الضغط.. هل تحولت مشاريع محمد بن سلمان إلى مقامرة بمليارات السعودية؟
تركيا والسعودية من خصمين إلى حليفين؟ شراكة استراتيجية تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط

