وطن-تحولت المنطقة الحدودية بين نيبال والتبت إلى بؤرة كارثة واسعة، بعدما تسببت فيضانات مفاجئة وانهيارات أرضية وجليدية في تدمير قرى وطرق وجسور، وسقوط عشرات الضحايا وفقدان مئات الأشخاص، بينهم سياح ومتسلقون كانوا يوجدون في مناطق جبلية قريبة من مجاري الأنهار.
وقالت صحيفة «لا راثون» الإسبانية إن السلطات النيبالية أعلنت ارتفاع حصيلة القتلى إلى 165 شخصاً، بينما لا يزال مئات السياح والرحالة في عداد المفقودين، وسط صعوبات كبيرة تواجه فرق الإنقاذ بسبب انهيار الطرق والجسور وصعوبة الوصول إلى المناطق المنكوبة.
كما أكدت وزارة الخارجية الإسبانية فقدان أربعة مواطنين إسبان جراء الفيضانات التي اجتاحت نيبال، في حين أعربت جهات دولية عدة عن تضامنها مع كاتماندو بعد الكارثة التي ضربت واحدة من أكثر مناطق الهيمالايا وعورة.
لم يكن زلزالاً.. بل انهيار جليدي هائل
في الساعات الأولى للكارثة، أشارت التقارير إلى تسجيل زلزال بلغت قوته 4.4 درجات، لكن التحليلات اللاحقة رجحت أن الإشارة الزلزالية لم تكن ناجمة عن زلزال تقليدي، وإنما عن انهيار جليدي وصخري ضخم وقع في منطقة جبلية شاهقة.
وبحسب ما أوردته «لا رازون» نقلاً عن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، انفصلت كتلة هائلة من الجليد والصخور على ارتفاع يقارب 5200 متر، قبل أن تهوي أكثر من 1200 متر، ما أدى إلى انهيار ضخم سد مجرى نهر لهيندي.
وتشكل خلف الانهيار سد طبيعي مؤقت من الجليد والصخور والركام، ما أدى إلى احتجاز كميات كبيرة من المياه. وعندما انهار هذا الحاجز، اندفعت موجة عنيفة محملة بالطين والرواسب والصخور، وجرفت المباني والطرق والجسور في طريقها.
كارثة بدأت في أعالي الجبال
وقالت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية، نقلاً عن البروفيسورة ليز ستيفنز، خبيرة مخاطر المناخ في جامعة ريدينغ، إن الكارثة لا يمكن تفسيرها بالأمطار الغزيرة وحدها، وإنما نتجت عن تداخل عدة عوامل، بينها الانهيارات الجليدية والصخرية واحتمال انفجار بحيرات جليدية.
وأوضحت ستيفنز أن تعقيد هذه العمليات يجعل إنشاء أنظمة إنذار مبكر فعالة أمراً بالغ الصعوبة، لأن الكارثة يمكن أن تبدأ بانهيار مفاجئ في قمم الجبال، ثم تتحول خلال دقائق إلى موجة فيضانية مدمرة تصل إلى الأودية والمناطق السكنية.
ارتفاع النهر 9 أمتار خلال نصف ساعة
بعد ذلك، اندفعت المياه نحو نهر بوتي كوشي ثم إلى نهر تريشولي، حيث ارتفع منسوب المياه بنحو تسعة أمتار خلال 30 دقيقة فقط، وفق البيانات التي نقلتها مراكز بحثية متخصصة.
وفي نيبال، جرفت السيول منازل وطرقاً وجسوراً، بينما أظهرت مشاهد مصورة من الجانب التبتي دماراً واسعاً في منطقة غيرونغ الحدودية، حيث تمكن عشرات الأشخاص من الفرار قبل وصول موجة الطين والركام إلى المنشآت.
165 قتيلاً ومئات المفقودين
وبحسب وكالة أسوشيتد برس، تواصل فرق الإنقاذ عمليات البحث في ظروف بالغة الصعوبة، بسبب تراكم الطين والركام الذي يعيق وصول الآليات الثقيلة إلى عدد من المناطق المتضررة.
وتشارك الشرطة والجيش في عمليات البحث عن الناجين، بينما تعمل الجرافات على إزالة مخلفات الفيضانات وفتح الطرق، خصوصاً في مناطق مثل إقليم نواكوت.
وتخشى السلطات من ارتفاع حصيلة الضحايا، في ظل استمرار فقدان الاتصال بمئات الأشخاص، بينهم سكان محليون وسياح ومتسلقون كانوا في المناطق الجبلية المتضررة.
تغير المناخ يزيد مخاطر الهيمالايا
لا توجد حتى الآن أدلة علمية نهائية تثبت أن تغير المناخ كان السبب المباشر للانهيار الجليدي الأخير، لكن العلماء يحذرون منذ سنوات من أن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى تراجع الأنهار الجليدية وزيادة عدد البحيرات الجليدية غير المستقرة في الهيمالايا.
وقد يؤدي تراكم المياه خلف سدود طبيعية هشة من الصخور والجليد إلى نشوء ما يعرف بفيضانات انفجار البحيرات الجليدية، وهي أحداث يمكن أن تطلق كميات هائلة من المياه والرواسب خلال فترة قصيرة.
وأشارت «لا رازون» إلى دراسة أجرتها مبادرة إسناد الطقس العالمي عام 2024، خلصت إلى أن الاحترار العالمي زاد من شدة وتأثير الفيضانات التي ضربت نيبال في ذلك العام.
خطر يمتد إلى الهند
وامتدت حالة التأهب إلى الهند، حيث أصدرت السلطات في ولايتي أوتار براديش وبيهار تحذيرات من الفيضانات، خشية وصول موجات إضافية من المياه والطين إلى المناطق الواقعة أسفل مجاري الأنهار.
وتزداد خطورة الوضع بسبب الطبيعة العابرة للحدود للأنهار في المنطقة، إذ يمكن لأي ارتفاع مفاجئ في منسوب المياه داخل المناطق الجبلية أن يتحول خلال وقت قصير إلى تهديد للقرى والمدن الواقعة في اتجاه مجرى النهر.
الهيمالايا أمام خطر متزايد
تكشف كارثة نيبال حجم المخاطر التي تواجه المناطق الجبلية في الهيمالايا، حيث تتداخل الانهيارات الجليدية والصخرية مع الفيضانات المفاجئة وتغير المناخ والتوسع العمراني والسياحي قرب مجاري الأنهار.
ومع استمرار عمليات البحث والإنقاذ، يبقى الخطر قائماً، خصوصاً مع احتمال تشكل سدود طبيعية جديدة أو انهيار الحواجز القائمة، ما قد يؤدي إلى موجة فيضانية ثانية في مناطق لم تتعافَ بعد من آثار الكارثة الأولى.
اقرأ المزيد
الهزات الارتدادية لزلزال كولومبيا.. لماذا ستكون أقل تأثيراً من زلزال فنزويلا المزدوج؟
زلزال تحت الأرض.. وانقلاب سياسي فوقها: لماذا غيّرت كولومبيا موقفها من إسرائيل؟
زلزال مدمر في اليابان وإعصار عنيف يضرب أمريكا.. يوم من الكوارث يهز العالم
كارثة ثانية تهدد الهيمالايا.. سدود طبيعية قد تطلق فيضانات مدمرة بين نيبال والصين

